وأخيرا تنفس المغاربة الصعداء! للكاتب الصحفي اسماعيل الحلوتي
كتب اسماعيل الحلوتي
على بعد ثلاثة أيام فقط من إجراء تشريعيات 2026، تم بشكل رسمي وكما كان مقررا من قبل إنهاء العمل بالساعة الإضافية المشؤومة، وعاد المغاربة إناثا وذكورا، كبارا وصغارا، مبتهجين فجر يوم الأحد 20 شتنبر 2026 إلى التوقيت الزمني المتوسط لخط غرينيتش، عبر رد عقارب الساعة إلى الواحدة صباحا فور حلول الثانية صباحا، أي بتأخير ستين دقيقة، وذلك في إطار تنفيذ مقتضيات المرسوم رقم 530.26.2 الصادر في 25 يونيو 2026، المتعلق بالساعة القانونية للمملكة الذي دخل حيز التنفيذ بعد نشره في الجريدة الرسمية عدد 7521، وعملا كذلك بمضامين المرسوم الملكي رقم 67.455 بتاريخ 2 يوليوز 1967.
وهو القرار الذي تنفس بموجبه المغاربة الصعداء، لتنتهي رحلة المعاناة التي دامت ثماني سنوات، حيث أنها بدأت منذ 26 أكتوبر 2018 مع حكومة سعد الدين العثماني الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية، التي قررت إضافة ساعة إلى توقيت المملكة الرسمي، تحت مبرر الاستفادة من ساعات الإضاءة الطبيعية والحد من حجم استهلاك الطاقة، إضافة إلى تقليل الضغط على شبكة الكهرباء، وتقليص الفارق الزمني مع الدول الأوروبية والشريكة اقتصاديا من أجل تسهيل المعاملات التجارية والاستثمارية، غير أن ذلك كله انعكس سلبا على حياة المواطنين وخاصة أطفال المدارس والعمال والموظفين وغيرهم…
فهذه العودة المحمودة إلى التوقيت القانوني غرينيتش لم تأت من فراغ، وإنما جاءت استجابة للمطالب الشعبية التي ما انفك المواطنون يرفعونها في مختلف المدن والأقاليم المغربية، حيث انتقلت المطالبة بإلغاء الساعة الإضافية من مواقع التواصل الاجتماعي والحملات الرقمية والعرائض الإلكترونية إلى البرلمان. وهو الضغط الشعبي الذي تم دعمه بخلاصات دراسة استراتيجية حديثة كشفت بما لا يدع مجالا للشك عن ارتفاع تكاليف تلك الساعة المشؤومة على المستويات الصحية والاجتماعية والأمنية، مما يعني عمليا خروج المغرب من ذلك “النفق المظلم” الذي ظل يؤرق المغاربة، ليشمل تغيير التوقيت الإدارات والمؤسسات والمرافق والخدمات. وقد سارعت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة إلى دعوة الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين والمديريات الإقليمية والمؤسسات التعليمية إلى تغيير مواقيت الدراسة مع اتخاذ التدابير البيداغوجية المناسبة وحسن تنظيم الزمن المدرسي، لضمان استكمال الساعات المقررة للحصص الدراسية، مؤكدة أن تدبير الزمن المدرسي برسم الموسم الدراسي 2026/2027 يجب أن يراعي مقتضيات الساعة القانونية الجديدة ابتداء من يوم الاثنين 21 شتنبر 2026.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن قرار إلغاء الساعة الإضافية المشؤومة والرجوع إلى التوقيت الأصلي والقانوني للمملكة، يعد من بين أهم نقط الضوء التي تسجل لحكومة أخنوش على قلتها، حيث أن القرار عمل بشكل واضح وصريح على نسخ تام للمرسوم رقم 855.18.2 الذي فرضت بمقتضاه حكومة سعد الدين العثماني التوقيت الاستثنائي صباح يوم 26 أكتوبر 2018. وأنهى تلك الحقبة من الزمن غير اليسيرة التي اتسمت بالارتباك البيولوجي والاجتماعي، لاسيما أن مجموعة من الدراسات العلمية وعديد المعطيات التقييمية كشفت عن ضعف المبررات الاقتصادية المعتمدة في إقرار تلك الساعة الإضافية المقلقة والمؤرقة، كما تأكد بالملموس أن حجة “ترشيد استهلاك الطاقة” لم تؤت أكلها، وإنما على العكس من ذلك عملت على إثقال كاهل الأسر المغربية بارتفاع فواتير الكهرباء…
فمن الآثار السلبية لتلك الساعة “المنحوسة” التي ظلت ترافقنا قسرا وعلى مضض طوال 8 سنوات، أن أضرارها لم تكن تقتصر فقط على الجانب الصحي والنفسي، بل شملت عدة جوانب أخرى لا تقل أهمية، ومنها اضطراب الساعة البيولوجية وضعف التركيز والمردودية التعليمية والمهنية، والمس بجودة الحياة الأسرية والاجتماعية، حيث خلصت إحدى الدراسات التحليلية الصادرة عن “المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرومنة” إلى أن المكاسب الاقتصادية المزعومة تقابلها خسائر استراتيجية فادحة وعميقة تمس الصحة العامة والأمن المجتمعي، فضلا عن أن هناك ارتباطا وثيقا بين الصباحات المظلمة وارتفاع عدد وفيات حوادث السير بنسبة تبلغ 21,8 في المائة، خاصة في فصل الشتاء. كما أنها خلقت على المستوى الاجتماعي تحديات أمنية بنيوية للفئات الهشة، من حيث اضطرار النساء والفتيات والتلاميذ إلى التنقل في الشارع العام مع الخيوط الأولى من طلوع الفجر، مما يضاعف من مخاطر التعرض للسرقة والاعتداءات خاصة في المناطق الهامشية…
إن قرار العودة إلى الساعة القانونية حتى وإن جاء متأخرا، فإنه يشكل ذلك البصيص من النور الذي يبعث الأمل في النفوس، ويؤكدا أن كل شيء ممكن إذا ما صفت القلوب وتوفرت الإرادة السياسية، وعليه نأمل أن تحرص الحكومة القادمة بعد تشريعيات 2026 على تدشين ولايتها باتخاذ مجموعة من القرارات الجريئة التي تعيد الثقة للمواطنات والمواطنين، وتجعلهم يقدمون على الحياة بهمة ونشاط، مراجعة الأسعار، تسقيف هامش الربح في المحروقات إلغاء تسقيف سن ولوج أسلاك التعليم، تقليص معدلات الفقر والبطالة، رفع معاشات المتقاعدين والحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية ومكافحة مختلف مظاهر الريع والفساد…
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة






















