لقاء رئيس جماعة إيغود بإقليم اليوسفية وعمدة مونبولييه: انفتاح واعد في ميزان الواقعية السياسية
شهدت مدينة مكناس لحظة وُصفت بغير المسبوقة في تاريخ جماعة إيغود، حين التقى رئيسها، السيد هشام الهاشمي، بعمدة مدينة مونبولييه الفرنسية، السيد ميشيل ديلافوص، وذلك على هامش فعاليات ثقافية وتنموية شهدتها العاصمة الإسماعيلية. اللقاء، الذي تم توثيقه إعلاميًا وتداوله على نطاق واسع داخل المنصات الرقمية، أعاد إلى الواجهة النقاش حول رهانات الجماعات القروية في المغرب، وإمكانية خوضها لمسارات شراكة دولية فعلية تتجاوز الطابع الرمزي أو المناسباتي.
هذا التطور في المسار الدبلوماسي المحلي لا يمكن قراءته بشكل معزول عن السياق العام لجماعة إيغود، التي دخلت منذ سنوات في دائرة الضوء العلمي العالمي، بعد الاكتشاف الأثري التاريخي لـبقايا أقدم إنسان عاقل على وجه الأرض. هذا الاكتشاف، الذي نقل اسم الجماعة من هامش الخرائط الجغرافية إلى صلب الاهتمام الأكاديمي الدولي، شكّل رأس مال رمزي ضخمًا لم يُستثمر بعد بالشكل الكافي، لكنه يظل مفتوحًا على آفاق تنموية غير مسبوقة إذا ما تم توجيهه ضمن رؤية استراتيجية واضحة.
من هذا المنظور، يكتسي اللقاء مع مدينة مونبولييه دلالة خاصة. فمونبولييه ليست فقط مدينة فرنسية عريقة، بل قطب علمي وجامعي معروف بديناميته في مجالات البحث والتعاون الدولي. تمتلك المدينة خبرات مؤسساتية متقدمة في تدبير الشأن المحلي، وتاريخًا من الانفتاح على شراكات مع بلدان الجنوب، مما يجعلها شريكًا مثاليًا لجماعة تسعى لإعادة تشكيل نموذجها التنموي من بوابة العلوم والمعرفة والسياحة الثقافية.
تقوم إمكانية الشراكة بين إيغود ومونبولييه على ركيزتين أساسيتين: الأولى، تثمين الرأسمال الرمزي للجماعة وتحويله إلى مشاريع ذات جدوى اقتصادية وثقافية وسياحية، مثل إحداث متحف علمي حديث أو مركز أبحاث يواكب الدراسات حول الإنسان الأول. والثانية، بناء قدرات الجماعة الترابية إداريًا ومؤسساتيًا حتى تتمكن من الانخراط بفعالية في مشاريع مشتركة، تستجيب للمعايير الدولية من حيث التخطيط، الشفافية، ومقاربة النتائج.
هذه الإمكانيات، وإن بدت مشجعة، تظل مشروطة بتوفر شروط واقعية تنطلق من الداخل، وتحديدًا من قدرة الجماعة على التحول من منطق التدبير التقليدي إلى منطق التخطيط الاستراتيجي. ويُسجل في هذا الباب أن جماعة إيغود، وإن كانت اليوم تتوفر على رئيس ذي تكوين أكاديمي عالي ومؤهلات علمية معتبرة، تُحسب له جرأة المبادرة والانفتاح، إلا أن غياب فريق منتخب منسجم ومؤهل فكريًا ومهنيًا، يشكل عائقًا حقيقيًا أمام تنزيل أي مشروع هيكلي بشراكة مع مؤسسات خارجية.
التجربة أثبتت أن الترافع الجماعي الناجع لا يتم فقط عبر رئيس الجماعة، مهما كانت كفاءته، بل يحتاج إلى نخب سياسية قادرة على استيعاب منطق الشراكات الدولية، وواعية بأدوات التدبير الحديث، سواء على مستوى الإعداد للملفات، أو التفاوض، أو التقييم المستمر. غير أن الواقع المحلي يُظهر أن الغالبية الساحقة من المنتخبين بالجماعة يفتقرون إلى التكوين الملائم، وإلى ثقافة العمل المؤسساتي التشاركي، مما يجعل من أي مبادرة خارجية عرضة للانحباس في مستوى النوايا دون المرور إلى حيز الإنجاز.
وفي غياب بنية بشرية ومؤسساتية قوية، تبقى الإدارة الجماعية، بدورها، غير مؤهلة لاستيعاب تعقيدات تدبير مشاريع شراكة ذات بُعد دولي، من حيث إعداد الدراسات، التعامل مع متطلبات الشفافية، أو احترام آجال التنفيذ. فمؤسسات التعاون الخارجي، وضمنها الجماعات الترابية الأوروبية، تشتغل ضمن معايير صارمة، وتبحث عن شركاء محليين ذوي مصداقية إدارية، واستعداد مؤسساتي حقيقي.
رغم هذا كله، فإن لقاء مكناس لا ينبغي أن يُقرأ من زاوية التشكيك فقط، بل هو لحظة دالة تؤشر على استعداد جماعة إيغود للقطع مع العزلة الرمزية التي ظلت تلازمها لعقود. فالخطوة تحمل في طياتها روح مغامرة إيجابية، وتُظهر أن الجماعة، على الأقل في شخص رئيسها، واعية بإمكانات المرحلة، وتسعى لإعادة بناء صورة إيغود دوليًا، لا فقط كموقع أثري، بل كفضاء تنموي يستحق المرافقة والدعم.
ويبقى الرهان الحقيقي اليوم على الانتقال من الصورة إلى المشروع، ومن الحدث إلى البرنامج. وهذا يتطلب من المجلس الجماعي التحرك العاجل لوضع خطة تنموية واضحة تُراعي خصوصيات الجماعة، وتُدمج فيها بعد الانفتاح الدولي كخيط ناظم، مع العمل على تأهيل الأطر الإدارية وتكوين المنتخبين، واستثمار هذه اللحظة الرمزية لإطلاق دينامية داخلية جديدة تُشرك فيها مكونات المجتمع المحلي، من جمعيات ومبادرات مدنية وكفاءات شبابية.
لقاء رئيس جماعة إيغود بعمدة مونبولييه ليس نهاية في حد ذاته، بل هو مجرد بداية لمسار طويل يتطلب نفسًا مؤسساتيًا، ورؤية جماعية، ومقاربة احترافية للتنمية. لقد أطلقت إيغود، دون شك، إشارة قوية إلى محيطها الإقليمي والوطني والدولي بأنها مستعدة للتحول. لكن نجاح هذا التحول لن يُقاس بالصور ولا بالتصريحات، بل بما ستنجزه الجماعة فعليًا على الأرض: مشاريع ملموسة، خدمات محسنة، وأفق أرحب لشبابها وساكنتها.
إيغود اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تنجح في البناء على ما تحقق، أو تعود إلى مربع الانتظارية. والحسم في هذا الخيار لن يكون بيد رئيس الجماعة وحده، بل بيد مؤسسة المجلس ككل، التي إن لم ترتقِ إلى مستوى اللحظة، قد تضيّع فرصة قد لا تتكرر قريبًا.
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة























