Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

يسارنا الماركسي  ضرورة سياسية وثقافية أم طوباوية فكرية منتهية الصلاحية؟

كتب ذ. محمد بادرة

شهد العالم العربي مع بداية القرن العشرين ظهور أحزاب يسارية ماركسية واشتراكية وقومية وفي فترات الستينيات والسبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي اكتسحت الفلسفة المادية والوضعية المؤسسات الجامعية ووصل مداها الى المؤسسات الحزبية والنقابية والثقافية والشبابية وشمل تأثيرها قاعدة عريضة من المثقفين والجامعيين والشباب والعمال لكن مع تصاعد الأزمات الاقتصادية العالمية وسقوط جدار برلين وزوال الاتحاد السوفياتي وفي المقابل هيمنة النظام الاقتصادي الليبيرالي العالمي الجديد المندمج في الدورة الرأسمالية العالمية من موقع التخلف والفقر والضعف في دولنا ومجتمعاتنا عجزت الأحزاب الماركسية وكل التيارات اليسارية من توجيه الصراع لصالحها أو لصالح الفئات المضطهدة اجتماعيا وطبقيا مما دفع الكثير الى القول أننا نودع هذه الأحزاب الماركسية والشيوعية الى متواها التاريخي الأخير…

وفي عالمنا العربي لم تتمكن الأحزاب الماركسية من صنع نجاحها ولا من تقديم اسهامات متميزة في حقل انتاج وإعادة انتاج الماركسية بصورة مستقلة بعيدة عن التصورات البيروقراطية والسلوكات الاستبدادية (الستالينية) ومن أسباب فشل أو قصور الأحزاب الماركسية العربية في ابداع فكر سياسي وتنظيمي ماركسي عربي  بديل :

1- ضعف وهشاشة الحامل الاجتماعي للأحزاب الماركسية العربية(البروليتاريا الصناعية) بسبب ضعف قطاع التصنيع ومحدودية عدد العاملين في القطاع الصناعي وتدني مستوى وعي الطبقة العاملة. كما أن اعتماد هذه الأحزاب – نظريا- على قوة العمال (البروليتاريا العمالية) أيا كان تفسيرها غير صالحة لأنها ببساطة تعالج مشكلة الحياة السياسية من منطق غير سياسي وكأن هذه الأحزاب تقسم الشعب تبعا للعمل وليس تبعا للاتجاه السياسي. انهم يقسمون الشعب الى فلاحين وعمال وأجراء ومثقفين ورأسماليين واقطاع … ومن فساد “نظرية” التقسيم هذه أن العمال ليسوا ذوي اتجاه سياسي واحد فكيف يمكن تدجينهم جميعا في تنظيم سياسي واحد وما يقال عن العمال يقال عن غيرهم.. وهذا ما يعكس غياب التفكير العلمي وتغليب المقولات النظرية على الواقع.

2- واقع التخلف الفكري في المجتمع العربي المرتبط أصلا بالمستوى المتخلف للوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي وهذا التخلف السياسي يتجلى أساسا في عجز هذه الأحزاب عن بناء وعي جديد يرتبط بحركة التاريخ ويعمل في ضوء العقلانية العلمية وليس الايمان بالفكر “التبشيري” الماركسي هكذا دون انتقاد أو تقييم نقدي أما التخلف الاقتصادي فيتجلى في كون اقتصادنا اقتصادا متأخرا مندلقا وتابعا للاقتصاد الراسمالي.

3- ظروف القمع والاضطهاد الذي تعرضت له الأحزاب الماركسية والشيوعية في سائر البلدان العربية اضافة الى النبذ العقائدي والاجتماعي الذي استهدف الماركسيين وساهم في عزلتهم بعد ان وجهوا سهام نقدهم للدين وللشرائع الدينية.

4- الفكر الماركسي انتقل الينا من أوربا وبذلك فان الماركسية لم تكن نتاجا ولا جزءا من منظومتنا الفكرية العربية والاسلامية اسوة بالليبيرالية التي انتقلت الينا هي الأخرى من أوربا بل وحتى الفكر القومي انتقل الينا من أوربا ولكنها كأفكار وكاتجاهات انسانية كبرى احتلت موقعها في المنظومة الفكرية العربية.

5- فشل الأحزاب الماركسية العربية ناجم من ابتعادها عن الواقع المركب للمجتمعات العربية و”ايمانها المطلق” بالفلسفة الماركسية وكأنها العصا السحرية التي ستحل جميع مشكلات الأمة والوطن والمجتمع مما جعلها تتلقى سيلا من الانتقادات الحادة بانغلاقها وسقوطها في غياهب الطوباوية والأحلام الوردية ومن بين الشهادات التي يمكن الاستئناس بها في هذا السياق :

كما أورد الكاتب العديد من المقولات الماركسية التي تستعمل في الخطاب السياسي ومن أبرزها مقولة (البروليتاريا وقيادتها للمجتمع) وهو ما يعكس غيابا للتفكير العلمي وتغليبا للمقولات النظرية على الواقع وتجاهلا لحقيقة التكوين الاجتماعي والطبقي في مجتمعاتنا العربية .

وفي المغرب كان اليسار الماركسي قد انبثق من الحزب الشيوعي الفرنسي تم تشكل “مغربيا” من تيارات ومنظمات أهمها منظمة 23 مارس ومنظمة الى الأمام المنبثقتان من الحزب الشيوعي المغربي (حزب التحرر والاشتراكية ثم حزب التقدم والاشتراكية اليوم) وكان من أبرز قادة هذه التنظيمات اليسارية الماركسية أبراهام السرفاتي وعبد الفتاح الفاكهاني وعبد الله المنصوري وعلي يعته والشاعر عبد اللطيف اللعبي.. وفي السنوات الأخيرة تم تأسيس حزب النهج الديموقراطي سنة 1995 وهو يحمل الآن اسم النهج الديموقراطي العمالي وكان الأساس الفلسفي والايديولوجي لمشروعهم السياسي هي المادية الجدلية والمادية التاريخية مع اتباع اسلوب النهج الثوري والغاء البعد الديني في ثقافتهم السياسية.. وهم يؤسسون لخطاب يساري طوباوي فشل في الوصول الى الجماهير العريضة من الشعب لأنه اصلا حصر الشعب في النخبة المثقفة في الجامعات (الطلبة) وفي العمال (النقابات) وفي الناشطين الحقوقيين(جمعيات حقوق الانسان).

هذا التيار وغيره من التيارات والتنظيمات اليسارية تمارس الفعل الحزبي والنقابي والحقوقي كخطاب احتجاجي وليس كفكر ماركسي يسعى الى ادخال تغيير جدري على علاقات البنية الاجتماعية وازاحة عوائق التقدم من وجه حركة المجتمع وتحقيق أكبر قدر ممكن من التكيف والملاءمة لإرساء قواعد الاطار الحضاري المنشود.

 ان الماركسية هي أشبه بيوتوبيا حالمة تدعو للمساواة والعدل الاجتماعي في مواجهة الرأسمالية وشرورها في النهب والظلم الاجتماعي، ونظرا لطبيعة تناقضات الرأسمالية والصراع الطبقي فانه لا يمكن القضاء عليها بجرة قلم كما يقول فرانسيس فوكو ياما ولذا جاءت الماركسية “الماركة الجديدة” لتحمل بذور اعادة طرح الاشتراكية كنظام اجتماعي بديل أكثر ديموقراطية وأكثر عدلا ومتخلية عن ديكتاتورية البروليتاريا.

كان للماركسية كفكر وفلسفة دورا كبيرا في الاشعاع الثقافي اليساري في مغرب الستينيات والسبعينيات والثمانينيات ومن خلال عدد من المجلات، منها الآفاق – الثقافة الجديدة – البديل … وساهمت في توهج اليسار الثقافي والسياسي مما يبين أن انتاج المعرفة كان تقليدا يساريا بامتياز. والماركسية هي عالم الفكر وطريقة ومنهجية في التحليل، تعلم كيف يتشبع الباحث بالمنهجية العلمية في التحليل والبحث لكن وزنها السياسي المؤسساتي يسير نحو منحدر لا ينفك يتهاوى نزولا وما صمد من تياراتها فقد باتت ترى مهمتها في الحفاظ على وجودها البيولوجي لا الوجود السياسي الفاعل وكأن المسالة لديهم هي فقط وجود التنظيم لا الدور الذي يجب القيام به باستهداف التقدم الاجتماعي وتحقيق التنمية والديموقراطية.

آن الأوان لهذه الأحزاب الماركسية أن تتحلى بديموقراطية التعدد وتتخلى عن ديموقراطية المنابر والا انتهت صلاحيتها وآن الأوان لدفن ايديولوجيتها وتنظيماتها !!