أخر الأخبار
الرئيسية » اخبار » المتقاعدون متشائمون من تشريعيات !2026…للكاتب الصحفي اسماعيل الحلوتي

المتقاعدون متشائمون من تشريعيات !2026…للكاتب الصحفي اسماعيل الحلوتي

بقلم ..اسماعيل الحلوتي

في خضم الحملة الانتخابية التي تشهدها بلادنا خلال هذه الأيام القائظة، من أجل انتخاب أعضاء مجلس النواب المقرر إجراؤه يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، خرجت فئات عريضة من الأشخاص المتقاعدين في سائر المدن والأقاليم ومن مختلف القطاعات، مدنيين وعسكريين، للتذكير بمعاناتهم ومحاولة إبلاغ صوتهم لمن يهمهم أمر البلاد والعباد من مدبري الشأن العام، بخصوص ما آلت إليه أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والصحية من تدهور، بعد أن طال انتظارهم وعيل صبرهم…

ذلك أنه فضلا عن تذمرهم مما يتعرضون إليه من تهميش وإقصاء على مدى عقود من الزمن، أمام تجاهل الحكومات المتعاقبة لمطالبهم وتجميد معاشاتهم، في ظل تصاعد موجة غلاء أسعار المحروقات وانعكاسها على أسعار باقي المواد الأساسية، غاظهم كثيرا الخروج الإعلامي للوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع الذي أسقط بالمظلة على المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة قبل موعد الاستحقاقات الانتخابية بأيام قليلة، الذي قال نهارا جهارا بأن حكومة أخنوش صرفت من المال العام مبلغ 280 مليار درهم، تحت ذريعة دعم القدرة الشرائية لآلاف الأسر المغربية بلا جدوى، بينما هناك آلاف المتقاعدين يعانون من تحديات مزدوجة: العوز والأمراض المزمنة…

فبالرغم من أن البرامج الانتخابية لكافة الأحزاب السياسية المتنافسة، تتضمن إلى جانب عدة التزامات ومقترحات، وعودا بتحسين ظروف عيش فئة المتقاعدات والمتقاعدين ألذين أفنوا عمرهم في خدمة الوطن، والاستجابة لأهم مطالبهم الاجتماعية والمالية، التي مضى عليها عشرات السنين دون أن تحظى بالاهتمام اللازم من قبل المسؤولين الحكوميين، الذين تعاقبوا على تدبير الشأن العام، مازالت هناك تخوفات كبيرة من إهمال ملفهم المطلبي مرة أخرى وعدم إيلائه ما يستحقه من بالغ الأهمية.

إذ لا يعقل أن تظل شريحة اجتماعية واسعة من المواطنين عرضة للتهميش إزاء واقع معيشي أكثر قسوة مما كانت تتصور، بعدما كانت تعتقد أن التقاعد مرحلة للاستقرار النفسي بدل القلق والاكتئاب، وهي التي قدمت تضحيات كبيرة في سبيل نهضة الوطن ورقيه، من خلال تعليم بناته وأبنائه وبناء مؤسساته واقتصاده، والإسهام بفعالية في تنميته على جميع المستويات والأصعدة. حيث صار من غير الممكن للمتقاعد اليوم العيش بكرامة بمعاش يعجز عن مواكبة مسلسل ارتفاع الأسعار المتواصل، وجميع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها المغرب في الأعوام الأخيرة، ناهيكم عن ارتفاع تكاليف السكن والطاقة والنقل والأدوية التي تثقل كاهل الكثيرين، في وقت بقيت معاشاتهم مجمدة، مما أدى إلى تآكل قدرتهم الشرائية، حيث أن ما كان قبل سنوات يكفي لتغطية جزء مهم من احتياجاتهم، أصبح اليوم غير كاف لمواجهة أبسط الضروريات الأساسية…

فكم تعالت من الأصوات ورفعت من الشعارات أمام مقر البرلمان بمدينة العرفان للتنديد بالحصار المضروب على فئة المتقاعدين، من خلال “سياسة الآذان الصماء” التي ما انفكت تنهجها الحكومات المتوالية تجاه مطالبهم المشروعة في ضمان العيش الكريم ومراجعة معاشاتهم التي لم تعد تفي بالغرض أمام تردي مستوى معيشتهم بتزامن مع غلاء الأسعار. صرخاتهم تكاد لا تنقطع ووقفاتهم الاحتجاجية متواصلة، وخاصة إبان انطلاق جولات الحوار الاجتماعي التي يراهن عليها المتضررون…

وكم من المرات نظمت الشبكة المغربية لهيئات المتقاعدين ندوات صحفية بغية التعريف بالواقع المزري الذي بات المتقاعدون يعيشون على إيقاعه بدون فائدة تذكر، حيث أنه إضافة إلى استثنائهم من حضور جلسات الحوار الاجتماعي، هناك كذلك تجاهل حكومي واضح ودائم لمطالبهم، وعلى رأسها الرفع من قيمة المعاشات التي لم تعد تتلاءم مع تنامي ارتفاع الأسعار. وهو ما أدى إلى الشعور بالإحباط وخيبة الأمل من الإقصاء التي تعاني منهما هذه الفئة الاجتماعية الأكثر تضررا، الي لا تحظى للأسف بما تستحقه من اهتمام مقابل ما ظلت تقدمه من تضحيات جسام وخدمات جليلة في القطاعين العام والخاص، لكونها ما فتئت تشكو بحرقة من ضعف المنح الشهرية وعدم الزيادات التي يستفيد منها من حين لآخر الموظفون والأجراء في جميع القطاعات العامة والخاصة…

فمن المجحف في مغرب اليوم أن يتم التركيز فقط على الإعفاء الضريبي للمتقاعدين، لكونه مجرد إجراء بسيط لا يعالج جوهر مشاكلهم، ويتواصل إقصاؤهم، في حين أنه من الواجب على أصحاب القرار، الحرص على وضع هذه الفئة الاجتماعية التي تتزايد أعدادها بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، في صلب أولويات الدولة عبر مقاربة تجمع بين الزيادة في معاشاتهم وحفظ كرامتهم، إذ لا ينبغي لها بأي حال  التخلي عن هؤلاء المواطنين الذين لم يبخلوا عنها بعطاءاتهم خلال تلك السنوات الطوال التي قضوها في الكد والكدح، لأن كرامتهم هي من كرامة الوطن، وإنصافهم اعتراف بالجميل وليس إحسانا عابرا.

إننا نرفض بقوة استمرار مسلسل التسويف واختزال حضور ملف المتقاعدين في الحملات الانتخابية، أو النظر إليهم ككتلة انتخابية مهمة، يمكن استقطابها بواسطة الكلام المعسول والشعارات البراقة والوعود الزائفة، بل يجب التعامل معهم كمواطنين لهم حقوق ومطالب مشروعة إلى جانب ما عليهم من واجبات، وألا تنحصر هذه المطالب في رفع المعاشات وحسب، بل أن تشمل أيضا تجويد الخدمات الاجتماعية. ولم لا العمل على تيسير الاستفادة من خدمات النقل والتطبيب والأنشطة الثقافية والترفيهية، بما فيها الرحلات السياحية والولوج إلى المسارح الوطنية وغيرها، على غرار بعض التجارب الدولية التي سارعت إلى توفير خدمات وامتيازات خاصة للمتقاعدين وكبار السن؟