قراءة نقدية في مقال علي أنوزلا (ملاحظات على هامش انتخابات المغرب): وهم الأزمة البنيوية وصوت الصناديق في مواجهة لغة الإحباط.
عبد الله مشنون كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
تشكل المحطات الانتخابية الكبرى في الدول الديمقراطية اختباراً حقيقياً لمدى نضج النخبة السياسية ووعي المجتمع حيث تتدافع الرؤى وتتقاطع القراءات بين من يقرأ الواقع بمنظور البناء والإصلاح ومن يغرق في مستنقع العدمية والتشكيك المسبق. والمغرب اليوم وهو يخطو خطوات ثابتة وواثقة نحو تكريس خياره الديمقراطي المؤسساتي ليس بمعزل عن هذه التجاذبات الفكرية والإعلامية التي تحاول أحياناً طمس معالم الإنجاز وتضخيم الهوة بين المواطن ومؤسساته المنتخبة. تظل متابعة الشأن السياسي بالوطن الأم واجباً واهتماماً لا ينقطع لاسيما في هذه المرحلة الدقيقة والمفصلية من مسارنا الديمقراطي وهو ما دفع إلى الوقوف مطولاً عند المقال الذي نشره الزميل علي أنوزلا عبر منبر العربي الجديد. ومن منطلق الإيمان بأن جمالية العمل الصحفي تتجسد في تعدد الزوايا واختلاف المناهج في قراءة المحطات الانتخابية وما أفرزته من نتائج بارزة وعلى رأسها تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للمشهد واستقبال جلالة الملك محمد السادس حفظه الله للسيدة فاطمة الزهراء المنصوري وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة كأول امرأة ترأس السلطة التنفيذية في تاريخ المملكة باتت الحاجة ملحة لتقديم قراءة نقدية وموضوعية تتجاوز لغة الإحباط والعدمية لتضع النقاط على الحروف وتنحاز حصرياً لخيارات الوطن وثوابت ديمقراطيته المؤسساتية. عندما ينطلق كاتب بحجم علي أنوزلا لتناول الشأن الانتخابي في المغرب كما فعل في مقاله الموسوم بـ (ملاحظات على هامش انتخابات المغرب) فإنه غالباً ما ينطلق من خلفيات تحليلية تغلب عليها نزعة الإحباط متجاهلاً النبض الحقيقي للشارع المغربي وما يعتمل فيه من تحولات إيجابية. إن قراءة مقال أنوزلا تكشف عن محاولة متكررة لإلباس العزوف الانتخابي ثوب الأزمة البنيوية المطلقة والتقليل الممنهج من حجم الانتصارات السياسية المشروعة التي حققتها قوى الإصلاح وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية فضلاً عن السعي نحو إشعال فتيل هواجس وهمية بشأن طبيعة تسيير الشأن العام. إن هذا النوع من الخطاب الصحفي وإن حاول التستر بغطاء التحليل الرصين إلا أنه يصب في النهاية في خانة إحباط العزيمة الوطنية وتشويه الخيار الديمقراطي الذي ارتضاه المغاربة سبيلاً للتطور والتحديث. يستهل الكاتب ملاحظاته بالوقوف مطولاً عند نسبة المشاركة محاولاً اتخاذها ذريعة للطعن في مصداقية العملية الديمقراطية برمتها وإبرازها كدليل على أزمة وساطة عميقة. وهنا يجب التذكير بأن تبني خطاب المقاطعة أو تبرير العزوف السلبي لا يعد موقفاً نضالياً بل هو هروب مجاني من المسؤولية وتخلٍ طوعي عن حق التأثير والتغيير. إن دعاة المقاطعة لا يقدمون للمجتمع أي بديل حقيقي سوى التعطيل والتشاؤم بينما المشاركة الفعالة والوازنة تظل السلاح الديمقراطي الأوحد لتصحيح الأوضاع ومراقبة السياسات العمومية والدفاع عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمغاربة من داخل قبة البرلمان والمؤسسات المنتخبة. إن الرهان على المقاطعة هو رهان على شل قدرة المجتمع في حين أن الانخراط الواعي هو الذي يعطي للمؤسسات شرعيتها وقوتها في مواجهة التحديات. ولا يمكن بأي حال من الأحوال قبول الطرح المتسرع الذي يحاول من خلاله المقال تفريغ عودة حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة وحصوله على 54 مقعداً من محتواها الدلالي العميق إذ يصور الكاتب هذا التعافي وكأنه مجرد إعادة توزيع عابرة للأوراق السياسية. إن الحقيقة التي يتغاضاها أنوزلا عمداً أو سهواً هي أن صمود العدالة والتنمية وارتفاع مقاعده رغم كل حملات التشويش الممنهج واستهداف خطه السياسي والضغوط الهائلة التي تعرض لها يعكس وفاء شريحة واسعة من المواطنين الأحرار الذين يميزون بوعي تام بين التدبير النظيف والمصداقية الميدانية وبين الخطابات الشعبوية أو محاولات الإقصاء الممنهج. لقد أثبت الناخب المغربي أن محاولات تقويض حضور هذا الحزب الملتزم بثوابت الأمة وقضايا الشعب باءت بالفشل لأن الارتباط بالوجدان الشعبي وبصوت المواطن البسيط لا يمكن محوه بالقلم أو بالتأويلات المتسرعة التي تسعى لتعويم النجاحات الحقيقية. وحين يعرج المقال نحو صدارة حزب الأصالة والمعاصرة وتخوفاته المشوبة بالتشكيك حول طبيعة العلاقة مع مركز القرار فإنه يقع في فخ القراءة الاستباقية المغرضة التي تحاول توريط المسار الديمقراطي في نقاشات عقيمة. إن المنظور الإصلاحي لا ينظر إلى المؤسسات المنتخبة بمنطق التوججس والمرض النفسي بل بمنطق تفعيل الدستور والالتفاف الصادق حول قواعد الديمقراطية ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. إن التباكي المستمر على ثنائية من يحكم ومن يحاسب وتصوير الحكومة المقبلة وكأنها في مواجهة حتمية مفتوحة مع الشارع أو القصر هو قراءة متأزمة تعكس رغبة دفينة في استباق الأحداث لضرب مصداقية المؤسسات وتأجيج مشاعر عدم الثقة لدى المواطن. إن المؤسسات المغربية تشتغل في إطار دستوري واضح يوزع الصلاحيات ونجاح أي تجربة حكومية مقبلة بقيادة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري يرتبط بمدى قدرتها على الإنجاز بعيداً عن منطق التشكيك المسبق وإثارة الغبار السياسي. إن التحدي الحقيقي الذي ينبغي التركيز عليه بعيداً عن تهويلات مقال علي أنوزلا وأحكامه المسبقة هو كيف تترجم هذه الإرادة الشعبية الصادقة إلى سياسات عمومية ناجعة تستجيب لانتظارات المغاربة الملحة في الشغل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية. إن المغرب اليوم بحاجة ماسة إلى جبهة داخلية قوية والتفاف وطني صادق حول المسار الديمقراطي ودعم للأحزاب الوطنية الجادة التي تثبت يوماً بعد يوم أن العمل من داخل المؤسسات هو السبيل الوحيد للبناء والإصلاح لا سيما في ظل التحديات الراهنة. وحين تتكامل إرادة الشعب الواعي مع مؤسسات تحترم اختياراته وتصون ثوابته تسقط حتماً كل قراءات العدمية والمقاطعة ويثبت المغرب أنه ماضٍ بخطى ثابتة نحو ترسيخ ديمقراطية مسؤولة ومتبصرة تقطع الطريق على كل محاولات التشويش والتشكيك في اختيارات الأمة.
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة























