Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

المعلم و البيض البلدي و أشياء أخرى





لست أدري كيف تغير المجتمع المغربي بهذا الشكل و بهذه السرعة و لا كيف انهارت بورصة القيم و خسر الاكثرون منا أسهمهم ، أو ربما ربحوا الكثير. الاهم من المهم أننا ارتدينا جلاليب لا تليق بنا و فتحنا أفواهنا أكثر من ذراعنا و تطبعنا مع الكثير مما كان يوصف بخوارم المروءة و سوء الاخلاق وقلة التربية و تربية الزنقة و غيرها من الاصطلاحات التي أفرغت من محتواها اليوم كليا أو حذفت من قواميسنا الاخلاقية و العرفية.إن من حجج الحداثة و التقدم و مواكبة العصر ما يكفي لاقناعنا  أن ما نحن فيه أمر طبيعي..

في الحقيقة هذا تقديم طائش لانه خارج الموضوع ، أما داخل الموضوع فهو مجرد تأملات في جلسة تقرقيب الناب في المعلمين و المعلمات الاحياء منهم و الاموات و يستحضرون ذكرياتهم مع غباء أهل القرى عندما كانوا يمولون المعلم بالخبز و البيض البلدي أما اليوم و الله لا ضرسوا.
ليس جديرا بالذكر أن الغيبة و النميمة في المعلم ليس حراما شرعا و لا قانونا و لاعرفا و لا تشملها الآية: و ليغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه” فالمعلم ليس أخ أحد إنما هو أخ الطباشير و السبورة و كراسات التلميذ و أكل لحمه ميتا أو حيا جائز عند فقهاء راس الدرب و راس الحانوت بل ينصح به طبيا لمعالجة الكثير من الامراض منها قلة ما يدار.
ما لا يعرفه هؤلاء و غيرهم أن اباءهم القرويين حين كانوا يجودون بالبيض و الخبز و البيض البلدي على المعلم لم يكونوا يفعلون ذلك و في خلدهم التنكيت و حبك الروا يات عن شح المعلم و فقره أو طمعه في الآن يستغلهم ليجمع دريهمات في البنك يبني بها بيتا في المدينة ،بل كانوا يعبرون عن كرمهم و سخاءهم و يخدمونه بما استطاعوا ألى ذلك سبيلا لأنهم يدركون أن المعلم ضيف عابر مهما طال مقامه إلا أن يقع قلبه في حب احدى بناتهم و إذا حدث ذلك فتلك حكاية أخرى ندعها الآن جانبا أسفل الورقة.
إنه لا جواب عندي على سؤال من خرب التعليم و أفسد القيم و جعلهم يقيسون كل شيء بالدرهم و أمات فيهم الكثير من القيم الدينية و الاجتماعية و الوطنية و الانسانية ، كل الاجابات المقدمة لها نصيب وافر من الصحة لكن في قلب كل المتحدثين الساخرين و المستهترين و المنصفين و الحاكمين والمحكومين شيء يظل ينشد فيهم: قم للمعلم و فه التبجيلا       كاد المعلم أن يكون رسولا.
و يظل  المعلم و الشاذ لا يقاس عليه ينشد:
شوقي يقول و ما درى بمصيبتي           قم للمعلم و فه التبجيلا
ثم إن الامراض أجمعت أمرها على أن تفتك بصحته و كلما سمع بانتحار أحد ما إبتسم ساخرا و قال :الحمد لله فالمعلمون لا ينتحرون و لا يصلون إلى اليأس أبدا و ينشد في نفسه بيتا اخر لابر اهيم طوقان:
يا من يريد الانتحار وجده            إن المعلم لا يعيش طويلا.
و لم ينتبه إلى زوجته و قد تغير لونها بعدما لمحته يبتسم خلسة و عيناه مسمرتان على شاشة حاسوبه فيعود إلى الاستغراق في التفكير و هذه المرة عن مسوغ لا بتسامته و هو الذي لم يسأله أحد يوما لماذا لا تبتسم؟ و حتى لا يسمح للجارات بمد اذانهن لسماع ما يمكن يحدث بين المعلم و زوجته المعلمة ربما انطلق يقرأ عليها من شاشة حاسوبه هلوسة بعنوان: ” المعلم و الخبز و البيض البلدي و أشياء أخرى.
                                                   مصطفى فاكر