Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

الإسلاميون والبحث عن الانتصار المكلف.. (على هامش الانتخابات الجماعية المغربية)

لا حديث في المغرب هذه الأيام إلا عن الانتخابات الجماعية المزمع تنظيمها في الرابع من شتنبر/سبتمبر المقبل، وهي أول انتخابات في ظل الدستور الجديد (فاتح يوليوز 2011)، والتي ستجرى تحت الإشراف السياسي لرئاسة الحكومة التي يتولاها الأستاذ عبد الإله بن كيران. يتنافس في هذه الانتخابات عدد من القوى السياسية، وعلى رأسها: حزب العدالة والتنمية الإسلامي، الذي يستفيد -هذه المرة- من وجوده في السلطة، حيث يشرف أمينه العام على هذه الانتخابات، ويراقبها قضائيًا وقانونيًا عضو أمانته العامة ووزير العدل السيد مصطفى الرميد؛ وحزب الأصالة والمعاصرة، الذي يصنف على أنه حزب الإدارة، نشأ بإيعاز منها، وتحت أعين السيد فؤاد علي الهمة المستشار الحالي للعاهل المغربي، والذي يستفيد من دعم بعض الخواص وجهات داخل الإدارة اعتقادًا منها أنه حزب الدولة.
تشكل هذه الانتخابات بالنسبة إلى إسلاميي العدالة والتنمية محطة أساسية في مسارهم السياسي، يريدون من خلالها التأكيد على شعبيتهم، والاستفادة من التجارب الناجحة لبعض البلديات التي استقلوا بتدبيرها خلال الخمس سنوات الماضية، خاصة وأن هذه الانتخابات تأتي قبل سنة تقريبًا من انتهاء ولاية الحكومة التي يقودها حزبهم.
من المؤكد في ظروف كهذه، وبالنسبة إلى كوادر حزب العدالة والتنمية والمتعاطفين مع تجربته، أن يتطلعوا وبقوة لتحقيق نصر انتخابي كبير، وإلحاق الهزيمة بخصومهم من المعارضة، وعلى رأسها أحزاب الأصالة والمعاصرة، والاستقلال والاتحاد الاشتراكي. وإذا كنا في هذه المقالة لا نُغْمِطُهم حقهم في السعي إلى الفوز، ولا نريد أن نفُتَّ في عضدهم، ونثبط عزائمهم، وإنما نريد في المقام الأول أن نعقلن هذه الرغبة، التي إن تركت دون لجام ستعود بالسلب على التجربة السياسية للإسلاميين بالمغرب وخارجه، سواء في حال الفوز العريض أو الهزيمة.
إن الانتخابات الجماعية بالمغرب في هذا الموسم، وبالرغم من ارتباطها بالشأن المحلي، وتدبير مصالح «صغيرة»، فإنها -هذه المرَّة -لا تخلو من رهانات سياسية كبرى، يدركها جيدًا المتنافسون، وفي مقدمة هذه الرهانات:
– تأمين الخيار الديمقراطي: وذلك بالحد أو على الأقل التقليل من أشكال العبث المختلفة بإرادة الناخبين، والتي كانت تتم في الماضي بإيعاز من الدولة؛ كاستعمال المال، وترهيب المواطنين ودفعهم للتصويت على طرف معين.
– تعزيز الاستقرار السياسي والتماسك الاجتماعي: فلا أحد يريد لهذه الانتخابات أن تبعث رسالة سلبية نحو المستقبل، ومن ثم تؤشر على عودة أجواء ومناخ ما قبل 20 فبراير 2011، فكل القوى في المغرب، سواء وجدت في السلطة أو المعارضة، تريد من هذه الانتخابات أن تؤكد على صلابة الاستقرار السياسي بالمغرب، والتوجه الاستراتيجي الثابت للمملكة باتجاه الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
– التضييق على الفساد: تتطلع قوى الإصلاح بالمغرب من جميع الاتجاهات، وفي مقدمتها حزب العدالة والتنمية، أن يكسب المغرب نقطًا جديدة في حربه على الفساد، بحيث يعول على قدرة الناخب المغربي وذكائه في اختيار الأسماء واللوائح الانتخابية التي يتميز أصحابها بنظافة اليد، ويبتعدوا ما أمكن عن النخب المرتزقة، التي جعلت في الماضي من الجماعات المحلية والمناصب العمومية طريقًا سالكًا، وسهلًا للاغتناء غير المشروع، ومراكمة الثروات.
– تطوير الحكامة المحلية: فمن أعوص المشاكل التي تعانيها الجماعات المحلية بالمغرب، ضعف الحكامة، وهزالة النخب المسيرة؛ فالمستوى التعليمي لأغلب هذه النخب محدود، وقدراتها الإدارية والتدبيرية ضعيفة، الشيء الذي جعل أجهزة الوصاية تتضخم بالضرورة وبالرغم عنها، وذلك أمام عجز المسؤولين المحليين عن ممارسة صلاحياتهم، ومن ثم يتمنى الجميع بالمغرب -اليوم- أن تكون اللوائح الانتخابية التي تقدمها الأحزاب في هذا السباق لوائح نخب سياسية كفأة، وليست مجموعات أعيان ووجهاء، وأصحاب المال، غير القادرين في حال نجاحهم على ملء مناصبهم، واستعمال صلاحياتهم التي يمنحها إياهم الميثاق الجماعي.
إن حزب العدالة والتنمية المغربي إزاء هذه الرهانات الأربعة يجب أن يتحلى بحكمة وذكاء سياسي حاد؛ فالمسألة ليست بالبساطة التي يتصورها كثير من مناضليه، فالنصر الذي يبحثون عنه قد يكون مكلفًا للغاية، وخطوة في اتجاه عودة التحكم من جديد.
إن التناقض الأساسي والجديد اليوم في المغرب فيما يتعلق بالسعي إلى بناء دولة حديثة وديمقراطية، هو بين القوى الديمقراطية وبين «جماعات المصالح»، المهيكلة وغير المهيكلة، الظاهرة والخفية، المحلية والدولية، والتي ينعتها البعض بـ”قوى الفساد”، بحيث لم يعد التناقض كما كان الحال في السابق بين الديمقراطية وبين التيارات المعادية لها (التيار الإسلامي)، ومن ثم أي تقدم باتجاه إرساء الديمقراطية ووصول القوى الديمقراطية إلى مواقع السلطة يعني -بالمقابل- انحسارًا لنفوذ جماعات المصالح وتهديدًا لمنافعها، والعكس صحيح. فحديث الديمقراطيين عن سياسة تكافؤ الفرص، والسعي لإقرار عدالة اجتماعية، حديث ممقوت من طرف هذه الجماعات والمرتبطين بها.
ومما يجب إدراكه في هذا السياق أن تهم الفساد التي توصف بها جماعات المصالح وأعضاؤها، لا تتعلق باختلاس أموال عمومية، أو الحصول على أموال خارج القانون، فهي بعيدة عن مثل هذه التهم؛ بل يتجلى في حرصها على ضرب تكافؤ الفرص وحصولها على معاملة تفضيلية، والتمتع بـ”امتيازات قانونية”، والتهرب الضريبي، وهذا النوع من الفساد ليس كائنًا محليًا، يتمثل في عدد من الخواص والمؤسسات المغربية؛ بل هو بالإضافة إلى ذلك، له امتدادات دولية، ومرتبط بدول ومؤسسات خارجية، ويجر وراءه مصالح سياسية عليا وحيوية، وهو مستعد من أجل مصالحه ونفوذه -وهذا هو الأخطر- أن ينسف الخيار الديمقراطي من أساسه إذا هدد مصالحه، ويزعزع استقرار الدول، ويدفع بكل أعدائه إلى الهامش.
إن الشرط الأساس لاندماج الإسلاميين المغاربة في المشهد السياسي اندماجًا كاملًا، وتامًا، لا يتحقق بوصولهم إلى رئاسة الحكومة وما يشاكلها في دولة كالمغرب، على أهمية هذا المنصب؛ بل يتمثل في إدراكهم للمصالح الحيوية للمملكة التي تحققها من جراء تعايشها مع جماعات المصالح بامتداداتها المختلفة محليًا ودوليًا، وإدراكهم بالمقابل للخسائر الفادحة التي قد يتكبدها البلد جراء الصرامة في مواجهتها. ومن شأن التباين في الوعي والإدراك بين الإسلاميين من جهة، وبين الماسكين بزمام الأمور من جهة ثانية، أن يبقي على الحاجة السياسية الماسة للتزوير والتحكم، ويمنحها بعض الشرعية باعتبارها تدخلًا من أجل حفظ المصالح العليا للبلد، وحفظ استقراره السياسي.
فالذين يتخوفون من فوز حزب العدالة والتنمية في عدد من المدن الكبرى ليس مؤسسات الدولة ورجالاتها، وإنما شبكة المصالح المعقدة، المحلية والدولية، التي تتخوف من وصول العدالة والتنمية أو بعض رجالاتها إلى مناصب التسيير؛ حيث يرون فيها تهديدًا مباشرًا لنفوذهم الاقتصادي والسياسي.
وبحكم متابعتنا للتطور الثقافي والسياسي لإسلاميي المغرب، وعلى رأسهم حزب العدالة والتنمية، نعتقد أن “الانتصار الكبير” الذي يهفو إليه أنصار هذا الحزب، ليس هذا أوانه، وإذا ما تحقق، سيكون مكلفًا لهم، وللمغرب، وسيُخلّ بقواعد الاستقرار وآلياته، وخاصة في عدد من المدن الكبرى ذات البعد الاستراتيجي والدولي؛ ومن ثم أقصى ما نتمناه في هذا السياق هو أن يحقق حزب العدالة والتنمية تقدمًا مهمًّا يسمح له بالمساهمة في التسيير في عدد من المدن الكبرى، ويؤسس بالتالي إلى نقلة نوعية في الإدراك السياسي لقياداته المحلية، وعموم أعضائه، تؤهلهم مستقبلًا للحكم.