رحيل المؤرخ حميد التريكي
بقلم ذ/ عبد الغني لزرك البئر الجديد
صوت الذاكرة المغربية يترجل باحث كرس مسيرته لتوثيق تاريخ المغرب وصون تراثه وترك إرثا علميا سيظل مرجعا للمهتمين بالذاكرة الوطنية برحيل المؤرخ والباحث المغربي حميد التريكي، تطوي الساحة الثقافية صفحة أحد أبرز المهتمين بتاريخ المغرب وتراثه، بعد مسيرة امتدت لعقود جعل خلالها من البحث التاريخي مشروعا علميا للدفاع عن الذاكرة الوطنية وتثمين الموروث الحضاري المغربي. وينحدر الراحل من مدينة آسفي، التي احتلت مكانة خاصة في أبحاثه ومؤلفاته، حيث أولى اهتماما كبيرا بتاريخها العمراني والثقافي، وساهم في توثيق تراثها المادي واللامادي، ولا سيما صناعة الخزف التي ارتبطت بهوية المدينة عبر قرون. وعرف حميد التريكي بأبحاثه التي جمعت بين التاريخ والتراث، وركزت على تاريخ المدن المغربية، والعلاقات الحضارية بين المغرب والأندلس، كما انشغل بقضايا المحافظة على المعالم التاريخية والذاكرة المحلية، إيمانا منه بأن صون التراث يمثل ركيزة أساسية لحماية الهوية الوطنية. وكان من بين مؤسسي جمعية ذاكرة آسفي، حيث ساهم في مبادرات علمية وثقافية هدفت إلى توثيق تاريخ المدينة، وجرد معالمها التاريخية، والتعريف برصيدها الحضاري، إلى جانب انخراطه في مشاريع تروم تثمين التراث المغربي وإبرازه على المستويين الوطني والدولي. وخلف الراحل عددا من المؤلفات والدراسات التي تناولت تاريخ المغرب ومدنه، من بينها أعمال حول فاس ومراكش وآسفي، كما ارتبط اسمه بإخراج النسخة العربية من كتاب “المجاعات والأوبئة في مغرب القرنين السادس عشر والسابع عشر” للمؤرخ الفرنسي برنار روزنبرجي، حيث شارك في إعدادها ومراجعتها العلمية، في عمل أسهم في تقريب واحد من أهم المراجع التاريخية المتعلقة بتاريخ المغرب إلى القارئ العربي. ولم تقتصر إسهامات حميد التريكي على البحث والتأليف، بل امتدت إلى العمل الميداني في مجال تثمين التراث، من خلال مشاركته في مبادرات تهدف إلى حماية المعالم التاريخية والتعريف بالموروث الثقافي المغربي، وهو ما جعله يحظى بتقدير واسع داخل الأوساط الأكاديمية والثقافية، وتوج بتكريمه من طرف مؤسسة دار بلارج بمراكش سنة 2023، اعترافا بعطائه في خدمة التاريخ والتراث. برحيل حميد التريكي، يفقد المغرب باحثا ظل وفيا لقضايا الذاكرة والتراث، وآمن بأن التاريخ ليس مجرد استحضار للماضي، بل مسؤولية ثقافية تسهم في فهم الحاضر وصناعة المستقبل. وسيبقى إرثه العلمي شاهدا على مسيرة حافلة بالعطاء، ومصدرا يستند إليه الباحثون والمهتمون بتاريخ المغرب وتراثه. رحم الله الفقيد، وألهم أسرته وذويه والأسرة الثقافية والأكاديمية جميل الصبر والسلوان.




منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة























