الهجرة غير النظامية وسبل مواجهتها! للكاتب الصحفي اسماعيل الحلوتي
كتب اسماعيل الحلوتي
على إثر الأحداث الأليمة التي شهدتها المنطقة الشمالية بالمغرب يومي 30 و31 يوليوز 2026 في تزامن مريب مع الذكرى السابعة والعشرين لتربع صاحب الجلالة والمهابة الملك محمد السادس أدام الله نصره وعزه على عرش أسلافه المنعمين، من حيث تدفق آلاف الشباب المغاربة دفعة واحدة وبشكل مباغت على مدينتي سبتة ومليلية السليبتين، وما نجم عن هذا النزوح الجماعي وغير الشرعي من أضرار بليغة، تمثلت في مقتل ما لا يقل عن مائة شخص وفقدان عديد القاصرين، ناهيكم عن أعداد المعتقلين والمصابين بجروح متفاوتة الخطورة، وهي الأحداث التي مازالت تداعياتها متواصلة…
وبناء على الحملات الرقمية التي جرى تداولها على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، والداعية إلى اقتحام السياج الحدودي يوم السبت 15 غشت 2026، عملت القوات العمومية بمختلف تشكيلاتها ومكوناتها في مدينة الفنيدق والمناطق المتاخمة لمدينة سبتة على تعبئة موارد بشرية مهمة ومعدات لوجستية حديثة لمنع أي تسلل جماعي محتمل للمهاجرين غير الشرعيين، بما في ذلك طائرات “درون” للرصد والتشخيص عن بعد، وآليات محمولة للتدخل وشاحنات لضخ المياه، تفاديا لأي احتكاك مباشر مع المرشحين للهجرة السرية، مما ساهم في توقيف حوالي 300 مرشحا للهجرة، أغلبهم ينحدرون من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، دون تسجيل أي مواجهات عنيفة أو خسائر مادية…
فالهجرة غير النظامية ليست وليدة اليوم بل هي قديمة قدم التاريخ وتعتبر من أبرز التحديات الكبرى التي تواجه معظم الدول، حيث ينشد آلاف الشباب المغاربة الانتقال إلى الضفة الأخرى بحثا عن فرص عيش أفضل، بعد أن ضاقت بهم السبل وانسدت في وجوههم الآفاق. إذ أن المغرب مثل الكثير من البلدان يشكو من عدة اختلالات، تدفع بأعداد غفيرة من الشباب إلى “الهروب الجماعي”، كالفقر والبطالة واليأس. حيث أن معضلة البطالة في تفاقم مستمر خلال السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى ارتفاع معدل الفقر وانعدام فرص الشغل التي من شأنها تلبية تطلعاتهم واحتياجاتهم المعيشية الأساسية، غياب فرص التنمية والتوزيع العادل للثورات والفوارق المجالية والاجتماعية…
وهي كذلك من الظواهر التي لم تعد تهدد بلدانا بعينها، بل هي من الآفات التي أصبحت تشغل بال جميع حكومات العالم، مما يستدعي الانكباب بكل جدية وبعيدا عن الحسابات السياسية الضيقة على ابتكار الحلول الملائمة لمواجهتها، عبر إبرام اتفاقيات ومعاهدات دولية لحماية المجتمعات، خاصة بعد وضع نصوص قانونية تجرمها، خاصة عندما تحولت إلى نوع من الجرائم المنظمة والعابرة للحدود الوطنية، وتهريب الأشخاص عن طريق البر والبحر والجو.
بيد أنه لا يمكن لأي كان أن ينكر ما يبذله المغرب من جهود بتوجيهات ملكية سامية قصد مواجهة الهجرة غير النظامية والحد منها، من خلال العمل على تطوير الاقتصاد الوطني وتعزيز البنية التحتية في اتجاه جذب الاستثمارات وتوفير فرص الشغل للعاطلين، حيث أنه من شأن هكذا مبادرات وطنية الإسهام بفعالية في تحسين ظروف عيش الشباب وتحفيزهم على البقاء ببلادهم والانخراط في مسلسل التنمية.
وفضلا عن تلك الجهود المتواصلة، يجمع خبراء ومحللون كثر على أن المملكة المغربية تتبنى مقاربة متميزة لمكافحة الهجرة السرية وشبكات التحريض الرقمي والاتجار بالبشر، لا تقتصر فقط على الجانب الأمني ومراقبة الحدود، وإنما تندرج كذلك ضمن إرادة التعاون والتنسيق مع شركائها الأوروبيين، وهو ما يجعلها تستحق التنويه والتشجيع. كما تجدر الإشارة إلى أن المملكة ما انفكت تعبئ موارد بشرية ولوجستية وعملياتية مهمة في مواجهة شبكات التهريب والتصدي لمحاولات الهجرة غير الشرعية، والمساهمة في حماية الأرواح البشرية…
نعم هناك جهود دائمة لمكافحة هذه الظاهرة المقلقة، لكن نزوح آلاف المهاجرين وخاصة من بلدان إفريقيا، يشكل تحد معقد وعابر للحدود، ولا يمكن للمغرب وحده التصدي اللازم له، باعتباره مسؤولية مشتركة بين بلدان الأصل وبلدان العبور وبلدان الاستقبال، مما يستلزم تعاونا كبيرا بينها، يعتمد على الحوار والتشاور والتضامن واحترام كرامة الإنسان، من خلال تطبيق مقاربة جماعية، إنسانية ومتوازنة، لاسيما أن البرلمان الأوروبي سبق له خلال سنة 2021 أن سلط الضوء على أهمية التعاون الوثيق بين المغرب وإسبانيا في مواجهة تحديات الهجرة….
فتزايد محاولات الهجرة الجماعية غير الشرعية نحو أوروبا، وما يترتب عنها من مآس إنسانية موجعة، يعكس حجم الشعور باليأس والإحباط لدى الشباب المغاربة، بسبب السياسات الحكومية الفاشلة التي أدت إلى تنامي معدلات الفقر والبطالة والهدر المدرسي واتساع الفوارق الاجتماعية، فضلا عن غلاء الأسعار وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين وتفشي مختلف أشكال الفساد والريع، وهي كلها عوامل ساهمت إلى جانب افتقار الواقع لأبسط مقومات الكرامة الإنسانية، في سحب الثقة من المؤسسات المنتخبة وعدم التفاؤل بالمستقبل، لتجعل من الهجرة غير الشرعية الخيار الأنسب رغم مخاطرها المتعددة…
إن مواجهة ظاهرة الهجرة غير النظامية لا تتحقق بالاعتماد فقط على المقاربة الأمنية وتعبئة كل الجهود والوسائل اللوجستية في اتجاه إحباط محاولات التسلل واقتحام السياج الحدودي، وإنما بتضافر جهود جميع فعاليات المجتمع المدني والهيئات السياسية والمنظمات النقابية بتعاون مع الأسرة والمدرسة ومختلف وسائل الإعلام، وأن ينكب مدبرو الشأن العام على مراجعة السياسات العمومية، للرفع من جودة الخدمات في قطاعي التعليم والصحة، توفير فرص الشغل ملائمة للعاطلين الشباب، تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، تقليص الفوارق الطبقية والمجالية بين مختلف مناطق المملكة ومكافحة كافة مظاهر الفساد.
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة






















