Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

* بمناسبة مئوية نجيب محفوظ : ” اللص والكلاب”: بين السرد الروائي و السرد الفيلمي.




تمهيد:

 تعرفنا من خلال قراءة رواية ” اللص والكلاب
“عن أهم المميزات السردية/الفنية لهذه الرواية . وفي هذه الورقة نحاول أن
نتعرف على صورة هذه الرواية في عالم السينما ، لنجيب على سؤال : ما الفرق بين
الرواية والفيلم؟ فالجواب سيساعد القارئ / المشاهد على التمييز بين خطابين مختلفين
، وبين رؤيتين فنيتين مستقلتين : رؤية المبدع الروائي ، ورؤية المخرج السينمائي.

* الإخراج السينمائي:

 من المعروف أن عشرات الروايات المحفوظية تحولت إلى
أفلام سينمائية، كما عرف محفوظ ككاتب لعشرات السيناريوهات السينمائية. والأكيد أن الإخراج
هو رؤية فنية متميزة للعالم ، يشيدها المخرج باعتباره احد أهم مكونات الخطاب
السينمائي، إن لم نقل أهمها على الإطلاق.

 ومن خلال العلاقة التاريخية بين الرواية
والسينما ، عبر العالم، تأكد الاختلاف بينهما ، والذي اتخذ شكل مسافة يخلقها
المخرج السينمائي عن المبدع الروائي . هذه المسافة قد تحافظ على روح الرواية
نسبيا، وقد تتمادى فتمس جوهرها أحيانا، ليحمل النص الروائي روحا جديدة ، بل قد
يصبح لدينا نصان : روائي/ أصلي ، و سينمائي / سيناريو مقتبس من الرواية، كل منهما
مستقل عن نظيره.

 فهل تحقق هذا فيما يخص علاقة اللص والكلاب
كرواية بفيلم كمال الشيخ؟؟

* كمال الشيخ أو هتشكوك
السينما المصرية( 1919/2004):

عمل في بداياته كمونتور
تحت إشراف مخرجين مصريين كبار: منهم نيازي مصطفى وكمال سليم . برز كمخرج بفيلمه الأول
:” المنزل رقم 13″ ، سنة 1952، والذي قدمه بمساعدة مالية بسيطة من مدير
التصوير وحيد فريد ، وتطوع أبطال الفيلم بتأجيل أجرهم ( عماد حمدي وفاتن حمامة)،
وقد عرف هذا الفيلم نجاحا كبيرا.

 تميز كمال الشيخ ببصمات تجديدية اعتمدت الرؤية
السينمائية الهيتشكوكية ( الحبكة البوليسية – تقنيات الفلاش باك). وقد تنوعت
مضامينه السينمائية : سياسية ( غروب وشروق/ ميرا مار) ، وبوليسية ( الصعود إلى
الهاوية)، ورومانسية ( حب ودموع) ، خيال علمي من خلال آخر أفلامه ( قاهرة
الزمان/1987). وقد حظي هذا المخرج بمكانة رفيعة دوليا من  خلال عرض فيلمه ” حياة أو موت ”
بمهرجان كان الدولي بفرنسا سنة 1955. ويعتبر من المخرجين الذين فتحوا عالم السينما
على عالم الرواية ، من خلال أفلام : اللص والكلاب ، الرجل الذي فقد ظله، بئر
الحرمان وميرا مار. ورصيده من الأفلام يقدر بحوالي 40 فيلما ، حاز على جائزة الإخراج
الوطنية.

* فيلم ” اللص
والكلاب”:

 ظهر سنة 1963، من بطولة : شادية و شكري سرحان .
فكيف نظم المخرج كمال الشيخ أحداث الرواية داخل الفيلم؟ وهل التزم بالسرد الروائي أم
تصرف فيه؟

*أحداث الفيلم:

أول أحداثه هو الوشاية
التي تسببت في دخول سعيد مهران إلى السجن، ويظهر أنها كانت مدبرة من طرف عليش
بتنسيق مع نبوية. ثم طلب زوجة سعيد الطلاق بعد عام من سجنه، وقد علم بذلك صدفة على
اثر زيارة نور له بالسجن، وإيحائها له بأمر المؤامرة، ليشرع في تذكر أحداث ما قبل
السجن ، مع تصوير وجوده داخل الزنزانة وعلاقاته مع بعض السجناء. ثم يأتي حدث
الخروج من السجن على اثر عفو بمناسبة أعياد الثورة، لننتقل إلى حدث لقائه المحزن
بطفلته التي أنكرته، فخرج حانقا على عليش ونبوية ليلجا إلى صديقه المهرب طرازان،
حيث سيلتقي بنور ، ليحاول بعد ذلك الحصول على قطعة سلاح ، ثم زيارة مقر مجلة علوان
والحصول على عنوان فيلته/قصره ، لكن اللقاء كان باردا وانتهى بعدم الحصول على أي
دعم جدي من معلمه القديم، مما حز في نفس سعيد ليقرر الانتقام بالسرقة، لكنه وقع في
مصيدة رءوف وتعرض للاهانة والتجريح وجرد من العشر جنيهات التي منحه إياها في
الزيارة السابقة،فيزداد حقد سعيد على علوان، ليعود للانتقام من عليش فيقتل ساكن
البيت الجديد بالخطأ،ويكتشف أن علوان وراء حملة شعواء ضده تحرض عليه الناس
والسلطة، فيقرر التعرض إليه واختطافه بواسطة التسلل إلى سيارته خلسة، وينجح في احتجازه
ورد الاهانة له ، لكن رءوف نجح في خداع سعيد بإعطائه عنوانا مزيفا لعليش ، ليتركه
هذا الأخير في الطريق ويسعى إلى الانتقام من سدرة حيث سيكتشف المقلب، ليجدد محاولة
قتل علوان أمام قصره، لكن رصاصاته الطائشة لم تصب سوى البواب المسكين… ليأتي حدث
مرض نور ومغامرة سعيد بإحضار الدواء، ووشاية الصيدلاني به، ثم خروجه من البيت ،
بعد غياب غامض لنور، ليقع في حصار البوليس وكلابهم المدربة ، وتقع المواجهة
اللامتكافئة بينه وبين خصومه ، ورغم تدخل نور في آخر اللحظات ومطالبتها له
بالاستسلام ، فانه سيفضل المواجهة، ليسقط صريعا في النهاية…

  وتتميز أحداث هذا الفيلم بالاختلاف عن أحداث
الرواية ، ويظهر ذلك انطلاقا من التالي:

   ا- اختلاف في الترتيب/التنظيم ( أي اختلاف
السرد الفيلمي عن السرد الروائي ) والشواهد على ذلك كثيرة( قارن بين بنية المتن
الحكائي في الرواية وأحداث الفيلم كما اشرنا إليها سالفا).

 ب- إضافة أحداث غير واردة في الرواية ، مثل :
مقتل سعيد/مشهد المحاكمة في الحلم / اختطاف مهران لعلوان/ مرض نور وإحضار سعيد
للدواء بالقوة/ وشاية الصيدلاني…

 ج- إظهار أسباب الخيانة في الفيلم وتعتيمها في
الرواية، ففي الرواية ، نتعرف على سعيد وهو خارج من السجن، لنعرف لاحقا أسباب ذلك
. أما في الفيلم فان أول حدث هو إظهار الوشاية التي دبرها كل من عليش ونبوية ، مع إظهار
علاقة سرية بينهما في غفلة من مهران.

 د- تغيير في قيمة الشخصيات ، فنور في الرواية
شخصية أساسية ، لكنها لا ترقى إلى قيمة نور في الفيلم ، فالمكانة الفنية للفنانة
شادية ( كمطربة و ممثلة) ، فرضت على المخرج أن يموقعها في مستوى بطولة مشتركة مع
الممثل الكبير شكري سرحان( نور / سعيد مهران)، فأصبحت بذلك شخصية نور اقوي من
شخصية رءوف علوان، التي تحظى بقيمة أساسية في الرواية ، لأنه شخصية موجهة بشكل قوي
لسعيد سلبا و إيجابا، إنها شخصية محركة للأحداث، ورغم محافظتها على ذلك في الفيلم
فان حضور شادية ، ومراهنة الفيلم على إبراز القصة العاطفية بين سعيد ونور ، لأهداف
تجارية، تسبب في خلخلة بنية الشخصيات الأصلية في الرواية :

2- رءوف/نور

3- عليش/ نبوية

4- الشيخ الجنيدي

5- باقي الشخصيات

1-سعيد/نور

2- رءوف

3- عليش/نبوية

4- باقي الشخصيات

              الرواية                                                        
الفيلم 

ه- اختلاف الرؤية بين
الكاتب الروائي والمخرج السينمائي : فإذا كان محفوظ ينتقد المجتمع المصري – إبان
الثورة- ويتهمه بالظلم ، ويظهر مأزق الحلول الفردية ، رغم انحيازه للحرية الفردية،
فان المخرج بحذفه لعدة حوارات من الرواية، جعل من سعيد شخصية منحرفة ، تعاشر امرأة
فاسدة ، وتصادق مهربين( طرازان) ، كما تتعاطى الخمر ، وترتكب الأخطاء ( سرقة- قتل)
، وهذه الأفعال الموجودة في الرواية مبررة إلى حد ما ، لكنها في الفيلم تصبح اقل
تبريرا، نظرا لغياب بعض السياقات.

و- صورة الخيانة /
الانتقام :يصور محفوظ بدقة متناهية الخيانة كسلوك بشري ، بأبعاده النفسية
العميقة،كما يصور الانتقام كحالة نفسية تدميرية بكل دقة، ويربط بينهما لضبط إيقاعات
حركة الشخصيات. لكن المخرج يقدم الخيانة/ الانتقام كأحداث جاهزة، وعلى المشاهد
استكمال الدلالات و الأبعاد ، وبطبيعة الحال فان المشاهد متفاوت القدرات والمعرفة،
ولن يستطيع بلوغ الصورة المقدمة في الرواية، والتي هي صورة أيضا تحتاج إلى قدرات وإمكانيات
معرفية لاستكناهها( وهذا ما يوفره درس المؤلفات).

خاتمة:

  كان الهدف من هذه الورقة تيسير تواصل التلاميذ
مع الفيلم الروائي: “اللص والكلاب”، أي مشاهدته والتمتع به ، كوثيقة
مساعدة على فهم الرواية، بدون السقوط في تماهي احدهما مع الآخر، أو الخلط بين أحداث
الرواية وأحداث الفيلم. إذن فالرواية ستظل مستقلة عن الفيلم، من حيث خصائصها
الفنية ومضامينها، كما علينا التعامل مع الفيلم باعتباره إبداعا مستقلا عن
الرواية، له مكوناته الفنية والمضمونية.إن السرد الفيلمي ليس هو السرد الروائي.

              
***************************************

*ملحق:

” جملة واحدة عند
نجيب محفوظ من الممكن أن تصبح مفتاحا للممثل، يدخل به للشخصية التي يؤديها…حين
عرض كمال الشيخ على شكري سرحان أداء دور سعيد مهران في ” اللص والكلاب ”
، ذهب الأخير لشراء الرواية ، فتحها، قرأ أول سطر فيها ووجد جملة :” خرج وفي
جوفه نار”. أغلق الكتاب وقرر  أن يؤدي
الدور، وطوال الفيلم لم يفقد شكري سرحان ذلك الإحساس الذي صاغه محفوظ في اقل من
خمس كلمات ، ولعل لسعة النار بدت واضحة أحيانا في مواقف الفيلم إجمالا، سواء كانت
هذه المواقف ذات طابع دموي أو رومانسي. دور سعيد مهران أضاف الكثير لشكري سرحان.

 مع هذا الأخير تألقت شادية التي أدركت أن اسمها
على مسمى ” نور” ، فتاة ليل نعم ، لكن قلبها ضياء دافئ يغدو حضن ألامان
لسعيد المطارد.هنا تتجاوز علاقتها مع سعيد مسالة العشق إلى أفق آخر، فهي تحنو عليه
حنو الأم ، انه من ارق ادوار شادية وأكثرها رهافة.”/ كمال رمزي/ مجلة سينما- ص
:10.

            
*****************************************

المصادر:

1- رواية اللص والكلاب
/ نجيب محفوظ – طبعة مكتبة مصر – توزيع دار السلام بالمغرب – بدون تاريخ- 144ص.

2- فيلم “اللص
والكلاب ” / إخراج : كمال الشيخ – 1963- بطولة : شكري سرحان وشادية.

المراجع:

1- ملف ” نجيب
محفوظ في عالم السينما”- كمال رمزي- مجلة سينما- ع 39- غشت/ شتنبر- 2006.

                                            عبد
الجليل لعميري/المغرب
abofayrouz@live.fr