Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

هل يتعظ المفسدون من سقطة الوزير مبديع؟! للكاتب الصحفي اسماعيل الحلوتي

كتب اسماعيل الحلوتي

تعتبر ظاهرة الفساد التي تعود إلى قرون سحيقة من بين أخطر الآفات التي تتضرر منها المجتمعات، ولم تحظ باهتمام الدول سواء منها المتقدمة أو النامية، إلا في تسعينيات القرن العشرين، لما صار لها من آثار وخيمة على التنمية. إذ لولا خطورتها وحجم أضرارها ما كانت لتؤدي إلى استقالة حكومات ومحاكمة عديد الشخصيات السياسية البارزة عبر العالم. لذلك تشير عديد الدراسات الحديثة إلى أن للفساد كلفة باهظة وانعكاسات سلبية على معدل النمو ويساهم في تدهور الكفاءة، سوء توفير الموارد، نقص في الاستثمار المحلي والأجنبي والإضرار بالمشاريع التنموية، ناهيكم عن غياب العدالة الاجتماعية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة وضعف الإنفاق على القطاعات الحيوية من قبيل التعليم والصحة والبنية التحتية…

ولا غرو في أن نجد الفساد يشكل في دستورنا المغربي هاجسا محوريا لمختلف المؤسسات الوطنية، حيث أرست الوثيقة الدستورية منظومة متكاملة لمحاربة كافة مظاهره عبر فصول أساسية، تهدف إلى حماية المال العام، ربط المسؤولية بالمحاسبة، ضمان تكافؤ الفرص واعتماد الشفافية في تدبير الشأن العام.

ففي سابقة تعد هي الأولى من نوعها في تاريخ المغرب المعاصر، وفي سياق مواصلة السلطات القضائية بالمغرب معالجة ملفات الفساد الإداري والمالي، وفي إطار تعزيز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتفعيل آليات تخليق الحياة العامة. وبعد ثلاث سنوات من التحقيق العميق، أصدرت محكمة الاستئناف بمدينة الدار البيضاء يوم الخميس 21 ماي 2026 حكما يقضي بإدانة محمد مبديع القيادي في حزب “الحركة الشعبية” ووزير الوظيفة العمومية الأسبق ورئيس جماعة مدينة الفقيه بن صالح لأكثر من عشرين سنة، بالسجن النافذ لمدة 13 سنة مع غرامة مالية بلغت 30 مليون درهما، وذلك عقب متابعته في ملف يتعلق بسوء التدبير الإداري والمالي أثناء توليه مسؤوليات عمومية على مستوى رئاسة الجماعة.

وهو الحكم الذي جاء بناء على التهم المنسوبة إليه والمتمثلة أساسا في تبديد واختلاس أموال عمومية، استغلال النفوذ والارتشاء، منح صفقات مشبوهة واستغلال النفوذ مع ما رافق ذلك من تزوير في محررات رسمية وعرفية وتجارية، وإصدار شهادات طبية مزورة للتحايل على التحقيق…

فالوزير الحركي الأسبق محمد مبديع، كان يتابع في حالة اعتقال عقب إحالته من طرف قاضي التحقيق المكلف بجرائم الأموال رفقة سبعة متهمين آخرين على سجن عكاشة، جراء اختلالات مالية وتلاعب في الصفقات بجماعة الفقيه بن صالح، فيما قرر متابعة خمسة متهمين آخرين في حالة سراح بعد سحب جوازات سفرهم وإغلاق الحدود في وجوههم. وكان الوكيل العام في ذات المحكمة قد أحاله رفقة 12 متهما على قاضي التحقيق، ضمنهم مقاولون ومنتخبون وموظفون بنفس الجماعة، والتمس حينها متابعتهم في حالة اعتقال، بعد توجيه التهم السالفة الذكر لهم بعد انتهاء الأبحاث القضائية التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية على ضوء ما رصدته تقارير المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للإدارة الترابية التابعة لوزارة الداخلية، من اختلالات خطيرة.

فما لا يمكن تجاهله في هذا السياق الوطني، هو أن بلادنا بقيادة العاهل المفدى محمد السادس ما فتئت تبذل قصارى جهودها في اتجاه مكافحة الفساد، وتطهير المؤسسات العمومية والمنتخبة من لوبيات الريع والفساد السياسي والإداري والمالي، لاسيما أن جلالته لا يتوقف في خطبه السامية خلال السنوات الأخيرة عن توجيه دعواته إلى ضرورة تفعيل الحكامة الجيدة والالتزام بمبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، تخليق الحياة العامة وتعزيز الثقة في المؤسسات الوطنية. مما أدى إلى إحداث ثورة هادئة ضد المفسدين، عبر تحريك المسطرة القانونية في عديد الملفات المرتبطة بجرائم الأموال والرشوة وتبديد أموال عمومية، حيث تجسدت هذه الإرادة في اعتقال ومتابعة منتخبين وبرلمانيين من مختلف الهيئات السياسية. كما كشفت هذه الرجة القوية عن تجاوز بعض هذه الشبكات جرائم المال العام، لتشمل ملفات الاتجار في المخدرات واستغلال النفوذ، بعد أن استطاعت توظيف العمل السياسي لحماية مصالحها غير المشروعة…

إن محمد مبديع ليس سوى واحدا من بين أبرز المسؤولين الذين شملتهم ملفات ذات علاقة وثيقة باختلاس وتبديد المال العام، وعلى باقي المفسدين استخلاص العبرة من هكذا قضايا فساد، والتأكد من أن مثل هذه المحاكمة التي خضع لها الوزير الحركي الأسبق، ليست مجرد إجراء قانوني أو عقابي، بل هي درس مجتمعي بليغ يحمل عدة رسائل عميقة، تهدف إلى حماية ثروات البلاد وصون كرامة الأفراد، وتؤكد بأن جميع المغاربة سواسية أمام القانون وأن المال العام خط أحمر، فضلا عن أنها تبعث برسائل ردع قوية لكل من تسول له نفسه استغلال منصبه في اتجاه تحقيق مصالحه الشخصية …