أخر الأخبار
الرئيسية » اخبار » داحس والغبراء…للكاتب الصحفي عزيز لعويسي

داحس والغبراء…للكاتب الصحفي عزيز لعويسي

بقلم:  عزيز لعويسي

العنوان أعلاه، قد يقوي الانطباع لدى البعض، أن محتوى الموضوع يتعلق بمحاولة نبش في حفريات واحدة من أطول وأشرس الحروب التي طبعت تاريخ العصر الجاهلي وبصمت أحداثه ومنعطفاته الكبرى، ويتعلق الأمر بحرب “داحس” و”الغبراء” التي دارت فصولها الدموية بين  قبيلتي “عبس” و”ذبيان” العربيتين، وانتهت بالجنوح الإرادي نحو السلام بعد نحو أربعين سنة من الثأر والقتال والدم، وقد  يقوي الإحساس لدى البعض الآخر، أن الأمر مجرد تذكرة سفر مجاني على هودج التاريخ والشوق والحنين، نحو عوالم عصر جاهلي كتبت فصوله بمداد الشوق والعشق والثأر و الدم والنار …

 

الأمر ليس هذا ولا ذاك، هو  توصيف جردناه من عمقه التاريخي والتراثي والحضاري، للدلالة على ما بتنا نتابعه ونعاينه في الساحة السياسية من حروب جبانة فاقدة لأدنى شروط الانضباط الحزبي والالتزام السياسي الحكومي، في سباق انتخابي تحول إلى ما يشبه “العيد الكبير” الكل يحشد ما له من سكاكين، ويسخر ما بحوزته من أوراق وأدوات خفية ومعلنة، استعدادا ليوم النحر، دون اعتبار لأنين الغلابى والمقهورين ولا لأوجاع المسحوقين واليائسين…

 

قد نتفهم المزايدات والملاسنات بين الأحزاب السياسية وقيادييها وزعمائها، في لعبة انتخابية لا موضع قدم فيها للقيم، خاضعة لحسابات وهواجس صناديق الاقتراع، لكن ما يصعب تفهمه، أن يفك وثاق التحالف الحكومي حتى قبل أن تدق ساعة الرحيل، ويتحول شركاء التركة الحكومية، إلى خصوم وأعداء يتبادلون القصف والتسديد، ويتبرؤون من بعضهم البعض بدون حرج أو حياء، بعدما كانوا إلى عهد قريب يباركون بركة شيخ الزاوية، ما شاركوا فيه جماعة، من اختيارات وتوجهات وقرارات، كان من الأجدر أن يتحملوا ما لها وما عليها، من باب المسؤولية الحكومية والالتزام السياسي، والحكاية تجاوزت حدود الرشق والقصف والضرب تحت الحزام والرسائل الواضحة والمخفية، إلى مستوى توجيه اتهامات علنية للخصوم أمام عدسات الكاميرا، في ملفات ساخنة، ظلت محل انتقاد حاد للثالوث الحكومي وأدائه طيلة خمس سنوات، ومنها ملف ما بات يعرف سياسيا وشعبيا ب”الفراقشية” الذين تحولوا بالنسبة للتحالف الثلاثي المتصدع، إلى ما يشبه ” ولد الزنا” الكل يتبرأ منه، ولا أحد على استعداد لتبنيه وتحمل مسؤوليته.

 

في معركة انتخابية مجردة من القيم والشرف، وفي ظل بنية سياسية حزبية، رهينة كائنات انتخابوية بئيسة يجمعها قاسم الأنانية والانتهازية والوصولية، من الطبيعي أن يحضر خطاب “تاشناقت”، ومن المفروض علينا كمواطنين، أن نتابع، فصول وأحداث مسرحية انتخابية درامية، تتغير فيها الألوان والرموز والمواقف في لمحة بصر، كما تتغير ألوان الحرباء، يتحول فيها حلفاء وأصدقاء الأمس إلى أعداء وخصوم سياسيين يواجهون بعضهم البعض بدون حرج أو حياء، في معترك انتخابي بات “حرب الكل ضد الكل” على حد توصيف الفيلسوف الإنجليزي  “توماس هوبز” صاحب”الليفياتان”، حيث لا مكان للوطن ولا موضع قدم لمصالح الأمة، عدا مصالح وحسابات سياسوية وانتخابوية بئيسة، ومعارك جبانة مزيفة بحزمة من الوعود الكاذبة، صانعة لليأس وقاتلة لأحلام مشروعة، باتت تواقة إلى أمكنة بديلة خارج عش الوطن..

 

 عسى أن ننتبه إلى بركان الفرار الكبير نحو الثغر المحتل، ونتبين بحس مواطن، اتساع دائرة اليأس في أوساط شرائح واسعة من المجتمع، لم تعد رقعة الوطن تسع أحلامها وأمانيها .. ونستشعر ما بات يواجه الوطن من تحديات وحملات استفزازية مسعورة .. على أمل أن تتملك الدولة، الإرادة الحقيقية، الدافعة في اتجاه محاربة كافة أشكال الفساد والعبث السياسي والانتخابي، وضبط أوثار المال العام، وربط المسؤولية بالمحاسبة وتفعيل آليات عدم الإفلات من العقاب ..

 

على أمل أن ترتقي الأحزاب السياسية بواقع الممارسة السياسية والانتخابية، وتزكي ما يزخر به الوطن من خبرات وكفاءات مشهود لها بالاستقامة والنزاهة ونكران الذات، تكون في صلب ما يقوده عاهل البلاد من مشاريع وخطط اقتصادية واجتماعية وتنموية ذات بعد استراتيجي وإشعاعي، وعمق ما يواجه المملكة من تحديات ترابية وسيادية، وما ينتظره المغاربة قاطبة من صحة وتعليم وسكن وشغل وكرامة ومساواة وعدالة اجتماعية..

 

 وأية تزكية للأنانيين والانتهازيين والمصلحيين ممن تورطوا في اغتيال أحلام المغاربة، وكانوا شركاء حقيقيين في تكريس ثقافة اليأس والهروب والفرار، هي تزكية للفساد والعبث، وممارسة وضيعة ترتقي إلى مستوى الجريمة في حق وطن، في حاجة اليوم، إلى من يتملك قيم النزاهة والاستقامة والثبات على المواقف والتضحية ونكران الذات، إلى من هو جاهز لخدمة الصالح العام ودعم مسار المغرب الصاعد، ومستعد للترافع عن مصالح الأمة وقضاياها الاستراتيجية…