Site icon منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة

زوجة اقوى رجل في تاريخ المملكة تحكي تفاصيل خيانتها له……..



المصدر ….الايام 24….
هي فاطمة الشنا زوجة الجينيرال اوفقير التي عاشت وابنائها احدى اكبر الزوابع الحياتية حين حاول زوجها الانقلاب على الحسن الثاني وحين نفاها بعد ذلك الملك الراحل قسريا لما يناهز الثمانية عشر سنة، في هذا الملف الذي ننشره مسلسلا جانب آخر من حياة هذه المرآة يرتبط بالحياة الخاصة لاكثر الرجال دموية في سنوات الرصاص ترويه الشنا نفسها في كتابها المثير »حدائق الملك » وهو جدير بفيلم سينمائي
اكتشفت في أحد الأيام أن لزوجي خليلات منذ مدة طويلة. في بداية  حياتنا الزوجية كنت بمنتهى الرعونة والسذاجة!  وفي عهد محمد الخامس لم أكن أبدا في منزلي، ولا أعلم ماذا يجري فيه، فأنا على الدوام في القصر، واغتنم أوفقير الفرصة، وأنا أدرك الآن أنه خانني مع نساء، قد يكن أكثر ذكاء وأنوثة وجاذبية. كنت أتجنب ممارسة الاتصال الجنسي خشية الحمل، وكان بإمكاني الامتناع عن معاشرة زوجي خلال بضعة أشهر، وهكذا بدأ كل شيء.
كان يغيب أياما كاملة، وعند عودته أجد أحمر شفاه يلوث قمصانه… والنساء يلاحظن هذه الأشياء، وعندما يردن إيجادها يعرفن كيف يمكن التحقق منها. لم ألم أو أعاتب، بل تحملت طعنة الخيانة صامتة، فأنفتي تحول دون إثارة المشاحنات. غير أن كرامتي أبت إلا أن تعبر عن ذاتها، ولم أجد نفسي في إحدى الأمسيات إلا وأنا أقول له وبهدوء مفاجئ لي وله:
– في اليوم الذي سأخونك فيه بدوري ستبكي بدموع من دم. أجابني بخبث: إن وجدت من يرغب بك فلا تتأخّري.
وُجد هذا الراغب المعجب، وكانت الصدمة مُرّة على أوفقير. لم أرد الانتقام، إنما وقعت فعلا في غرام حقيقي، ولأول مرة في حياتي، وبفضل ذلك الرجل الجريء، شعرت في نفسي بالقدرة على أن أجابه زوجي، وأحقق انطلاقتي، وأحيا لحظات رائعة في انفعال هوى متبادل.
بدأ كل في شيء في العام 1963 في أحد فنادق طنجة. كنا على المائدة مع أحمد دليمي معاون أوفقير، ومجموعة من الشخصيات المقربة من الحكومة. فجأة شعرت خلف ظهري بعينين تخترقان جسدي واستدرت بهدوء فرأيت شابا يتأملني، وتقاطعت نظراتنا، وفي هذا التبادل الصامت مرّ شيء ما يتعذر شرحه، لم أتوقعه، ولم أكن مستعدة له.
بعد انقضاء فترة من الوقت، حضر نادل واقترب من المائدة وأعلن طلب السيدة أوفقير على الهاتف. على الطرف الآخر من الخط كان المجهول الذي التقت عيناي بعينيه.
– نهارك سعيد، سنلتقي غدا…
حدد لي موعدا. أردت أن أتكلم لأرفض على الأرجح لكنه أغلق الخط. هذا الشاب يتحدى أوفقير بكل جبروته! وهكذا وجدت نفسي منجرفة في قصة حب روكامبولية.
في اليوم التالي التقينا وبدأنا التعارف. هو «حسن» وينادى حسنيتو لأنه من منطقة قريبة من إسبانيا، عسكري في السادسة والعشرين من العمر، أي أنه أصغر سنا مني بقليل، متقد نشاطا، جريء ومتسلط. قرر مباشرة وجوب لقائنا بانتظام. ترددت، فقد كنت دائما وفية لأوفقير، وارتعشت، وانتابني الخجل… راوغت مدة ثمانية أيام عانيت خلالها من المرض، والعذاب، وأنا أتلوى من الإقياء. مزقتني تردداتي فخسرت عدة كيلوغرامات.
ثم قبلت، وبدأنا نتبادل الحب سرا، لكنه في أحد الأيام أعلن لي:
– لا أريد أن يشاركني فيك أحد.
حبيبي الوسيم يرفض اللقاءات الخاطفة، وهو يريد أن تتطور علاقتنا وتعلن على الملأ. إنه يملي شروطه وهو صاحب القرار، أما أوفقير فكأنه غير موجود، فهو كثير المشاغل ومهامه الكبيرة تبعده عن الاهتمام بعواطف امرأته، لكنه شعر أنني متغيرة، ولاحظ توعكي وهزالي، وما أعانيه من إرهاق معنوي، فالوجدان قلق غير مطمئن.
ينتمي حسن إلى التدخل السريع والأمن العام، وبهذه الصفة يتبع تنقلات الملك. في أحد الأيام، بعد أن أدّت سريته التحية للملك ابتعد فارسي الوسيم الخدوم عن رجاله وصعد إلى سيارة «جيب»، وتوقف أمامي على جانب الطريق، وانحنى، ثم أصعدني، وسار بي على مرأى ومسمع من جميع الناس… يا للفضيحة!
كان أصدقاؤه يقولون له إنه مجنون باستفزازه أوفقير، لكنه لم يستمع للنصيحة، ورفض بعناد أن يتكتم أو يخفي بأنه عشيق زوجة رجل النظام القوي، وأنه يريدها لوحده. غدا الوضع غير مألوف، وغير مريح، وجدت نفسي مقطعة الأوصال بين هذا الشاب الذي أحبه وبين زوجي الذي أحترمه وأخافه معا.
لم يقل أوفقير شيئا، ولم يوجه لي أي لوم، ولم يتطرق أبدا للموضوع، كما لم تطرح القضية على بساط البحث. أراد أن يترك لي الوقت لأتمالك نفسي، دون شك. الأرجح أنه كان يفكر أنني لن أستمر في هذا الهوى الأهوج، وأن هذا الحب العابر سينهار من تلقاء نفسه.
لي خمسة أطفال أعبدهم، خمسة أطفال سيستبقونني، ومهما غاليت في الشطط فزوجي مقتنع أنني سأعود إليه.
بدأت بالنسبة لي ولعشيقي حياة معقدة، تعكّر صفوها الشائعات والتوريات، فالشاب من منطقة الريف أصلا، وذهب بعضهم إلى حد الزعم أن علاقته معي ثمرة مؤامرة تهدف إلى إرواء ظمأ المتعطشين إلى الانتقام من أوفقير عقب حملة القمع التي وجهها ضد متمردي الشمال. لم يرد أحد أن يفهم أن عاطفة عميقة جدا تربط بكل بساطة بيننا.
حاول التراتب العسكري تحطيما لحبنا أن يبعد حسن، فرض عليه في الأماكن الأكثر بعدا مختلف الدورات التدريبية التي يمكن أن يتبعها ضابط. غوص عمق بحري، تزلج جبلي، رماية، قفز بالمظلة… مارس كل شيء، وبفضلي تلقى تأهيلا كاملا تماما! غدا جنديا بارعا، فقد تابع بانتظام هذا التدريب وكان دائما بين أوائل كل دورة.
خلال أربع سنوات تقريبا، عشت مع حسن قصة فوضوية رائعة. لم نكن نتمكن من اللقاء إلا بشكل مشتّت ودون انتظام، لكننا نعمنا بفترات جميلة جدا. عندما كان في دورة تدريبية في إسبانيا، كنت أذهب لرؤية ولديّ مريم ورؤوف، وكانا في القسم الداخلي من مدرسة ماري- جوزه في جستاد في سويسرا. في طريق العودة ألتقي بحبيبي الأثير في جاكا، وهي مركز تزلج في البيرينه على الحدود الإسبانية -الفرنسية. لم يكن أوفقير يعلم أين أنا، وفتش عني في كل مكان، وعندما عين موضعي أوفد أبي في مهمة لمراقبتي.
كنا نلتقي أحيانا في فرنسا. في أحد الأيام، أثناء إعادتي لولديّ من المدرسة السويسرية، أصيبا بطفح الحصبة، وهذا ما يوافقني، قضيت النهارات والليالي مع حسن في غرفة من أحد الفنادق في شارع سانت – آن، وأنا أسهر في الوقت نفسه على ولديّ، غير أن الهروب لم تدم مدته طويلا، فحسن ملزم بالعودة إلى جاكا… رافقته حتى بوردو وكان كل منا يبكي حزنا على فراق الآخر، ورشفنا دموعنا على رصيف محطة القطار وودعته. صعد إلى القطار المتوجه إلى البيرينه وجلست على مقعد وأجهشت بالبكاء وقد اجتاحني الحزن.
فجأة شعرت به قربي، رأيته، ضمّني بين ذراعيه وهو يقول لي ببساطة:
– إنني هنا… لا أبالي، سأذكر لهم أن وعكة صحية أخرتني.
عدنا إلى باريس، قضينا يومين جديدين معا، وكنا نحيا في طيش ورعونة. كلما زاد الخطر وأحسسنا به توطدت علاقتنا بشكل استثنائي.
في المغرب، مارسنا الحب في كل مكان، حتى في المجاري قيد الإنشاء. في شمال البلاد كانت تتم أعمال إنشاءات واسعة النطاق، جلبت إليها أنابيب واسعة وجدنا فيها ملجأ مؤقتا نأوي إليه بعد أن نتجهز ببطانيتين وبعض الزاد، ونبقى مختبئين مدة أربع وعشرين ساعة… لا يعرف أحد أين اختفينا. يجب امتلاك الجرأة، فأوفقير في أثرنا.

مارسنا الحب في البحر، والغابة والريف والمدينة، وكأن أوفقير غير موجود في البلاد. بفضل هذا الشاب عرفت معنى الحب، حب عاشق جسور. صادفت قبله رجالا كانوا يختفون تحت الأرض عندما يسمعون اسم زوجي، أما هو فيتصل بي هاتفيا في ساعة متأخرة من الليل، وأنا إلى جانب أوفقير، أو يوقظني في ساعة مبكرة صباحا ويأمرني:
– احضري في الحال.
وأنزلق خارج السرير، ثم أذهب للحاق به، وعندما أصل وأرتمي بين ذراعيه يسألني:
– أقسمي لي أنه لم يمسك…
وأقسم برهبة.
بدأت أهرب من زوجي وأدرك أخيرا أن علاقتي بحسن جدية، فأنا ألتقي بعشيقي في شقته الصغيرة، لكن ظل الزوج يخيم علينا. في المصعد أشم رائحة عطره، وأجد أحيانا مساحتي زجاج سيارتي ملويتين… إنها دلالات ينثرها أوفقير ليبلغني أنه مطلع على أمري، وعلى تصرفاتي. لم أعد أستطيع العيش في جو الذعر والنفاق، وفي إحدى الأمسيات اعترفت له:
– أحب شخصا آخر، وأريد الرحيل.
حاول أولا معاملتي برفق، وأراد أن يظهر متسامحا لإفساح المجال لي للأخذ بالحسبان وجود خمسة أطفال.
لكنني كنت أرغب بنيل حريتي. أريد أن أعيش مع أولادي، بالتأكيد، لكنني أريد أيضا العيش مع الرجل الذي أحببت. ألححت خلال عدة أشهر على أوفقير ليوافق على منحي حريتي، وجاهدت من أجل الحصول على استقلالي إلى أن استجاب لطلبي. مل الجدال، فاستدعى القاضي وأتم إجراءات الطلاق بتاريخ 16 يوليوز 1964. وما كادت الأوراق توقع، والقاضي يتهيأ للانصراف، حتى وجد من المناسب أن يذكر للجينرال أن لديه ابنة ظريفة جدا، وهي طالبة في كلية الصيدلة… هكذا بدأ الطامعون يسعون ليأخذوا مكاني.
قلب الوصوليون لي ظهر المجنّ. لم أعد زوجة الجينرال القوي، ابتعدوا عني، فتملقهم لي لا يعود عليهم بأية فائدة، وهكذا لم يبق حولي إلا عدد قليل من الأصدقاء المخلصين، وبما أنني لم أعد بحاجة للاستمرار في أبهة المظاهر فقد ذهبت للسكن مع ابنتي الصغيرتين ماريا وسكينة في بيت صغير في الرباط، بيت لطيف ناعم مثل مثيله في بلانش -نيج، ذي غرف صغيرة، وصالون أنيق تتصدّره مدفأة مرخمة…
تقضي الشريعة الإسلامية بامتناعي عن إقامة علاقات حميمة مع أي رجل خلال ثلاثة أشهر وعشرة أيام بعد طلاقي، وهي المدة اللازمة للتأكد بأنني لست حاملا. لكن هذا لم يمنعني من الخروج مع حسن للعشاء أو للرقص في أحد الملاهي العامة.
كان حسن حتى ذلك الحين تابعا للحامية العسكرية في الرباط، فأبعد وألحق بثكنة في بوعرفة قرب الحدود الجزائرية على بعد أكثر من ستمائة كيلومتر عن العاصمة. فكان يقطع نصف البلاد في سيارة جيب عسكرية يسير بها ليلا ليصل في الفجر لرؤيتي، فنسعد لتوقعنا قضاء أوقات هنيئة، أحدنا إلى جانب الآخر، بعد أن تم تحدي بعد المسافة الفاصلة بيننا. وهي واحدة من محاولات عديدة ضد فارسي المتيم، تبعها الضغط والتهديد، وحتى الاختطاف.
في إحدى الأمسيات، كنا عائدين من إحدى صالات السينما. فجأة صدمت سيارتنا من الخلف وحصرنا قرب جدار، واندفع عدة رجال مأجورين يرتدون جلابيب القوى المساعدة، وأمسكوا بحسن وقادوه إلى سيارة جيب وانطلقوا بسرعة كبيرة… بقيت وحدي حائرة، والوقت حوالي منتصف الليل. أسرعت إلى القصر باكية، وهرعت إلى غرفة الملك، فأنا المرأة الوحيدة من خارج السراي التي تعرف كلمة السر، وقصصت عليه، وأنا مضطربة قانطة، ما حصل.
رغم محاولة الحسن الثاني إظهار القسوة فقد ابتسم من جرأتي الوقحة وقال:
– جئت تزعجينني من أجل هذا في منتصف الليل! ألا تخجلين؟
لم يرد أن يتدخل في هذا الموضوع، ولم يكن من رأيه إجراء الطلاق، ورفض الانحياز لي أو لأوفقير، فزوجي السابق وزيره الرئيس وأنا من صديقات القصر العريقات، وهو يقف محايدا في قضية شخصية، ألححت عليه وكأنه أخي أو أبي، لا ملك المغرب، فتناول الهاتف بحضوري ووجه بعض الأوامر، وبفضل هذه الجرأة التي أبديتها تمكن ضابطي الشاب من أن ينجو من مختطفيه الأشقياء.
لم أتمكن أبدا من الكشف عن مدبري هذا الاختطاف. أكد لي أوفقير أنه لم يعط أي أمر بهذا الشأن، وصدقته، فلو أراد إزاحة منافسه لتصرف بنفسه كرجل يواجه خصما له. لاشك أنها فعلة أحد أفراد حاشيته المتحمسين له. ما أثار غيظي، وأنا موضع ثقة هذا الشاب، أنني سبب اختطافه وضربه بالعصي، وقد جرح – وخاصة في كبريائه- وبقي ثلاثة أيام دون أن يخرج من بيته، وهو يردد لي:
– إنني متأكد الآن، على الأقل، أنك لن تعودي إليه.
وعدته بأن أبقى إلى قربه. وكنت صادقة في ذلك الحين، لكنني وجدت نفسي بين المطرقة والسندان. حسن يتوسل إلي ألا أهجره، وأوفقير يطلب مني العودة إليه… وهناك أولادي: مليكة المتبناة في القصر الملكي، ومريم ورؤوف في جستاد، وماريا وسكينة في منزلي بإشراف مربية.
عندئذ، وفي محاولة لإحراج عاشقي، العسكري الوسيم، دعاه رؤساؤه وفرضوا عليه الاختيار:

عد طلاقنا، تسنى لأوفقير أن يتزوج امرأة تصغرني بثماني سنوات، واسمها فاطمة أيضا، ورغم ذلك لم يرد أن يتركني وشأني، وألح على أن نستأنف حياتنا المشتركة. إنه لم يرتض الطلاق إذن إلا استجابة لما اعتقده نزوة مني، وما حله القاضي يمكنه أن يعيد عقده.
غير أنني أردت الزواج بحسن، لكن أوفقير لم يسمح بذلك، وهو يعلم أنه سيفقدني نهائيا إن تزوجت ثانية. وفي آخر مسعى للحيلولة دون زواجي هددني بعدم السماح لي برؤية أولادي… فكيف أستطيع أن أتخلى عن عائلتي الخاصة؟
عرفت مع حسن لحظات رهيبة وازدادت الصعوبات أمام استمرار علاقتنا. كلانا تحت المراقبة باستمرار، وزوجي السابق يقضي ليالٍ كاملة تحت نافذتي، وأنا في تجاذب بين رجلين هما كل حياتي. الهوى يثير لواعج روحي، وأوفقير يبقى ماثلا في خاطري، فهو المعلم الذي لا غنى عنه لوجودي.
في الوقت الذي كانت قضية بن بركة تتفاعل عبر أمواج عارمة، كنت تحت تأثير حسن. وحتى ذلك الحين لم يحاول أحد أن يكيف سلوكي، أو أن يسيرني أو يملي علي إرادته، فأنا لا أقبل ذلك. غير أنني غدوت أداة بسيطة بين يدي رجل يقرر ما يجب علي تناوله من مأكل، وما يجب ارتداؤه من ملبس، إن أظهرت تقويرة  ثوبي بعض عري نحري، عمد إلى خصامي وأمرني بالذهاب وتغيير الثوب. لم أكن أبدا قد اعتدت على معاملة بهذه الطريقة.
لم يلجأ زوجي أبدا إلى مثل هذا التصرف المتسلط والجائر. كان يترك لي حرية ارتداء الملابس التي تعجبني، وهو سعيد لرؤيتي جميلة، والإحساس بي متهللة منشرحة، تعودت دائما أن أفعل ما يحلو لي، لكن هذا كان مستحيلا مع حسن.
شعرت بشكل مبهم بأنني لن أستطيع التفاهم، على الدوام، معه. تراكمت تفاصيل تصرفات عديدة أدت إلى إزعاجي. هو مثلا مغرم بقدمي لأنهما صغيرتان. كيف القبول بإمكان تفكيك امرأة إلى قطع متناثرة؟ هذا جيد فيها، وذلك أقل جودة. هذه صفة جميلة لديها وتلك أخرى دميمة، تتحدث عاليا، تتحدث بهدوء… المرأة كل متكامل، روح وكيان وسلوك. لا يمكن الهيام بأعين لوزية أو أنف خانس، بساقين طويلتين أو قدمين صغيرتين.
ثم هناك أوفقير الذي يضايقنا بمطاردته. في النهاية عندما علم زوجي السابق أن منافسه استقال من الجيش ليتزوجني صمم على القتال لاستعادتي وإعادتي إلى البيت العائلي.
كنت حائرة مترددة في اتخاذ القرار، يتنازعني غرام عشيق مشبوب العاطفة، وصلابة رجل لا أريد رؤيته يخرج من حياتي. لم أجد منفذا للوضع، فأنا مع هذا أو ذاك غير كاملة وممزقة. أردت في غمرة قنوطي أن أنتهي. ارتديت قميص نوم جميلا أبيض من الحرير، وابتلعت كمية هائلة من الحبوب المهدئة.
عثرت علي في اليوم التالي صديقتي سيلفيا الدوكالي زوجة سكرتير الملك الخاص. طرقت بابي فلم يجبها أحد، كررت الطرقات دون مجيب. دخلت فوجدتني ممددة بلا حراك، وظنت في البدء أنني نائمة…
نقلت بسرعة إلى المستشفى، حيث بقيت ثمانية أيام في غيبوبة، حتى اللحظة التي استيقظت فيها كأحد الضواري، وقلبت كل شيء، سريري، ومنضدة الليل، وزجاجات المصل، أتساءل أية قوة كانت تدفعني للتخريب، ثم سقطت وجرحت. عندما خرجت من هذا الكابوس وجدت نفسي في غاية الهزال، والسخف، والحمق، والتناقض! ثم كانت العودة إلى الحياة. عندما نشرف على الموت، ويقال لنا إننا كنا دون وعي خلال أسبوع، فنحن ننظر إلى الوجود بطريقة أخرى. بدأت أجد نفسي أكثر صفاء ووعيا، ودارت في رأسي الأسئلة التالية: تركت كل شيء لمن؟ ولماذا؟
بيد أنني عدت لرؤية حسن. وذات مرة أحسست في طويتي أنها الخاتمة واللقاء الأخير. استأجرنا غرفة حقيرة في سوق المزاد في قلب الدار البيضاء حيث لا يمكن لأحد العثور علينا. بقينا ثلاثة أيام منعزلين عن الدنيا، نعيش على الخبز والحليب فقط، وقد انصرف كل منا إلى الآخر في هوى جنوني أرعن. بعد ذلك قررنا أن نلجأ إلى ضيافة زوجة طبيب مشهور، امرأة جميلة جدا، شغوفة بالرياضة، لكنها طائشة رعناء، بلا أخلاق أو ضمير، اتصلت بها هاتفيا، قائلة:
– سأحضر مع حسن.
أجابت: بكل سرور، سأعطيك غرفة الضيوف.
استقبلتنا بقميص نوم شفاف، مقور الصدر بشكل فاضح، وانحنت بإغراء تحت أنف حسن وهي تقدم له الشاي… شخصت عيناه على هذه المفاتن المعروضة، وهي لا تحجم عن شيء، دون أي وازع أخلاقي، وأنا أشاهد هذا المنظر الحافل بالإغواء مثل حمقاء. غير أن طبعي النزق المتهور دفع الدم حارا في عروقي، فنهضت فجأة أريد الانصراف، لكن حسن استوقفني مقسما على حبه السرمدي، وقضينا تلك الليلة معا. في الصباح الباكر حملت حقيبتي وتسللت من المنزل هاربة.
لم أحتمل نظرات ذلك الشاب الشهوانية لتلك المرأة، نظرات شهوة لم يستطع أن يتحكم بها. لم أغفر لأي منهما، فكرامتي فوق حبي، غدوت صارمة متشددة بحق: من أجل حسن تخليت عن حياة حافلة، وهو يتجرأ على أن يتصرف حيالي بمثل هذه الوقاحة! هذا ما لا أطيقه. 
عدت إلى منزلي الصغير في بلانش- نيج، وعندما اتصل بي في اليوم التالي أجبته بفظاظة: لا تعد أبدا للاتصال بي.
أراد أن ينطلق في تعليل لتبرير موقفه وقال:
إنني أهاتفك من منزلها، فأنا لم أستطع…
قاطعته بحدة: أعرف أنك عندها، ويمكن أن تبقى حتى ترتوي، وداعا وشكرا.
هكذا انتهت علاقتنا الغرامية، لم أر بعد ذلك «حسن»، لكنه أثر على حياتي وقلب جميع مبادئي، ومبرر وجودي، وطريقة رؤيتي للأشياء، بقيت عدة أشهر ممزقة بين هواي الطائش الأرعن وزوجي الذي أحبه باحترام.

عند خروجي من لدن تلك المرأة، بعد أن تركت «حسن» لقدره، مررت لزيارة إحدى الصديقات فأعلمتني أن زوجة أوفقير الجديدة كانت منذ وقت قصير في زيارة لها… ونقلت إلي الأحاديث التي أدلت بها:
– ادعت أن أوفقير لن يستعيدك أبدا بعد كل الذي فعلته به. فهو ينبذك الآن ولا يريدك أبدا.
– حسن، أهذا ما قالته لك؟ أرجو إذن أن تعلني لها في الحال أنني سأكون خلال خمسة عشر  يوما مع أوفقير.
وذهبت إلى منزلي. بعد فترة قصيرة حضر أوفقير للقائي ليخبرني أن الملك عازم على زيارة رسمية لمنطقة تافيلالت كلها، ولبلدة بودنيب موطن أوفقير خاصة، وسألني:
– هل يزعجك الذهاب لإعداد حفل استقبال الملك في بودنيب.
– كلا، هذا يسرني.
وذهبت أهيء احتفالات لمدة أسبوع لأكثر من ألفي شخص لدى أخ أوفقير الشاب عمدة بلدة بودنيب. عندما رآني الحسن الثاني توقف مندهشا وقال:
– ماذا تفعلين هنا؟
– أستقبلكم بكل تواضع بعد أن طلب مني أوفقير الحضور…
قطب الملك حاجبيه مستغربا. إذا كان أوفقير قد أراد استعادة زوجته فلماذا لم يخبره؟ وذهب جلالته إلى مراكش، وعدت مع أوفقير إلى الرباط. في المساء نفسه، أراد أوفقير أن يلج غرفتي… رفضت، فكرت بتلك البديهة العربية: «تودّد لزوجتك لتحظى بالطيبات…»، وعندما ألح طالبا قضاء الليل قربي أوقفته عند حده بحزم قائلة:
– لست من طراز النساء اللواتي يرتضين العيش إلى جانب زوجة أخرى، ثم إن طلاقنا مايزال قائما، ولا يجوز لك لمسي.
– إن توقف الأمر على هذا، يمكن استدعاء القاضي في الحال.
الواقع أن أوفقير كان قد انفصل عن زوجته الثانية منذ عدة أشهر، أنجب منها ولدا ثم شغلته مهامه الكثيرة عنها. في الحال اتصل هاتفيا بصديقه محمد بن عالم، ذراعه الأيمن وأمين عام وزارة الداخلية، وطلب منه الحضور مع القاضي الشرعي.
وصل الرجلان سريعا، وحوالي الساعة الحادية عشرة ليلا كانت الأوراق موقعة، وهكذا تزوجنا ثانية. لو أنني كسرت إحدى ساقي ذلك المساء من أيام 1966 دون ذلك الإجراء لما تعرضت بعد ذلك للسجن تسع عشرة سنة.
كانت الزوجة الأخرى، فاطمة الأخرى، ماتزال في مراكش مع العائلة المالكة، واستقل أوفقير الطائرة في اليوم التالي لينبئها بالخبر… دخلت إلى غرفتها في الفندق عند الساعة الحادية عشرة، في اللحظة التي كنت أدير فيها قرص الهاتف للاتصال بزوجي، وأمسكت السماعة:
– آلو، من المتكلم؟
أجبت بهدوء: السيدة أوفقير.
– من؟
هكذا لم يعد بحاجة إلى اختلاق الأكاذيب أو إعداد السيناريوهات. فقد أدركت كل شيء، وناولته السماعة قائلة بكل بساطة، إنما ببعض المرارة:
– عجبا، يبدو أنها السيدة أوفقير.
أما أنا فقد وجدت في تلك المصادفة تسلية سارة، وبدرت مني ردة فعل مباشرة وقلت:
– أعتقد أن هذه اللحظة لن تمر بهدوء بالنسبة لك، وستضطر لتبرير تصرفك…
– نعم يا حبيبتي، أتوقع ذلك، وسأتدبر الأمر.
عندما أغلق الخط، طلبت منه فاطمة أن يوضح لها الموقف، قالت: 
– ما هذه القصة؟ إن كنت قد استعدت زوجتك يجب أن تطلقني.
– أوافق، كما تريدين.
نحو الظهر ذهب أوفقير لتحية الملك بصحبة فاطمة التي اغتنمت الفرصة لتشكوه:
– سيدي، لقد استعاد زوجته، والآن أنا أريد الطلاق.
التفت الحسن الثاني إلى وزيره.
– ما رأيك في ما تقول؟
– إن ترد الطلاق، فهي طالق.
النطق بعبارة «هي طالق»، يكفي في الواقع للتفريق النهائي بين الزوجين. جرت الأمور بعد ذلك دون أن أتدخل. أرسل أوفقير شاحنة مع عناصر من القوى الرديفة لنقل أمتعة زوجته الثانية من المنزل الذي كانت تسكنه وهو ملكي. جمعت أغراضها الشخصية وثيابها والهدايا التي كانت قد تلقتها ورحلت. لم تر أوفقير بعد ذلك. استقل كل منهما بحياته بعيدا عن الآخر.
بعد ذلك بسبع سنوات، وعند موت أوفقير، حاول العدول، موثقو العقود، أن يدعموا ادعاءها بأنها ماتزال زوجة أوفقير، وبالتالي يجب أن ترث جزءا من تركته. رفض طلبها لأنها لم تستطع أن تبرز الوثائق الرسمية، أبرزت فقط صورة طبق الأصل غير واضحة،  وادعت أن الوثائق الأصلية التهمها حريق سابق. مع ذلك سمح لها بالسكن في منزل أملكه، عاشت فيه خمسة وعشرين عاما، بينما كنت أعاني من العيش في السجون…
اقترنت إذن مرة ثانية بزوجي، واستعدنا حياتنا المشتركة، ومن جهته عاد حسن بعد وقت قصير إلى الجيش، ثم أجبره أهله على الزواج من إحدى نسيباته، وتابع حياته المحدودة الهادئة، لكنه طاف مدة طويلة في مدار حول الأرض. فخلال خمسة وثلاثين عاما لم يسكن فيها المغرب تقريبا، بل تنقل بين بلد وآخر ملحقا عسكريا. وقد أحيل الآن على التقاعد، وفق ما قيل لي.
كنت أمتلك رسائل وصورا، بينات حسية عن تلك القصة الغرامية الجميلة، وضعتها في صندوق في المصرف، واستعدتها عند خروجي من السجن، ثم سرقت مني بعد ذلك… من أراد أن يختلس هذه الأوراق الشخصية؟ من أراد أن يستحوذ على ذاكرتي؟
فقدت كل شيء، لم يعد لدي معالم ولا أتمكن دائما من تنظيم ذكرياتي. عشت حياة حافلة بالأحداث، ومرت بي أوقات عانيت فيها من الخوف والذعر كثيرا، أوقات طويلة ضائعة، ضالة، قانطة، وقد أساء لي أشخاص كثيرون…
ما سبب مناهضة جميع هؤلاء الأشخاص لي ومعاداتي؟ لم أنازع أية امرأة على زوجها، ولم أنافس أحدا على منصب. تقاسمت ما أملك مع أبسط الناس. خصصت أموالا للإنفاق على حج بعض المؤمنين إلى مكة سنويا. هل سببت جرحا لأحد دون أن أعلم؟ حرصت على أن أكون دائما لطيفة مع أصحابي، ومن يحيطون بي، وحتى من لا أعرف، لم أكن يوما عدوانية، ولا حاسدة، ولا غيورة. وهل من سبب يدعوني إلى ذلك؟ لقد عرفت كل أنواع المتع والسعادة في الحياة.