المشهد الانتخابي 2026: تدوير الأحزاب- العزوف عن التصويت- وتراجع أحزاب اليسار..للكاتب الصحفي ذ/ محمد بادرة
كتب..ذ/محمد بادرة
حسب البيانات التي نشرتها وزارة الداخلية وتداولتها الصحف الوطنية والدولية ووسائل التواصل الاجتماعي حافظت نفس القوى الحزبية (الحكومية) على مقاعدها المتقدمة في البرلمان وهكذا تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج (97 مقعدا) متبوعا بحزب التجمع الوطني للأحرار في المرتبة الثانية (66 مقعدا) وحل حزب الاستقلال في المرتبةالثالثة (65مقعدا) أما الجديد في المشهد الانتخابي فهي عودة حزب العدالة والتنمية من بعيد ويحتل المرتبة الرابعة بمجموع(54 مقعدا) متبوعا بحزب الحركة الشعبية (29 مقعدا) وفي المرتبة السادسة جاء الاتحاد الاشتراكي بمجموع(26 مقعدا) ويليه حزب التقدم والاشتراكية (19 مقعدا).. وهذه النتائج تعكس تبادلا للأدوار والمراكز بين الأحزاب الثلاثة الأولى وسط نسبة مشاركة ضعيفة بلغت 38.02% فقط.
- الحكومة تنبثق من الانتخابات أم من المفاوضات ؟
تشكل الانتخابات لحظة ديموقراطية تؤسس للشرعية السياسية لأنها هي الآلية الأساسية التي تعيد السلطة الى المواطن حتى يختار حكومته المنتخبة التي ستدير شؤون البلاد، وفي اللحظة التي تنتهي فيها الانتخابات تبدا مرحلة اختيار رئيس الحكومة من الحزب الذي احتل المرتبة الأولى حيث ينص الفصل 47 من الدستور المغربي على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب بناء على نتائجها، ويقوم رئيس الحكومة المعين بعدها بمشاورات مع الأحزاب “الحليفة” للانضمام الى الحكومة، ويقيّد رئيس الحكومة المعين من الناحية الدستورية بآجال محددة لتقديم حصيلة مشاوراته الى الملك.
قد تعرف عملية تشكيل الحكومة بوصفها الامتداد الطبيعي لارادة الناخبين ممارسات بعيدة عن السلوك الديموقراطي الشفاف حين تنتقل عملية المشاورات بين الحزب الفائز والأحزاب المقترحة للتحالف الحكومي الى مفاوضات مغلقة وسرية تشارك فيها قيادات وفعاليات حزبية قد تكون غير منتخبة عبر الاقتراع الانتخابي مما يفتح أبواب الترشيح للمناصب الوزارية لأشخاص أو كوادر حزبية أو تكنوقراطية لاعلاقة لها بالصوت الانتخابي أي أنها لم تكسب ثقة الناخب أو أنها سقطت في الامتحان الانتخابي وهو ما يجعل تشكيلة الحكومة مؤلفة من أشخاص لم تفرزهم نتائج الاقتراع الانتخابي فماذا بقي من الانتخابات اذا كانت السلطة الفعلية تنتج من غرف وقاعات مغلقة أو عبر لقاءات سرية وليس من ارادة الناخبين ؟
ان آلية “المحاصصة” بين الأحزاب المتحالفة يعني أن الانتخابات تتحول الى حدث رمزي يستخدم لتوزيع الشرعية الشكلية في حين أن القرار النهائي يصنع في الغرف وفي المفاوضات المغلقة ولا يخضع لمنطق ديموقراطي في اختيار الوزراء أو البرامج أو السياسات.
قد يضطر رئيس الحكومة المعين الى أن يلجأ الى المساومات و”التفاهمات” مع الأحزاب الأخرى حتى يحصل على الأغلبية البرلمانية فتحدث عندئد فوضى في ترتيب موازين القوى كما أفرزتها صناديق الاقتراع لتحل محلها “سياسة”المساومات، ويتحول النظام الانتخابي الديموقراطي من ديموقراطية انتخابية الى ديموقراطية “المحاصصة” يتحول فيها الفائز الأول في الانتخابات الى مجرد رقم ناقص في معادلة أكبر منه وفي المقابل يتحول الحزب الأقل عددا أو المرتّب ثانيا أو ثالثا أو حتى رابعا وخامسا الى لاعب رئيسي قادر على فرض شروطه مما ينتج عنه حكومة ضعيفة غير قادرة على العمل لأنها لا تنبثق من برنامج انتخابي واحد بل من برامج متناقضة تجمع داخل مايسمى (اتفاقية تسوية) وكأننا في نزاع قانوني أو مالي وبالتالي تتحول الحكومة الى اتحاد هش بين قوى متنافرة لا يجمعها سوى اتفاق على تقاسم الحقائب الوزارية..
هذا الوضع الاستثنائي كان واستمر مع تشكيل الحكومات حيث تقترح الأسماء لتولي مناصب وزارية وهم اشخاص لم ياتوا الى المسؤلية السياسية من باب المشاركة الانتخابية ولم تفرزهم صناديق الاقتراع وانما تم استقطابهم عبر مساومات واتفاقات بين القيادات الحزبية “المتحالفة” وحتى هذه المساومات تجرى بعيدا عن الرأي العام مما يجعل العملية السياسية تفتقر الى الشفافية لا يعرف المواطن من يفرض الشروط ولا من يقرر ولا ماهي المعايير المتبعة في الاختيار ولا كيف توزع الحقائب ؟؟
تجارب في الفشل الانتخابي : أحزاب اليسار مثالا
تراجع حضور أحزاب اليسار المغربي في الانتخابات التشريعية الحالية والسابقة وعلى رأسها حزب الاتحاد الاشتراكي الذي تقلص حجمه من 32 مقعدا في مجلس النواب السابق الى 26 مقعدا في مجلس النواب القادم أما حزب التقدم والاشتراكية فانه فقد 3 مقاعد في الانتخابات
الحالية، غير أن (المفاجاة) جاءت من تحالف اليسار الذي حصد 8 مقاعد وبزيادة 6 مقاعد عن البرلمان السابق وربما استفاذ كثيرا من نظام القاسم الانتخابي الجديد شأنه شأن باقي الأحزاب الصغرى، وبررت قيادات يسارية تراجعها وفشلها السياسي والانتخابي الى ارتفاع العزوف الشعبي وضعف الاقبال العام على التصويت مما أثر بشكل مباشر على القواعد الناخبة التقليدية لليسار أو ما يسمونه ب(شعب اليسار) !!
وأكد عدد من السياسيين ومن الفعاليات الحزبية اليسارية أن محاولات توحيد مكونات اليسار تصطدم دائما بالخلافات الداخلية والتنافس الحزبي الضيق ويرى آخرون أن انغماس الأطر والفعاليات الحزبية في تدبير الشأن الجماعي أو الحكومي (سابقا) أضعف صلتهم المباشرة بالنبض الميداني للجماهير والفئات المهمشة والطبقة العاملة التي كانت تمثل العمق التاريخي لنضال اليسار وهكذا خاضت الأحزاب اليسارية حمالاتها الانتخابية منفصلة بل وحتى متصادمة (الاتحاد الاشتراكي وحزب التقدم والاشتراكية) رغم تقاسم هذين الحزبين خلفية فكرية مشتركة ومواقف سياسية متقاربة.
ان ما يجمع الأحزاب المغربية كافة أنها فشلت في أداء دورها الطبيعي بوصفها مؤسسات تؤطر الأفراد والمجتمع وتنتج النخب والكوادر فقد بقيت بنيتها التنظيمية قائمة على الولاءات للأشخاص والمصالح الذاتية لا للتنظيم والفكر والايديولوجيا ومع تصاعد النقمة ومعاقبة الناس لهم ولأحزابهم تحولت الأحزاب الى كيانات منبوذة اجتماعيا ولتجاوز هذه المنبوذية لجأت جل الأحزاب الى استعارة الوجوه من خارجها من رموز وأعيان العشائر والقبائل في البوادي والمدن التاريخية، ومن الرياضيين، والفنانين ومشاهيرالمسرح والسينما، ومن الاعلاميين، بل وحتى من مؤثري مواقع التواصل الاجتماعي لتسويق نفسها انتخابيا بعد فقدان الثقة بها، لكن هذا السلوك لم يكن انفتاحا ديموقراطيا بقدر ما كان هروبا من الهوية الحزبية ومحاولة الالتفاف على الوعي الشعبي الناقم وهكذا استبدلت الكفاءة السياسية بالشعبوية كايديولوجية خلاصية زائفة، واستبدل المشروع الفكري والايديولوجي بالشهرة الجماهيرية للمستعارين لتتحول العملية الانتخابية الى منافسة اجتماعية لا سياسية والبرلمان الى منتدى للمكانة والحظوة لا لممارسة الفعل التشريعي والرقابي والسياسي.. ان الأزمة لا تكمن في دخول الأكاديميين أو الرياضيين أو الأعيان أو الفنانين الى البرلمان بل في غياب التأطير الحزبي والمعرفي الذي يجعل منهم سياسيين لا رموزا عابرة وكذا حتى لا تتآكل الهوية المؤسسية للبرلمان وتحوله الى تجمع أفراد ومشاهير لا كتل سياسية ؟
الاحجام عن التصويت تعبير عن احتجاج صامت
احجام الناخب عن التصويت في الانتخابات البرلمانية الحالية بل وبشكل متكرر ومتتال له دلالات ومعان أبرزها هي خيبات الأمل المنبعثة من عدم القناعة والرضا عن أداء المسؤولين السياسيين والحكوميين وعدم وفائهم ببرامجهم الانتخابية وتراكم التجارب المخيبة للآمال..
كل ذلك ولّد احباطا تراكميا لذى اغلب الناخبين وربما خلق حالة من الرفض للعملية السياسية برمتها وبعث تساؤلا مؤلما عن جدوى هذه العملية وعن الفائدة الحقيقية المرجوة منها.
هناك حجم وطني مغيب في الانتخابات الحالية (أكثر من 60% ) وعلى كل القوى السياسية والمجتمعية أن تستحضره في حساباتها وأن تعمل على معالجته وهذا ليس أمرا مستحيلا لأن اغلب الناس فقدوا الثقة في السّاسة وليس في السياسة وحمّلوا الأحزاب مسؤولية الأوضاع الفاسدة لا سيما أن ملفات الفساد التي أعلن عنها (المجلس الأعلى للحسابات) أو التي ماتزال في طور البحث والتقييم وحجم الاختلاسات من المال العام وغياب الفعل الرادع صارت كافية ليتخذ الناس موقفا ناقما من الأحزاب ومن السّاسة وهو ما تسبب في ارتفاع أعداد غير المصوّتين والمقاطعين … لكن هذه المقاطعة وعدم التصويت أفادت هؤلاء الفاسدين وتركتهم “وحدهم” مع الصناديق … ولكن كذلك أعطتهم درسا أيضا في أنهم لا يمثلون الأغلبية بل أقلية وعليها أن تعرف حجمها..
ان المقاطعة هي ما ترغب فيه بعض الأحزاب التي تملك قواعد انتخابية (ثابتة) أو لها نفوذ مالي وقبلي.. والسبب أن المشاركة الكبيرة في الانتخابات وخصوصا من الأغلبية الصامتة قد تؤدي الى احداث تغيرات كبيرة في موازين القوى.. فالمواطن الناخب يستطيع أن يمارس حقه في التصويت ويعاقب الفاشلين والفاسدين وهو حق ينبثق من عمق العمل الديموقراطي وعندما يشارك المواطن الناخب في الانتخابات فهو قادر على أن يهزم بصوته ذلك الفاسد بالاقتراع وانتخاب غيره ويفسد على الكتل السياسية قواعد اللعبة السيئة التي تتبعها، وهو ما يمكن أن يتحقق من خلال مشاركة الأغلبية الصامتة بقوة في الانتخابات … فكيف نقنع الأغلبية الصامتة؟
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة






















