لماذا تتهرب الأغلبية من لجنة تقصي الحقائق؟! للكاتب الصحفي اسماعيل الحلوتي
كتب اسماعيل الحلوتي
يمكن للمغاربة تجاوز عديد الأزمات الحادة والجراح العميقة التي تسببت لهم فيها “حكومة الكفاءات”، لكنهم لن ينسوا أبدا ما تعرضوا له من خدعة كبرى في عيد الأضحى 1447/2026، لاسيما أن رئيسها عزيز أخنوش ووزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات أحمد البواري صرحا قبل العيد بأن الأضاحي ستكون متوفرة بكثرة وأن أسعارها لن تتجاوز حدود المعقول، لكنهم لم يلبثوا أن اصطدموا بالواقع المر في أسواق المدن، من حيث الارتفاع الصاروخي في الأسعار وندرة الأغنام…
فكيف للمغاربة ألا يصابوا بالإحباط والشعور بالخذلان، وهم الذين كانوا يعلقون آمالا كبيرة على وفرة أضاحي العيد هذا العام وبأثمان مناسبة لمختلف الطبقات الاجتماعية، خاصة بعد أن سبق لهم تعليق شعيرة النحر في السنة الماضية، استجابة للرسالة الملكية السامية الموجهة إليهم من قبل أمير المؤمنين الملك محمد السادس في 26 فبراير 2025، التي يهيب بهم من خلالها إلى عدم القيام بشعيرة ذبح أضحية العيد، اعتبارا لما يواجه البلاد من تحديات مناخية واقتصادية، ساهمت في تقلص أعداد الماشية، متعهدا برفع الحرج عنهم وذبح الأضحية بدلا عنهم، سيرا على سنة جده المصطفى عليه الصلاة وأزكى السلام، عندما ذبح كبشين وقال: “هذا لنفسي وهذا عن أمتي”؟
هذا بالإضافة إلى أن الدولة بدورها خصصت دعما عموميا بقيمة 13,3 مليار درهم من أجل المساهمة في استعادة القطيع الوطني لعافيته، وما ورد في تصريح رئيس الحكومة من تحت قبة البرلمان بكون المغرب يتوفر خلال هذه السنة على 40 مليون رأس من الأغنام، وأن العرض من الأضاحي يفوق الطلب. وسيتم بهذا الخصوص وضع ما لا يقل عن 8 ملايين رأس من أضاحي العيد رهن إشارة المغاربة، مقابل طلب لا يتجاوز 6 ملايين رأس فقط، ناهيكم عما شهدته بلادنا من تهاطل أمطار الخير إبان هذه السنة “المباركة”، بعد جفاف دام سبع سنوات متوالية.
فاستنادا إلى مقتضيات الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب، وانطلاقا من الرغبة في ضمان الشفافية وتكافؤ الفرص، والتأكد من أن مختلف أشكال الدعم والإعفاءات الضريبية التي أقرتها الحكومة منذ نهاية سنة 2022، طالبت فرق المعارضة عبر بلاغ مشترك بتشكيل لجنة برلمانية لتقصي الحقائق حول دعم استيراد المواشي وقطاع تربيتها، باعتبارها مبادرة رقابية تندرج ضمن اختصاصات البرلمان، لإنهاء الجدل المتواصل بخصوص طبيعة وجدوى هذه التدابير وكلفتها المالية وآثارها الفعلية، لاسيما أنها أثارت تساؤلات حول مدى احترام المعايير والشروط المرتبطة بالدعم من قبل الأشخاص المستفيدين، ومستوى الشفافية في تدبير العملية برمتها، إلى جانب مدى انعكاسها على أسعار السوق الوطني وأوضاع الفلاحين والمستهلكين. كما دعا البلاغ نفسه كافة مكونات مجلس النواب، أغلبية ومعارضة، إلى التفاعل الإيجابي مع هذه المبادرة الرامية إلى تمكين البرلمان من ممارسة أدواره الدستورية في المراقبة والتقييم وتعزيز النجاعة في تدبير السياسات العمومية، وربط المسؤولية بالمحاسبة فيما يخص تدبير المال العام.
وقد تساءل البعض باستغراب شديد عن أي أهمية ترجى من تكوين “لجنة تقصي الحقائق” في ملف ما بات يعرف إعلاميا ب”الفراقشية” المرتبط بالدعم الموجه لاستيراد اللحوم والأبقار وتربية الماشية؟ إن أهمية هذه اللجنة تكمن في كونها أداة دستورية فعالة للرقابة، يجوز أن تتشكل بمبادرة ملكية، أو بطلب من ثلث أعضاء مجلس النواب أو ثلث أعضاء مجلس المستشارين، وهي ذات طبيعة مؤقتة تنتهي أشغالها بإيداع تقريرها لدى مكتب المجلس المعني، ويراد بواسطتها الكشف عن الحقيقة عبر جمع كافة المعلومات الموثقة بخصوص وقائع معينة أو ما حدث من تجاوزات إدارية أو مالية، لتحقيق الشفافية والمحاسبة، والإسهام في تعبيد الطريق نحو إرساء أسس العدالة وعدم الإفلات من العقاب.
وبعيدا عن الجدل الواسع على منصات التواصل الاجتماعي حول تصويت 83 مستشارا في مجلس المسشارين ضد “تشكيل لجنة تقصي الحقائق” الذي فندته بعض فرق المعارضة، فإنه كان حريا بالأغلبية الحكومية الانخراط في المبادرة المتعلقة بالدعم الحكومي الموجه لاستيراد وتربية المواشي، لإظهار الحقيقة وإنهاء اللغط الحاصل، عوض الالتفاف عليها بطلب تشكيل “مهمة استطلاعية”، التي حتى وإن كان دورها هي الأخرى رقابيا، فإنها لا ترقى إلى مستوى “لجنة تقصي الحقائق” المنصوص عليها دستوريا من حيث قوة وآليات وإلزامية التحري ومآلاته. لكن الأغلبية التي ينطبق عليها هنا المثل القائل “كاد المريب أن يقول خذوني” وتخشى من أن تتحول اللجنة إلى “صك إدانة للحكومة” ظلت متمسكة برفضها بدعوى عدم “استيفاء الطلب للشروط والمعايير الدستورية” اللازمة، وفي مقدمتها توقيع ثلث أعضاء مجلس النواب، كما ينص على ذلك الفصل 67 من الدستور الذي يشترط توقيع ما لا يقل عن 132 نائبا.
وإذ نأسف لرفض نواب الأغلبية إثبات حسن النية والانخراط في “لجنة تقصي الحقائق”، رغم أنهم ممثلون للشعب المغربي وليس لحكومة أخنوش، وأن الهدف من الدعم هو توفير أضاحي العيد للمواطنين بأسعار معقولة وتخفيف العبء عنهم. لاسيما أنه تم رصد مبلغ 13,3 مليار درهم لذلك من أموال الشعب دون بلوغ الأهداف المرجوة (وفرة الأضاحي، الجودة والأثمان المناسبة)، فإننا ندعو إلى ضرورة الإفصاح الشفاف عن شروط الاستفادة من هذا التدبير الحكومي، ومدى احترم المستفيدين والمدبرين الحكوميين له، والعمل بحزم على استرجاع الأموال “الملتهمة” بغير حق، وتحديد الإجراءات القانونية.
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة





















