أول سيدة تتولى رئاسة الحكومة المغربية… الدلالات والتوقعات
يمثل تكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة المغربية الجديدة، بعد تصدر حزبها (الأصالة والمعاصرة) الانتخابات البرلمانية، حدثا استثنائيا باعتبارها أول امرأة تتقلد أعلى منصب تنفيذي في الدولة.
فتح هذا التعيين باب النقاش واسعا حول دلالات هذا الاختيار ومدى قدرة الحكومة الجديدة على تلبية تطلعات الشارع المغربي، والنساء على وجه الخصوص، في المرحلة المقبلة.
ولدت فاطمة الزهراء المنصوري عام 1976 بمدينة مراكش وحصلت على شهادة في القانون الأنجلوساكسوني من جامعة بايس الأمريكية وكذلك دبلوم الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه في فرنسا، والإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط. استهلت مشوارها السياسي بالانضمام إلى (حركة لكل الديمقراطيين) عام 2007، قبل أن تساهم في العام التالي (2008) في تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة.
تولت رئاسة المجلس الجماعي لمدينة مراكش من 2009 إلى 2015، لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة المجلس في المدينة، وانتخبت عضوا في البرلمان عام 2011 ثم أعيد انتخابها في 2016. وشغلت منصب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة من سنة 2021.
وقالت المنصوري بعد تكليفها بتشكيل الحكومة يوم الثلاثاء الماضي “سنشتغل بالتأكيد مع الجميع كمجتمع، ولكن في نفس الوقت أنا كامرأة أعرف الظروف التي تمر بها المرأة المغربية، وأعرف كذلك أن توجيهات العاهل المغربي كانت واضحة في هذا المجال، كي يكون عندنا مجتمع منسجم، بجميع قواه الحية”.
وأضافت “نحن واعون كل الوعي بأن هذه الفترة ستكون فترة مهمة، وفيها انتظارات كبيرة من طرف المواطنات والمواطنين، وخاصة الشباب، لذلك سنضع برنامجا يقترح حلولا حقيقية واقعية للمواطنات والمواطنين”.
دلالات سياسية ومؤسساتية
يرى محللون أن تولي امرأة رئاسة الحكومة لأول مرة في المغرب يمثل خطوة بالغة الدلالة على تطور الحياة السياسية والمؤسساتية في المغرب.
فقد بدأت أول مشاركة نسائية في البرلمان المغربي في الانتخابات التشريعية لعام 1993، حينما فازت امرأتان فقط بعضوية المجلس. وكانت أول مرة تسند فيها حقائب وزارية كاملة للمرأة المغربية عام 2007 عندما انضمت خمس نساء لحكومة عباس الفاسي.
يقول الباحث في العلوم السياسية محمد شهبي إن تعيين المنصوري على رأس الحكومة يدخل في إطار “التطور الطويل لمشاركة النساء في الحياة العامة بالمغرب، فقد عرف البلد خلال العقود الأخيرة، تقدما تدريجيا في حضور النساء داخل مختلف الفضاءات المؤسساتية، سواء في الحكومة أو البرلمان أو القضاء أو الدبلوماسية أو الجماعات الترابية (المحلية والبلدية) أو المؤسسات الدستورية أو الإدارات العمومية”.
وأضاف “وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة يمثل انتقالا من منطق الحضور إلى منطق القيادة، فلم يعد الأمر يقتصر على وجود نساء ضمن صفوف الوزراء أو البرلمانيين أو المنتخبين المحليين، بل أصبح يتعلق بالاعتراف بقدرتهن على قيادة العمل الحكومي، والتفاوض بشأن التحالفات، والتحكيم بين الأولويات العمومية، وتحمل المسؤولية السياسية عن تدبير السلطة التنفيذية”.
وتابع قائلا “يكتسب الحدث أهمية مؤسساتية كبرى، لأنه يكسر سقفا رمزيا ظل يفصل حتى اليوم بين مشاركة النساء في الحياة العامة وبين الوصول إلى أعلى منصب حكومي في البلاد”.
ويقوم النظام السياسي المغربي على ملكية دستورية، يحتفظ فيها الملك بصلاحيات واسعة تشمل السياسة الخارجية والدفاع وملفات رئيسية أخرى.
من جانبه، يرى الباحث والمحلل السياسي المغربي فتح الله رمضاني أن تعيين المنصوري يتجاوز مجرد كونه تطبيقا لمقتضيات دستور 2011 أو مجرد سابقة نسائية، بل يجب النظر إليه “باعتباره حدثا سياسيا ومؤسساتيا يحمل دلالة أوسع، وهي الدلالة التي ترتبط بشكل مباشر بمسيرة تطور دولة المؤسسات بالمغرب”.
واعتبر رمضاني أن وصول امرأة إلى هذا المنصب يمثل “تحولا ملحوظا في تمثل السلطة وممارستها داخل الدولة المغربية، حيث أن حضور امرأة في أعلى منصب بالسلطة التنفيذية بالبلاد يعتبر منعطفا جديدا في مسيرة التوفيق بين مقومات كل من الدولة التقليدية والدولة الحديثة بالمغرب، وبالتالي مدخلا لتغليب التوجه العصري داخل الدولة وبطبيعة الحال ليس بمعنى القطيعة مع مقومات الدولة التقليدية أو مع استمراريتها التاريخية، ولكن بمعنى إعادة ترتيب العلاقة بين هذه المقومات وبين متطلبات الدولة الحديثة”.
وأوضح أن نقاش دولة المؤسسات بالمغرب “لا يرادف في معناه، الحديث عن وجود دولتين متناقضتين واحدة تقليدية وأخرى عصرية حديثة، بل إن الأمر يتعلق بدولة واحدة تتطور أدواتها الداخلية ويعاد تنظيم وظائفها ومؤسساتها باستمرار”.
تحديات
تنتظر المنصوري تحديات عديدة بعد سلسلة من الأحداث أثارت دعوات بضرورة التغيير على مستوى إدارة العديد من الملفات، كان من بينها خروج احتجاجات لما عرفت بحركة (جيل زد 212) في أيلول/ سبتمبر من العام الماضي للمطالبة بإصلاحات اجتماعية واقتصادية.
كما تصاعد الانتقادات بشأن التوسع الكبير في الاستثمارات بمجال الرياضة، من خلال بناء ملاعب كبرى حديثة استعدادا لاستضافة المغرب بطولتي كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم، وكأس العالم لكرة القدم 2030 بالمشاركة مع إسبانيا والبرتغال.
كما شهد شهر تموز/ يوليو محاولة للهجرة الجماعية غير النظامية نحو جيب سبتة الإسباني في شمال المغرب، حيث تدفق نحو 70 ألفا معظمهم من الشبان نحو سبتة بعد دعوات مضللة على وسائل التواصل الاجتماعي للهجرة، سعيا لحياة أفضل، وهو ما خلف عشرات القتلى غرقا وألقى بظلاله على العلاقات المغربية الإسبانية وكذلك العلاقات مع الاتحاد الأوربي.
تطلعات
تنظر الكاتبة والناقدة المغربية زهور كرام إلى تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة على أنه يطرح “تحديات كثيرة” وتأمل أن يحقق هذا الاختيار تغيرا ملموسا على أرض الواقع.
وكتبت كرام في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي “كل التوفيق لهذا الموقع الجديد للمرأة المغربية.. لكن أتمنى أن يكون لحضور المرأة اهتماما بالتفاصيل التي تصنع الاختلاف في تدبير الشأن العام”.
ورغم حسم كثير من ملفات المرأة في المغرب خلال السنوات القليلة الماضية من خلال تعديل مدونة الأسرة وحق أبناء الأم المغربية في الجنسية، يظل تطبيق القوانين هو التحدي الماثل أمام رئيسة الحكومة الجديدة إضافة إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية للأسرة بصفة عامة.
وقالت بشرى سلماني (43 عاما) وهي عاملة منزلية “تفاءلت خيرا بصعود امرأة على رأس الحكومة أتمنى أن تحقق الكثير للنساء المغربيات، وبخاصة للشباب وتوفير فرص الشغل”.
(رويترز)
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة























