موقع المنار توداي…مصطفى فاكر…22/11/2017/..
الشماعية مدينة ولدت من جديد ولادة قيصرية تتسع و تكبر و تتمدد في كل الاتجاهات، تمد جذورها كشجرة فوق الارض من كل ناحية… الابنية و الجدران تتناسل و تتكاثر ترفع هاماتها نحو عنان السماء في خيلاء.
حواشي المدينة ما فتئت تقضم تارة تحت جنح الليل طورا و طورا اخر تتاكل عند بزوغ الشمس.
تبدو الشماعية كمدينة الاقزام بمشاريعها و سيرورتها التنموية، لكنها جميلة بمكارم أهلها ثرية بأمجادها بثراتها بوداعتها بصفاء جوها غنية بمقاهيها بمطاعمها بمتسوليها و مشرديها ببائعيها المتجولين و بشبابها العاطل ،لكن بالمقابل تبدوالشماعية ضيقة صغيرة في عيون الكثيرين و الدين تطرق مسامعهم كل يوم حكايات حزينة عن بؤس مرافقها الصحية و عن شح وسائل نقلها العمومية و شح في حدائقها و ارتفاع في منسوب ظواهر الانحراف و احتلال املاكها العمومية و انعدام مراحيضها العمومية و فوضى في حركة السير و الجولان و اختناق شوارها و ممراتها.
و سواء أكبرت المدينة أو صغرت فإن الواقع الذي نقطع به اليقين هو أن كل شيء فيها تغير و اضحت حديث العجائب و الغرائب ، مدينة التناقضات و المفارقات : مدينة تشرع ذراعيها للجميع لا تلفظ احدا حتى أنها صارت كخلية نحل تسع الجميع و تموج حتى الثمالة بأصناف و نماذج بشرية مختلفة، منهم من يرفل في النعيم و منهم من يشكو شظف العيش و ضنكها.
صحيح أن المدينة اكتسى وجهها علائم الاشراق و الرفاهية و البذخ إلا أن جسمها السقيم تلفه ملامح البؤس و الحرمان و الوجع و الشقاء.
مدينة تغص بالفوارق الاجتماعية ،مدينة تغص بالعاطلين و السماسرة و المتسولين و المتسكعين و المنحرفين،إن للمدينة طوايا و اسرارا لا تفصح عنها إلا لمن بازمها زمنا طويلا…
في بعض الاحيان يعتري نفسي الملل و السقم فأشعر بأن المدينة اضيق من أن تحمل جسمي النحيف و ذلك بسبب الزحمة و تدافع المناكب و جلبة السابلة و صياح البائعين و زعيق أبواق السيارات و عوادمها و حشرجاتها التي تملأ الاذن و تقبض الانفس حينئذ لا أجد مفرا من أن أتجافى عن كل ذلك فأفزع إما إلى دروب المدينة القديمة لأسري عن نفسي بجولة أو أشق الطريق نحو سبخة زيما المتنفس الوحيد لأمثالي أراقب من هناك طلوع الشمس و غروبها في مشهد فريد من نوعه مع نغمات الشحرور حيث أنعم بجلسة وادعة و أعب من فتنة المشاهد الساحرة على امتداد أحواضها خاصة أذا صفا الافق.
يحلو لي أن أحمل فلبي و ألم عقلي لأخترقدروب الشماعية التي لا تتميز بشكل هندسي معين بل تتفاوت ضيقا و سعة و اعوجاجا :حي المسيرة(الخربة قديما) حي السرسار، سوق الخميس …
يحلو لي أن أذرع متمهلا أرجاءها الملتوية و أتوغل في متاهاتها، يطيب لي أن أترجل فيها من غير أن تضايقني المناكب أو يستبد بي الصخب خاصة في الصباح الباكر.
مدينة الشماعية كماوصفها لي أحد زملاء المهنة كانت في الماضي جنة الله في أرضه حيث كانت تتوفر على ملعب التنس و على روضات مترامية هنا و هناك في شكل بديع و مياه عذبة رقراقة تغزو كل مكان إما عن نظافة البيئة فلا تسل عنها … كان كل ما فيها يسكن النفس و يغذي الروح فتنتشي و تسمو العين في انشراح إلى كل ما يتراءى لها من هضاب و سماء و ماء ،هنا يطوف البصر مشدودا و يتطلع الفؤاد مأخوذا و تتيه النفس ذهولا . أما الان فكل ما فيها ينفر و يعبس و حيثما وليت وجهك ينقلب إليك البصر خاسئا من فرط ما تعرفه من تهميش و إهمال و نكوص و جحود…


