القوة الحامية: قراءة في مقتل مغربي بإيطاليا وصرخة المواطن خارج الحدود..إبراهيم جديد. صحفي. باحث في العلوم السياسية.
إبراهيم جديد. صحفي. باحث في العلوم السياسية.
في 19 يوليو 2026، اهتزت مدينة بولونيا الإيطالية على وقع مأساة هزّت المغاربة في الداخل والخارج. عبد الرحيم فقير، رجل أعمال مغربي يبلغ من العمر 43 عاماً، قضى نحبه تحت قبضة الشرطة الإيطالية، في مشهد صادم ذكّر العالم بمقتل جورج فلويد. الرجل الذي انتقل إلى إيطاليا في الخامسة من عمره، وقضى أربعة عقود هناك، يصرخ “ساعدوني” و”كفى” قبل أن يسكت إلى الأبد. لكن السؤال الأعمق الذي يطرح نفسه بحدة: لماذا يشعر المغاربة، في هذه اللحظة وفي كل لحظة مماثلة، بأن دولتهم لا تحميهم خارج الحدود؟ ولماذا يبدو أن دم المغربي يختلف عن دم غيره في الميزان الدبلوماسي؟ موقف الدولة المغربية: بين البروتوكول والخيبة دخلت السفارة المغربية في إيطاليا على الخط سريعاً. السفير يوسف بلا أعرب عن تعازيه للعائلة، مؤكداً أن السفارة “تتابع عن كثب تطورات القضية” وتوفر الدعم القنصلي. ثم جاء التصريح الذي أثار حفيظة الكثيرين: أعرب السفير عن “ثقته الكاملة في النظام القضائي الإيطالي”. هذا الموقف البروتوكولي، وإن كان متوافقاً مع الأعراف الدبلوماسية، قوبل بانتقادات لاذعة. الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وجهت اتهاماً بـ”الصمت الدبلوماسي” المغربي تجاه “مقتل مهاجر مغربي بسبب التعذيب”. في المقابل، شهدت بولونيا ومدن إيطالية أخرى احتجاجات غاضبة رفع فيها المتظاهرون شعارات مثل “العدالة والحقيقة لفقير” و”الشرطة قتلة”، ما أدى إلى مواجهات مع الشرطة استخدمت خلالها الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه. ماذا لو قتل إيطالي في المغرب؟ “ستقوم القيامة” التحليل المقارن هنا هو جوهر الإشكالية. لو أن مواطناً إيطالياً قُتل في المغرب على يد رجال الأمن، أو حتى في ظروف غامضة، كيف سيكون رد الفعل؟ الحقيقة أن الدبلوماسية الأوروبية، وبخاصة الإيطالية، تمتلك نفوذاً وقدرة على الضغط لا تتوفر للدول المغاربية. في سيناريو مماثل، لكانت السفارة الإيطالية في الرباط طالبت بتحقيق دولي، ولتدخلت روما على أعلى المستويات، ولربما تجاوز الأمر المجال الدبلوماسي إلى عقوبات اقتصادية أو سياسية. العلاقة غير المتكافئة بين القوتين، التي تحكمها موازين القوى الدولية، تجعل من دم الإيطالي أغلى من دم المغربي في الميزان الدبلوماسي. بل إن هناك من يذهب إلى أبعد من ذلك: المغاربة أنفسهم يعرفون أن دولتهم، في تعاملها مع مواطنيها في الخارج، غالباً ما تتبنى لغة “الثقة في العدالة المحلية” بدلاً من لغة “المطالبة بالحق”. وهذا ما يغذي الشعور بأن الدولة لا تحمي رعاياها. لماذا يشعر المغاربة أن الدولة لا تحميهم في الخارج؟ أولاً: غياب الردع الدبلوماسي – المغرب، بقدر ما يتمتع بثقل إقليمي، يظل دولة ذات نفوذ محدود على الساحة الدولية مقارنة بالقوى الكبرى. قدرته على الردع الدبلوماسي ضئيلة، وهذا ينعكس في لغة التصريحات الرسمية التي تميل إلى التهدئة والتسامح. ثانياً: الأولويات السياسية – في كثير من الأحيان، تُضحى مصالح المواطنين العاديين في الخارج على مذبح المصالح الاستراتيجية الكبرى. العلاقات الاقتصادية والأمنية مع الدول الأوروبية قد تكون أولوية تفوق حماية حقوق مواطن منفرد. ثالثاً: غياب الرواية الرسمية القوية – بينما روّجت وسائل الإعلام الإيطالية لرواية أن فقير كان “في حالة هيجان” وأن الشرطة “تعاملت مع وضع صعب”، غابت الرواية المغربية الرسمية القوية التي تروي القصة من زاوية الضحية المستغيث الذي قُتل وهو ينادي للنجدة. رابعاً: الإحساس بالهشاشة – المغاربة في الخارج، حتى أولئك الذين بنوا حياتهم وشركاتهم كعبد الرحيم فقير، يظلون يشعرون بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية. فقير قضى 38 عاماً في إيطاليا ولم يحصل على الجنسية، لأنه شعر أن جنسيته المغربية “كافية”. لكن هذا الشعور بالانتماء لم يقابله شعور مماثل بالحماية. قوة الدولة الحقيقية قوة الدولة لا تُقاس بحجم جيشها أو اقتصادها فحسب، بل بقدرتها على حماية أبنائها أينما كانوا. الدولة القوية هي التي يشعر مواطنها، وهو في أقصى بقاع الأرض، بأنه ليس وحيداً، بأن له ظهراً يستند إليه، وأن دمه ليس رخيصاً. مأساة عبد الرحيم فقير ليست مجرد حادثة فردية؛ إنها مرآة تعكس فجوة عميقة بين ما ينبغي أن تكون عليه الدولة الحامية، وما هي عليه في الواقع. حين يصرخ مواطن مغربي “ساعدوني” في شوارع بولونيا، ويسمعه العالم كله، ولا تسمعه سوى عبارات التعزية والثقة في القضاء الإيطالي، فإن السؤال الذي يبقى معلقاً في الهواء: أين كانت قوة الدولة المغربية في تلك اللحظة؟ الجواب، للأسف، هو أن القوة الحقيقية للدولة تختبر في لحظات الشدة، وليس في أوقات الرخاء. وحتى تشعر الدولة بأن مواطنيها في الخارج محميون، عليها أن تثبت أن صوتها مسموع، وأن غضبها مرهوب، وأن عدالتها لا تقف عند حدودها الجغرافية. عندها فقط، لن يظطر مغربي في الخارج إلى الصراخ “ساعدوني” دون أن يسمعه أحد.
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة






















