أخر الأخبار
الرئيسية » اخبار » يايوي كوساما ونوال السعداوي ..للكاتبة ابتهال الخطيب

يايوي كوساما ونوال السعداوي ..للكاتبة ابتهال الخطيب

بقلم ابتهال الخطيب

توفيت الفنانة اليابانية يايوي كوساما يوم 14 أغسطس الماضي عن عمر 97 سنة. لا يعرف العالم العربي عنها الكثير، فهي فنانة تشكيلية، نحاتة، مصممة أزياء، مصممة عروض، فنانة أدائية، مختلفة ومثيرة للجدل حتى في العالم الشرق آسيوي والغربي، مما يجعل دخولها إلى المشهد الفني العربي عملية غاية في الصعوبة والتحدي. كوساما عاشت عمرها كله فنانة مختلفة، غريبة الأطوار أحياناً وفي صراع نفسي مستمر أحايين كثيرة، إلا أنها استمرت في ثورية فنية ومبدئية وأخلاقية عمرها كله، وذلك إلى سنوات قليلة ماضية حين أقدمت على فعل كان، بالنسبة لي على الأقل، مستغرباً ومستهجناً وإن كان لا بد أن يكون مفهوماً في مرحلتها العمرية المتقدمة.
وُلدت كوساما في مدينة ماتسوموتو في اليابان سنة 1929 لأسرة ميسورة الحال، إلا أن طفولتها لم تكن سعيدة حسب تصريحاتها، حيث كان والدها في علاقات نسائية مستمرة ويبدو أنها مكشوفة، فيما كانت والدتها عنيفة ومؤذية جسدياً ولفظياً. كبرت كوساما في تلك الأجواء المؤذية لطفولتها، ما جعلها تتبنى الرسم في مرحلة صغيرة من حياتها تعبيراً عن معاناتها وتنفيساً لها. في هذه المرحلة الطفولية، عانت كوساما من مرض نفسي، بسبب أوضاعها العائلية، انعكس بشكل غريب عليها جسدياً، حيث أصبحت ترى نقاطاً سوداء دائرية ترقط كل محيطها، بما فيه هي نفسها. تقول كوساما ‘ن هذا الترقيط الذي كانت تراه مستحوذاً على كل شيء حولها، بما في ذلك جسدها، أصابها برعب شديد، حيث كانت مقتنعة في طفولتها أن هذا الترقيط سيبتلعها ثم يفنيها في الفضاء، وكأنه نوع من أنواع الإبادة لكل ما حولها ولجسدها أيضاً.
استمرت كوساما تعاني من أمراض نفسية عدة إبان حياتها، فقد صاحبها في رحلتها الحياتية الاكتئاب والشيزوفرانيا واضطراب الوسواس القهري والرعب من العلاقات الجسدية، من بين أمراض أخرى عدة. لم تفارقها هذه الأمراض إلى آخر يوم في حياتها، حيث تقول إنها لم تعتدها فقط وتخلق طريقة للتعامل معها، بل إنها صنعت منها مادة فنية ثرية هي التي شهرتها وصنعت منها معجزة فنية مختلفة إلى آخر يوم في حياتها.
بدأت كوساما رحلتها الفنية برسم لوحات بتشكيلات مكررة، تضاهي هذه التشكيلات التي تراها هي بشكل مرضي تغطي محيطها وجسدها. بعد ذلك، انتقلت للنحت والتشكيل، حيث أصبحت تصنع أشكالاً غريبة لقوارب أو قطع أثاث مثلاً مليئة بنتوءات بارزة توحي بالأعضاء الجسدية الخاصة، تعبيراً منها عن رعبها الشديد من العلاقة الجسدية، ثم تملأ غرفة المتحف بهذه الأشكال والنتوءات بشكل يغطي الأرضية بأكملها.
وقد شعرت كوساما بأن المجتمع الياباني غير قادر على احتواء اختلافها وتجريبها الفني، ما دفعها للانتقال إلى الحياة في الولايات المتحدة في سنة 1957 لتبدأ رحلتها الفنية المذكورة آنفاً وصولاً إلى إنتاجها الفني الأكثر شهرة والمعروف باسم «غرف المرايا اللانهائية»، الذي ثبّت أقدامها كفنانة جادة ومختلفة. في هذا العمل الذي صنعت من خلاله غرفاً عديدة متنوعة، كانت كوساما تغطي غرفة المتحف بمرايا في كل أنحائها، ثم تملأ الغرفة بأشكال معينة، بحيث يستطيع الزائر أن يرى نفسه والشكل المنحوت يتكررون بشكل لا نهائي عبر انعكاس المرايا المتقابلة، وبحيث يرى الزائر الشكل المتكرر يغطي جسده كذلك في تلك المرايا. من بين «غرف المرايا اللانهائية» غرفة ملأتها كوساما بحبات يقطين كبيرة مرقطة كلها بالأبيض والأسود، بحيث تتكرر هذه اليقطينات بشكل لا نهائي عبر انعكاس المرايا ومعها صورة الزائر للغرفة. هناك غرف أخرى، دوماً مغطاة كلها بالمرايا، مليئة بالإضاءات الملونة، بالكرات المعدنية، بالنتوءات الشبيه بقرون الغزال الناتئة من الأرضية والمتدلية من السقف، بالثريات المتدلية من السقف، إلى آخرها من تشكيلات تصنع حياة متكررة لا نهائية في كل غرفة تحتضنها.
من بين إنجازات كوساما كذلك شركة أزياء تنتج ملابس مرقطة تشابه منظورها للحياة، كما أنها أنتجت بعض الأفلام التجريبية وقامت بعمل عروض حية في الشوارع، حيث كانت تطلب من المارة مشاركتها العرض بأن يتجردوا من ملابسهم لترسم عليهم ترقيطاً يشابه ما تراه منتشراً حولها وعلى جسدها. تقول كوساما إنها تسعى لأن تأتي بتجربتها حية لمتابعي فنها، أنها تود أن يعيشوا ذات التجربة المرئية الغريبة، وأن يتحدوا معها ومع الكون من خلال هذه التجربة.
تقول كوساما ما معناه أن الدوائر والترقيط ترمز للكون كله، وأن هذا الترقيط يوحدنا جميعاً معاً ومع الكون، لنتحد جميعاً ونذوب في مشاعر الحب. الدائرة رمز الكون والحياة عندها، وهو ما يجعلها تود أن ترسمها على كل مرئي، حتى تتوحد الأشياء مع الكون، ويتوحد محبوها معها في تجربتها.
عادت كوساما إلى اليابان في سنة 1973 للعيش والعمل هناك، وكانت عودتها لهذا المجتمع الصارم والمنغلق، حسب تعبيرها، شديد التأثير على نفسيتها، ما جعلها تقرر العيش بشكل مستمر في مصحة نفسية، حيث كانت تخرج في الصباح لمعملها الفني، وتعود مساء للمصحة النفسية. ورغم كل هذه الصعوبات، بقيت كوساما تنتج فنياً بشكل غزير ومستمر. وفي سنة 1989، تم عمل معرض كبير عالمي لأعمالها كلها، مما أعادها للواجهة الفنية بشكل قوي وكبير. صرحت كوساما وقتها، بحسب كتاب Living with Art للكاتب مارك جيتلين، الذي استقيتُ منه الكثير من معلومات هذا المقال، أن «لقد عانيت الكثير من الصعوبات، مع أشخاص يقولون عني أشياء كثيرة، لكن الزمن أخيراً نظر لي بعين الرضا. ولكن كل ذلك لا يهم، لأنني منطلقة نحو المستقبل» (70). وقتها، كانت كوساما في نهاية الستينيات من عمرها، مع ذلك لم تتوقف قط أو تشعر أن الزمن سبقها. بقيت كوساما تسابق الزمن وتتحدث عن المستقبل كما لو أنها في مقتبل حياتها، ما جعلها دوماً حاضرة في الساحة، مفهومة للجيل الجديد قبل القديم.
في أواخر سنوات حياتها، قامت كوساما بعمل إعلاني تعاوني مع شركة لويس فويتون للجلود الفاخرة، حيث ظهرت في الإعلانات تسقي اليقطينات والزهور المرقطة لتكبر وتزدهر، فيما وضعت الشركة تشكيلات كوساما على حقائبها ومنتجاتها. أتذكر أنني أول مرة شاهدت الإعلان كنت متوقفة مروراً في مطار تركيا، لأرى إعلانها التسجيلي على شاشات المحل الفاخر ترويجاً للمنتجات باهظة الثمن. استأت وقتها جداً من تعاون هذه الفنانة الثورية مع شركة مخملية كهذه تبتعد تماماً بمنتجها وفكرتها وشكلها عن مبادئ كوساما الثورية وعن إنتاجها المختلف المتميز القريب من الناس، لكنني حاولت أن أذكر نفسي أن التقدم في العمر يبيح بعض الراحة في هذه المرحلة، وأن تعاونها، بما در عليها من وفرة مالية بلا شك، هو مستحق في هذه المرحلة المتأخرة بعد سنوات طويلة من المعاناة والنضال.
ذكرني توجه كوساما واستيائي منه بتوجه الراحلة الرائعة نوال السعداوي وبمشاعري الخاصة تجاهها، حيث بدت السعداوي في السنوات الأخيرة من حياتها أكثر نعومة تجاه النظام المصري، متخلية عن توجهها الثوري المعارض الصارم الذي صاحبها مدى حياتها. وجدت للسعداوي أعذاراً في التقدم بالعمر وما يسبغه علينا كبشر من «نعومة» وهدوء في التوجه والسلوك، وهي ذات الأعذار التي سقتها لكوساما. وعلى الرغم من أنني كنت آمل أن تبقى الصورة الثورية إلى النهاية، إلا أنني أدرك أن إطلاق الأحكام سهل، وأننا كلنا نخضع في النهاية للعمر وأحماله ومستحقاته من الهدوء والراحة. رحم الله السيدتين الثوريتين، وقدّرنا على أن نبقى ممسكين على جمر المبادئ، مع قلتها وفقرها، إلى النهاية.