أخر الأخبار
الرئيسية » اخبار » مونديال 2030 بين الأمن واللعبة الجيوسياسيّة: هل يجري تطويق المغرب من بوابة الدوحة؟

مونديال 2030 بين الأمن واللعبة الجيوسياسيّة: هل يجري تطويق المغرب من بوابة الدوحة؟

عبد الله مشنون كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
قد يكون الاتفاق الأمني القطري الإسباني المرتبط بتأمين مونديال 2030 مجرد تفاهم تقني لتبادل الخبرات في تأمين التظاهرات الرياضية الكبرى. وقد يكون في المقابل أكثر من ذلك بكثير. فالتوقيت وحده يفتح باباً واسعاً للتساؤل: لماذا تأتي الدوحة إلى المشهد الإسباني الآن تحديداً وفي لحظة تتقاطع فيها أزمة الهجرة في سبتة مع توتر سياسي وإعلامي متصاعد حول المغرب ودوره في استضافة المونديال؟ المسألة لا تتعلق بكأس العالم وحدها بل بشبكة مصالح تتجاوز الملعب إلى الحدود والموانئ والطاقة والنفوذ الإقليمي. فمنذ أزمة سبتة الأخيرة دخل المغرب مجدداً في مرمى خطاب سياسي وإعلامي إسباني اتهمه بعض الفاعلين باستعمال الهجرة أداة ضغط بل ذهب بعضهم إلى توصيف ما جرى باعتباره شكلاً من أشكال الحرب الهجينة. وفي خضم هذا المناخ بدأت أصوات تطالب بإعادة النظر في موقع المغرب داخل ترتيبات مونديال 2030 وكأن الأزمة الحدودية يمكن أن تتحول تدريجياً إلى ورقة لإعادة توزيع أدوار الاستضافة والنفوذ. هنا تحديداً تكتسب الخطوة الإسبانية نحو قطر دلالتها السياسية. فالمغرب ليس مجرد طرف أمني خارجي يمكن الاستعانة به عند الحاجة إنه أحد البلدان المضيفة للمونديال. ومع ذلك تظهر قطر التي احتضنت نسخة 2022 بوصفها شريكاً أمنياً لإسبانيا في نسخة 2030. قد يكون ذلك تعاوناً طبيعياً وقد يكون أيضاً محاولة لبناء شبكة أمنية موازية لا تجعل مدريد رهينة للتنسيق المغربي. وفي السياسة الدولية لا تُقاس الرسائل دائماً بما تقوله الاتفاقيات بل أيضاً بمن تختار أن تُدخله إلى دائرة الشراكة ومتى تفعل ذلك. وتزداد الصورة تعقيداً عندما نضع الجغرافيا الاقتصادية في الحساب. فغرب المتوسط لم يعد مجرد ممر بحري إنه ساحة تنافس على الموانئ وسلاسل الإمداد ومراكز إعادة التصدير. وقد فرض طنجة المتوسط نفسه لاعباً لوجستياً كبيراً في المنطقة فيما يواصل ميناء الجزيرة الخضراء والموانئ الإسبانية الجنوبية البحث عن موقعهما داخل شبكة متوسطية تتغير موازينها بسرعة. ولذلك فإن التنافس على التدفقات التجارية لا ينفصل تماماً عن التنافس على النفوذ السياسي والأمني. ثم تأتي الطاقة لتضيف طبقة أخرى إلى المشهد. فالمنافسة بين مسارات الغاز النيجيري المتجهة نحو أوروبا عبر المغرب أو عبر الجزائر ليست مجرد منافسة تقنية على أنبوبين إنها صراع على موقع البوابة التي ستعبر منها الطاقة الإفريقية إلى السوق الأوروبية. وفي هذا المستوى تتقاطع مصالح المغرب والإمارات من جهة مع مصالح الجزائر وقطر من جهة أخرى فيما تحتل إسبانيا موقعاً بالغ الأهمية باعتبارها إحدى بوابات الطاقة إلى أوروبا. من هنا يصبح التقارب القطري الإسباني قابلاً لقراءتين متوازيتين: قراءة ترى فيه تعاوناً أمنياً مشروعاً تفرضه الاستعدادات لمونديال عالمي وقراءة أخرى ترى فيه قطعة ضمن لوحة أكبر يجري فيها بناء أوراق ضغط جديدة حول المغرب. ولا يمكن فصل هذا التطور الأمني عن سياقه الميداني والتاريخي القريب فخلال مونديال قطر 2022 مثّل الحضور الأمني واللوجستي المغربي دعامة أساسية ساهمت في تأمين تلك النسخة بنجاح بناءً على بروتوكولات تعاون وثيقة. وعليه فإن انتقال الدوحة اليوم نحو الشراكة مع إسبانيا لتأمين نسخة 2030 التي يُعد المغرب شريكاً رئيسياً في تنظيمها يطرح علامات استفهام حول طبيعة الوفاء بالالتزامات الاستراتيجية البينية وما إذا كانت حسابات المصالح الكبرى تبدأ أحياناً في التحلل من ديون الدبلوماسية الأمنية السابقة. كما أن مدريد التي تواجه ضغوطاً داخلية هائلة مرتبطة بملفات الهجرة والحدود الجنوبية قد تسعى عبر هذا الاتفاق إلى خلق توازن بديل يمنحها هامش مناوَسة أكبر في علاقتها المعقدة مع الرباط خاصة في ظل حساسية الملفات السيادية المشتركة. وبين القراءتين تبقى فرضية ثالثة أكثر إثارة: ماذا لو لم يكن الأمر اتفاقاً أمنياً فقط بل جزءاً من عملية تدريجية لإعادة هندسة موازين القوة المحيطة بمونديال 2030؟ أما المفارقة التي يصعب تجاوزها فهي أن المغرب الذي ساهم في تأمين مونديال قطر 2022 يجد نفسه اليوم أمام قطر وهي تدخل من البوابة الإسبانية إلى ترتيبات أمنية تخص المونديال الذي سيقام فوق أرض المغرب أيضاً. فإذا كانت الدوحة احتاجت بالأمس إلى الخبرة الأمنية المغربية لتأمين ملاعبها فهل اكتشفت اليوم أن إسبانيا تحتاج إلى خبرتها أكثر من حاجتها إلى شريكها المغربي؟