شباب اليوم بين المذلة أو الموت.للكاتب الصحفي مصطفى فاكر
بقلم ذ/ مصطفى فاكر الشماعية
في العقود السالفة ،جيل السبعينيات و الثمانينات كنا ندخل و نتهافت على دور السينما،وكانت لنا فيها حكايات وذكريات لا تنسى،ذكريات ستبقى محفورة في ذاكرتنا بحلوها و مرها ونحملها معنا إلى اللقطة الأخيرة…المشهد الأخير في حياتنا ألا وهو الموت،و الموت واحد مهما تعددت الأسباب. كنا نتردد دائما على قاعات السينما نجلس على كراسي خشبية مهترئة، نتزاحم و نتدافع نتعارك ونتصبب عرقا للحصول على تذكرة الدخول و التمتع والإستمتاع وربما تقليد البطل و البكاء في آخر المشهد. صيفا لا نتنفس إلا رائحة إبطي من بجانبك و العملية معكوسة على الجميع،الكل يتصبب عرقا من شدة الزحام،الإكتظاظ ودرجة الحرارة. في الشتاء نتزاحم أكثر حتى نصير كالجسد الواحد لنشعر بالدفء ونقاوم البرودة ولاحديث فالكل منشغل بالنهاية المأساوية للقصة،أو بالحدث المفرح القبض على المجرم و إنتصار البطل. صالات السينما هاته كنا ندفع درهما أو درهمين مقابل التفرج على فيلم ،كل مرة تتقطع الصورة ويذهب الصوت و يتوقف الفيلم ،فتتعالى الأصوات و الصفير و الصراخ والسباب،ويضطر المكلف إلى إرجاع السينتا من البداية،أفلام هندية و صينية و أمريكية نجومها رامبو ،بريس لي و آخرون…كانت المنافسة على الإنتاج السينمائي قوية و متنوعة. كنت أتفرج رفقة البقية و أنا منهمك في متابعة شريط الترجمة،لأنني لم أكن أفهم اللغات الأجنبية حينها،بل وكان من لا يقرأ يعتمد على الحركات أو يترجم له أحد معتكفي السينما.كنت أقرأ في عدد كبير من المشاهد الدرامية المؤثرة عبارة”أطلق علي رصاصة رحمة” ونرى الممثل أو الممثلة في مشهد قسوة يتعرض للتعذيب يطلب رصاصة الرحمة،ما يوحي إليك أنه يهرب للموت ليرتاح من العذاب المتكرر أو الموت المتكرر كل لحظة إن صح التعبير. عادت بي الذاكرة اليوم لأتذكر تلك المشاهد في أحيائنا و أسواقنا الشعبية و أفهم المقصود برصاصة الرحمة،بعدما أصبحت أرى المواطنين يهربون من المذلة إلى الموت بحثا عن رحمة الموت الأبدي. هل تستطيع الدولة المغربية أن تجيبنا عن حالات الفرار الجماعي من المغرب وأسميها فرارا لأنه لو فتحت الحدود و المعابر في وجه المواطنين،ستجد الشيوخ قبل الشباب يغادرون وستجد النساء قبل الرجال يهربون و الأطفال قبل الشباب يسرعون و يهرولون خوفا من إعادة الإغلاق من جديد ليمارس عليهم الظلم و الطغيان والمذلة و الإستعباد بشتى أشكاله. شباب لم يعد بهرب فرادى في الباخرات و مقصورات الشاحنات. اليوم يهرب الشباب جماعات عبر الحدود البحرية معرضين أنفسهم وحياتهم للموت و المهلكة و بنسبة نجاح تقدرب0،001%حيث يمكن في هذه المغامرات وقوع خطر تشنج عضلي في عمق البحر ما يجعل الفارين غير قادرين على الحركة من شدة برودة المياه،الأمواج العاتية التي ترهق الهاربين من بلدهم الأم إلى بلد العجم. شباب يهرب من المذلة إلى الموت لينجو من الموت كل يوم،شباب يرى في البحر أنه الخلاص الوحيد من مذلة البطالة و التهميش و الإقصاء رغم ركوبه الأهوال و المخاطر ولربما مواقع التواصل الإجتماعي:فايسبوك ،أنستغرام ، واتساب،اليوتوب التي وجدت في الفرار الجماعي لشباب المغرب مادة دسمة للترويج و التقاسم وحققت ملايين المشاهدات.هذا دليل على عمق الأزمة و دليل صارخ على الإهانة و المهانة و السخط الذي يحس به شباب المستقبل في بلدهم الأصلي ويتمنون الإرتماء في أفواه القرش و الغرق في البحر على أن يرجعوا إلى المغرب. وهنا وجب طرح السؤال الآتي:هل فعلا شباب المغرب شباب كسول ،يحب البذخ و الترف و الإعتماد على أبويه كما يدعيه البعص؟ الجواب ،لا. لقد شاهدت كما يشاهد ملايين المغاربة في كل يوم وعلى إمتداد مدن وقرى ومناطق المغرب،شباب يتعرض للتنكيل و الضرب من طرف بعض رجال السلطة ،شباب تسلب منهم بضاعتهم وسلعهم وتجارتهم الصغيرة التي يسعون من خلالها تدبير قوت أسرهم و أطفالهم،شاهدنا شبابا و أسرا و عائلات يتعرضون للضرب و السحل بحجة إستغلال الملك العمومي. لماذا لم تكلف الدولة نفسها عناء تقفي أثر من تراموا على أراضي الدولة و الأحباس ومن إستولوا على أراضي الجموع ومن صدرت في حقهم أحكاما قطعية ولم تنفذ.أيهما أكثر وقاحة:من يحوز لنفسه أراض من أملاك الدولة أم من يمشي بعربة في الشارع يسترزق الله ويعيل أسرته؟؟ الحقيقة أننا رأينا الهراوات و العصي تنهال فوق رؤوس هؤلاء الشباب الباكين على أرزاق أطفالهم و أمهاتهم،رأينا صفعات توجه بأكف خالية من الرحمة إلى وجوه هؤلاء الشباب،رأينا الرفس و الركل و التنكيل بهؤلاء الشباب دعامة المستقبل. وفي الأخير يأتي مسؤول يركب سيارة الدولة وتؤدي الدولة له ثمن فواتير الماء و الكهرباء ويتمتع بالسكن وحتى ملبسه و زينة مطبخه على حساب الدولة وخمرته و سيجارته الكوبية على حساب دافعي الضرائب يتهم هؤلاء الشباب بالفشل و التحامل على الوطن،بل تصل الوقاحة أحيانا في توجيه إتهامات مجانية لهم بأن أيادي خارجية هي التي تحركهم ضد الوطن..ياترى من الكسول و من المخادع؟؟ هل الشباب الذي يستيقظ قبل آذان الفجر ويقف في سوق الخضر يبادر ويتوكل على الله أم المسؤول الذي يأتي أو قد لا يأتي إلى مكتبه حتى تطلع الشمس في كبد السماء ليوقع على قرارات ووثائق لم يقرأها بل أنجزها موظفون يتقاضون أجورا زهيدة،أم المسؤول الذي يتحرش بموظفاته و يختار منهن من تؤنس لياليه؟؟أي هؤلاء مخادع وكسول:الشاب الكادح أم المسؤول الفاسد؟؟
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة


















