عن أي وساطة يتحدث وزير الخارجية الجزائري؟!
كتب اسماعيل الحلوتي
من المفارقات الغريبة والمناورات المكشوفة، الخروج المباغت والباهت لوزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف في ندوة صحافية يوم الثلاثاء 18 نونبر 2025 الذي يصادف ذكرى استقلال المغرب، ليعلن دون أدنى خجل ولا وجل وعلى رؤوس الأشهاد عن استعداد بلاده، لدعم جهود الوساطة بين المغرب وجبهة البوليساريو الانفصالية في قضية “الصحراء الغربية”، حيث قال بوقاحة وفي محاولة يائسة للتملص من المسؤولية إن “الجزائر ومن موقعها كبلد مجاور لطرفي النزاع، لن تتردد في مساندة أي مبادرة للوساطة، مادامت تندرج في الإطار الأممي، وتحتكم في شكلها ومضمونها لأسس الحل المعتمد دوليا”
فكيف لمن بلاده غارقة إلى أخمص قدميها في النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية على مدى خمسة عقود، ولا تتوقف عن دعم جبهة البوليساريو الانفصالية بكل الوسائل المتاحة وعلى جميع الأصعدة، أن تكون مستعدة للقيام بدور الوساطة بين مملكة عريقة ذات جذور عميقة في التاريخ، وشرذمة من المرتزقة، اللهم إلا إذا كانت الجزائر تسعى إلى التشويش على القرار الأممي 2797 ومحاولة الهروب إلى الأمام للظهور بثوب الطرف المحايد؟ ناسية أن هناك تقارير رسمية تشهد بأن الجارة الشرقية تخصص ميزانية سنوية ضخمة لفائدة هذا الكيان الوهمي، من الميزانية العامة والصناديق السوداء التي أنشئت خصيصا لمعاكسة المغرب في وحدته الترابية، والإساءة إلى صورته إقليميا ودوليا. إذ تجاوزت قيمة الإنفاق الجزائري على ملف “الصحراء الغربية” 555 مليار دولار خلال الخمسين سنة الماضية، أي منذ عام 1975 الذي أعلن فيه جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني عن انطلاق “المسيرة الخضراء” المظفرة، من أجل استرجاع الأقاليم الجنوبية من الاستعمار الإسباني.
وعلاوة على ذلك لا يمكن أن تكون الجزائر التي عودتنا على الكذب صادقة في مسعاها، لاسيما أن رئيسها عبد المجيد تبون يصرح علانية في لقاء مباشر مع الصحافة الجزائرية، بأن بلاده ليست لها أية نية في التخلي عن الصحراء بعد أن كلفتها “مال قارون”، وهو ما يكشف عن حجم تورطها المالي والسياسي في هذا الملف الذي عمر طويلا، بسبب تعنت نظامها العسكري الحقود، الذي لم يستطع إلى اليوم التخلص من عقدة العداء تجاه المملكة المغربية، التي تلازمه منذ الإعلان عن “استقلال” الجزائر.
من هنا لا يمكن القبول بوساطة من هي طرف رئيسي في النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، حيث تقتضي الأعراف والقوانين أن يكون الوسيط شخصية أو جهة محايدة ومستقلة، ذات مصداقية وموثوقا بها، وأن تقف بين طرفي النزاع على قدم المساواة دون تحيز لأي طرف، فضلا عن أن الوساطة تعتمد أساسا على مبدأ الشفافية والحياد التام، مما يقتضي وجود طرف ثالث لا تكون له أدنى مصلحة مباشرة كانت أو غير مباشرة في الخلاف الحاصل للقيام بدور الوسيط، وأن يتفق الطرفان المتنازعان على القبول به، لتقريب المسافات وردم هوة الخلافات بينهما. لكن متى كان الخصم هو ذاته الحكم في الوقت نفسه؟
فبعد صدور القرار الأممي 2797 في 31 أكتوبر 2025 القاضي بمنح “الصحراء الغربية” حكما ذاتيا حقيقيا، باعتباره الحل الأمثل الذي ينبغي أن يتم التفاوض على أساسه، صار لزاما على الجزائر إن كانت ترغب فعلا في الوساطة الحقيقية، أن تعمل بشكل جاد ومسؤول على دعم جهود السلام، من خلال المشاركة الفعالة والإيجابية في الحوار المباشر، سعيا إلى تقريب وجهات النظر وإيجاد حلول سلمية حتى ينتهي الصراع بلا “غالب ولا مغلوب”، ولا نعتقد أن هناك وساطة أفضل من أن تحث السلطات الجزائرية ليس فقط الانفصاليين الصحراويين على العودة إلى وطنهم المغرب، مادام الملك محمد السادس تعهد في خطاب 31 أكتوبر 2025 باحتضانهم ومعاملتهم بشكل متساو مع إخوانهم المغاربة، بل كذلك انفصاليي منطقة الريف، الذين أنشأت لهم مكتب تمثيلية ما سمي “جمهورية الريف في الجزائر العاصمة.
وفي هذا الصدد هناك من الخبراء والمهتمين بالشأن المغاربي من لا يرى في “وساطة” الجزائر، سوى تعبير واضح عن التخبط الكبير الذي تعرفه الدبلوماسية الجزائرية وما ترتب عنه من إخفاقات في تعاطيها مع عديد الملفات، وفي مقدمتها ملف الصحراء المغربية، لاسيما أنها تحاول منذ سنوات التهرب من مسؤوليتها السياسية المباشرة في احتضان جبهة البوليساريو الانفصالية ودعمها المستمر إعلاميا وسياسيا ودبلوماسيا وعسكريا، ورفضها المتواصل المشاركة في الموائد المستديرة التي طالما دعاها إلى حضورها مجلس الأمن الدولي. وهناك من يرى كذلك أنها مجرد مناورة سياسية أخرى لمحاولة إطالة عمر النزاع والتستر عن ضلوعها في افتعاله، رغم ما تدعيه من حياد أمام الرأي العام الجزائري والدولي…
إنه لمن السذاجة بمكان الاعتقاد بجدية الجزائر وهي التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب من جانب واحد منذ عام 2021، وبكونها ليست طرفا في النزاع حول “الصحراء المغربية”. إذ كيف نفسر الرفض المستمر لليد البيضاء التي ما انفك يمدها ملك المغرب محمد السادس لقادتها، قصد طي صفحة الخلافات والشروع في بناء المستقبل المشترك، وقد جاء في خطابه التاريخي السامي مساء يوم الجمعة 31 أكتوبر 2025 عقب صدور القرار الأممي رقم 2797 “أدعو أخي فخامة الرئيس عبد المجيد تبون، لحوار أخوي صادق، بين المغرب والجزائر، من أجل تجاوز الخلافات، وبناء علاقات جديدة، تقوم على الثقة، وروابط الأخوة وحسن الجوار”؟!
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة






















