بقلم ..ذ. محمد بادرة
4- تراجع الثقة بالأحزاب السياسية واستمرار عزوف الناخبين عن المشاركة
مهما كان من اختلاف التعاريف فدراسات علم السياسة والقانون الدستوري تجمع على أن دور الأحزاب السياسية يكمن أساسا في تنظيم المواطنين وتأطيرهم وتكوينهم وتمثيلهم والدفاع عن مصالحهم وقضاياهم والتعبير عن انشغالاتهم وتطلعاتهم والعمل على الوصول الى السلطة لبلورة وتنفيذ الاختيارات الحزبية والتوصيات والمبادئ والأفكار التي ينبني عليها البرنامج السياسي الحزبي بالرغم من الاختلاف القائم بين الأحزاب “الجماهيرية” وأحزاب “الأطر” فيما يخص القيام بهذه الأدوار. ويشكل تواجد الأحزاب السياسية وفعاليتها وقوتها داخل المشهد السياسي وتأثيرها في بنية النظام وديمومتها داخله مؤشرا على صحة وسلامة النظام السياسي العام لأنها تعد أساسا مهما من أسس الديموقراطية ومؤشرا على وجود حياة سياسية طبيعية وضمانة للتبادل السلمي للسلطة مع المشاركة الفعالة لأغلب المواطنين في تدبير الشأن العام.
1 – في المشهد الحزبي الوطني تعاني أحزابنا السياسية من أزمة بنيوية عميقة تتمثل في اختلال النظام الحزبي وتضخمه العددي غير المنضبط وتناقضه مع كل منطق ديموقراطي أو تمثيلي، وأن كثرة أعدادها لا تعكس تعددية ديموقراطية ومذهبية بل تشير الى فوضى حزبية مقنعة لا تؤدي الى التداول الحقيقي للسلطة بل أن بعضها يستغل المؤسسات الدستورية برلمانيا وجماعاتيا التمثيلية لأجل تحقيق مكاسب شخصية أو فئوية مما جعلها تخفق في تحقيق طموحات جماهيرها وأنها لم تتطور لا على مستوى الفكر ولا على مستوى التنظيم والتأطير وبقيت جامدة على مستوى الأداء مما حولها الى هياكل فارغة وتنظيمات بلا حياة ولا جدوى.
2 – في مشهدنا السياسي يخضع النظام الحزبي لامتحان “شعبي” في كل استحقاق انتخابي حيث أن الدولة لا تقيّم الأداء السياسي للأحزاب بل تترك هذا الحكم للمواطنين عبر صناديق الاقتراع، والحزب الفاشل يعاقبه الناخبون انتخابيا فيخسر التمثيل البرلماني أو يتقلص عدد نوابه ويفقد الحق في تكوين فريقه البرلماني، وحين يخسر قاعدته الشعبية فان ذلك يتسبب له في الانشقاق والتآكل والتلاشي أو حتى الاندثار من الوجود السياسي والاجتماعي ثم يفقد حجمه وحصته من التمويل التي يتلقاه من الدولة أو من الشركاء والمتعاطفين والمنخرطين. لذا تعتبر الانتخابات هي الآلية الأساسية للمحاسبة الديموقراطية أما المؤسسات الرقابية الأخرى فلا تتدخل الا في قضايا النزاعات التنظيمية وغيرها(المؤسسة القضائية) وتحتاج الأحزاب السياسية الى مراجعة سريعة لأدائها وتركيبها لأنها ليست ملكا لأشخاص أو لمجموعة من اللوبيات بل هي نتاج تضحيات أجيال متعاقبة وأفكار علماء ومفكرين ودماء شهداء مناضلين ودموع متعاطفين وعليه يجب على كل سياسي وكل مثقف وفاعل جمعوي وحزبي أن يعمل على اصلاح الحقل الحزبي وتأهيله.. والمدخل السياسي للإصلاح يبدأ من تأهيل الأحزاب وتجديدها.
3 – في قراءة للمتغيرات الثقافية والايديولوجية للظاهرة الحزبية المغربية يلفت النظر اختفاء الايديولوجيات والنظريات العقائدية الملهمة للقوى الاجتماعية الفاعلة وخصوصا الشباب والعمال والفئات الصغرى والمتوسطة، ولم يعد محور الصراع ولا موضوعه يدور حول اليسار واليمين على الرغم من حدة الاشتباك والتضاد النوعي بين أحزاب الأغلبية وأحزاب المعارضة وبالتالي حلت العوامل المادية المرتبطة بمستويات المعيشة (الأسعار- الأجور- ..) والخدمات الاجتماعية (الشغل – الصحة- التعليم..) والبنيات التحتية (الطرقات – السدود- الموانئ- المطارات..) حلت محل المعجلات العقائدية التي كانت سابقا تدفع الناس الى الانتفاضة والخروج الى الشارع العام ( كما حصل في سنوات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ) وكانت الحركات السياسية الحزبية والنقابية اليسارية تؤطر الحركات الاحتجاجية ميدانيا في الشارع وتقود قياداتها التاريخية والوطنية التظاهرات والمسيرات لكن مع سقوط جدار برلين سقط الجدار الايديولوجي عن الأحزاب اليسارية وانجرفت مجبرة مع تيار العولمة التي “أنجبت” لنا جيلا جديدا من النخب الشابة تؤمن بالمتبدلات المتسارعة في الأفكار والماديات وأصبح تدجينه في عقيدة معينة غير ممكن وقد جعله الانفتاح الإعلامي على تواصل شديد واختلاط كبير مع ثقافات وحضارات العالم المختلفة فأصبحت الأحزاب اليسارية مع مرور الوقت أمام جيل جديد بعثر كل المنظومات الفكرية التي تستطيع جذب الشباب الى حقولها الميغناطيسية فأصبحنا أمام عصر موت الايديولوجيا وانتصار التكنولوجيا وأمام جيل يسعى للحاق بالتطور السريع لوسائل التكنولوجيا الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي مما يتطلب من الأحزاب الحالية استبدال الذهنية السياسية التقليدية التي تدير تنظيماتها بأسلوب الديكتاتوريات وأفكار القرن التاسع عشر وهو ما أضاع عليها الطريق نحو الديموقراطية وتوسيع الحريات وتجذير تيار التنوير والحداثة.
4 – افتقاد أغلب الأحزاب السياسية الى الايديولوجية الموضوعية جعلها غير قادرة على أن تضع حدا فاصلا بين العمل الاجتماعي والسياسي، فالأول يتفرع من واجب الحزب في دعم الفئات الاجتماعية المتضررة اجتماعيا والأكثر فقرا وحاجة في المجتمع وتنمية قدراتهم الثقافية والتواصلية والاستجابة لاحتياجاتهم أما الثاني فيتصل بضرورة العمل على تنمية قدراتهم النضالية في سبيل حرية الرأي والتعبير لدى الأفراد ورفع الوعي الشعبي ليكون الناخبون قادرين على التمييز بين البرامج الاجتماعية والسياسية لكل الأحزاب السياسية ويكونوا قادرين على أن ينتقوا الأفضل منها في الوقت الذي نجد بعض الأحزاب تستغل المناسبات الديموقراطية كالانتخابات العامة أو الانتخابات المحلية لتقديم خدمات رشوية بغية شراء الأصوات والولاءات بعيدا عن التنافس الحر والشريف مما يؤشر على أن عددا من أحزابنا تفتقر الى النضج السياسي كما أن ضعف الثقافة الديموقراطية داخل أحزابنا السياسية المغربية يتجلى في جمود النخبة الحزبية وسيادة الاقصاء الداخلي للأعضاء وللتيارات المعارضة للقيادة وانتشار شبكة الوسطاء داخل الأحزاب السياسية وسيادة المساومات في مختلف الممارسات الحزبية مما يعيد تدوير واعادة انتاج نفس الوجوه والقيادات وطنيا ومحليا بل الأخطر من ذلك أن ضعف التنظيمات الحزبية أضعفت قدرة البرلمان على انتاج القوانين والتشريعات الكفيلة بإحداث اصلاحات سياسية نوعية وفاعلة، وتخليق الحياة العامة، وتجلى ضعف المؤسسة البرلمانية في فشل الأحزاب أغلبية ومعارضة عن تفعيل آليات الرقابة البرلمانية.. وخير مثال عن ذلك الفشل في تكوين لجن للتقصي في عدد من الاختلالات والفضائح المالية وغيرها مما أضعف حتى الحكومة نفسها وحوّلها الى (ائتلافات هشة) ساهمت في تعميق الفساد وتفشي المحسوبية.
5 –أما التظاهرات الاحتجاجية التي بدأت مع الربيع العربي وعادت مع حراك جيل(Z) فقد عجزت هي الأخرى عن تعزيز دور ومكانة الأحزاب الوطنية (اليسارية خصوصا) بل فشلت في ولادة حزب جديد يستطيع أن يملأ الفراغ ويستوعب الساحة السياسية وبذلك وصلنا الى نهاية الطريق التي عنوانها الفراغ الحزبي لعدم قدرة الأحزاب الوطنية على ممارسة اللعبة الديموقراطية وعلى انتاج حكومة سياسية قادرة على ادارة شؤون البلاد والعباد بطريقة تحقق تطلعات المواطنين.. وبالتالي تراجعت الثقة بالأحزاب السياسية الوطنية.
- -المال السياسي الفاسد كان ولا يزال سببا رئيسيا في اضعاف الأحزاب السياسية ومنعها من أن تبني صرحها على البرامج والكفاءات وانما تكتفي بما تقدمه من اغراءات ومال فاسد وهو ما يدفع أغلب الكفاءات والقوى الاجتماعية والثقافية الفاعلة الى الخروج من السباق الديموقراطي لصالح أصحاب المال والنفوذ مما يضعف جودة التمثيل الانتخابي وتراجع الأداء الرقابي وتضخم الفساد السياسي لأن المال الفاسد يولد شبكة مصالح مالية معقدة ثم يتطور الى أن يتطبّع الفساد في الوعي الجمعي ويصبح بيع الصوت الانتخابي أو قبول الرشوة الانتخابية أمرا معتادا لأن الفساد تحوّل الى ثقافة وتقليد انتخابي كما أن للفساد المالي تأثير سلبي في اضعاف المجتمع المدني لأن المنظمات المدنية تهمّش عندما تهيمن القوى المالية على المشهد السياسي.
- مع اكتساح الفساد والمال الفاسد للحياة السياسية والمجتمعية تنتقل النخب السياسية من منطق ادارة الأزمة الى منطق التعايش معها حيث لم تعد الاختلالات البنيوية في مؤسسات الدولة تعد مشكلة طارئة تستوجب حلولا جذرية بل تتحول الى معطيات ثابتة يجري التعامل معها بوصفها جزءا من الواقع السياسي الطبيعي وهو ما يعكس حالة انهاك عميقة في الخيال السياسي وعجزا عن انتاج أفق اصلاحي يتجاوز ادارة اللحظة .
- تراجع مفهوم المسؤولية السياسية حين لا تترجم النتائج الانتخابية الى محاسبة واضحة على الأداء الحكومي والحزبي ويزداد هذا التراجع قتامة حين لا يتم ربط الوصول الى السلطة بسجلات الإنجاز أو الإخفاق الحكومي مما يعمق الإحساس بان التداول السياسي يتم داخل دائرة مغلقة وأن الانتخابات تؤدي-فقط- وظيفة تنظيمية داخل المنظومة أكثر ما تؤدي وظيفة رقابية عليه.
- عدم تخلص أحزابنا من الأفكار النمطية المتمثلة في الزعامات والقيادات “التاريخية” لأشخاص بعينهم بعبارة أخرى لم تتحول أحزابنا بعد الى مؤسسات قادرة على العيش بذاتها معبرة عن ارادتها الذاتية ومصالحها الخاصة.
- افتقار الأحزاب السياسية الى التسويق السياسي للأفكار التي يؤمن بها الحزب فالوسائل لا تزال بدائية قائمة على أساس الترويج للشخص المتحزّب أو المترشح باسم الحزب حسب انتمائه القبلي أو العائلي او المؤسساتي أو المهني و بشكل أساسي حسب موارده المالية بعيدا عن امكانياته الفردية وانجازاته الحزبية..
ان بلادنا في حاجة ماسة لإصلاحات سياسية تصب في اتجاه تحقيق ديموقراطية في المجتمع وبين جميع المكونات السياسية لتحقيق امكانيات التطور وامكانيات التنمية حتى يصبح بلدنا قادرا على خلق قفزات نحو التطور الديموقراطي ونحو التنمية الشاملة وهذه المهمة لا يمكن أن يقوم بها ويقدر عليها الا الأحزاب السياسية القوية التي تملك القدرة على الانصات للمواطنين والالتحام بهم وحمل رسائلهم وممارسة الديموقراطية الداخلية بنفس القدر الذي تكافح فيه من أجل الديموقراطية داخل الدولة والمجتمع.
ان الشرط المسبق لإنقاذ الديموقراطية هو وجود أحزاب ديموقراطية حقيقية يقودون هذه المهمة، فاذا تحقق هذا الشرط أصبحت مكافحة الفساد بداية لاستعادة ثقة المواطنين، أما اذا غاب هذا الشرط فان الفساد سيزداد تحكما وانتشارا وتستمر أزمة الثقة في العمل السياسي والحزبي ويستمر عزوف الناخبين عن المشاركة السياسية.
فهل ستشهد الانتخابات المقبلة منافسة شريفة بين الأحزاب من حيث البرامج والمشاريع والاستقطاب أم ستسمر متلازمات الفساد تنهك البلاد والعباد ؟؟؟

