معاشات ريعية تستنزف ملايير الدراهم! …للكاتب الصحفي اسماعيل الحلوتي
كتب اسماعيل الحلوتي
في الوقت الذي ما انفك فيه منسوب الاستياء يرتفع لدى مئات الآلاف من الأجراء والموظفين والمتقاعدين، بسبب هزالة الأجور والمعاشات في ظل تصاعد موجة غلاء الأسعار وتدهور القدرة الشرائية للطبقات الفقيرة والمتوسطة، وبموازاة مع المشاورات السياسية الجارية بخصوص تشكيل حكومة الجديدة التي تقودها رئيسة الحكومة المعينة من قبل جلالة الملك محمد السادس يوم الثلاثاء 29 شتنبر 2026 فاطمة الزهراء المنصوري منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، عاد النقاش ليتجدد على منصات التواصل الاجتماعي حول استمرار استفادة كبار المسؤولين وخاصة الوزراء السابقون من معاشات سمينة دون موجب حق، مما يساهم كثيرا في استنزاف الخزينة العامة.
ولعل من بين الأشياء التي تفسر التهافت الكبير على تزكيات الترشح للانتخابات، وبين أمناء الأحزاب أثناء المفاوضات حول الحقائب الوزارية قبل الإعلان الرسمي عن التشكيلة النهائية للحكومة أي حكومة جديدة، هي تلك الامتيازات والمعاشات المغرية والمثيرة للعاب عند نهاية مهام الوزراء، إذ طالما يطرح المواطنون عامة والمتابعون للشأن العام خاصة تساؤلات حول مدى أحقية هذه الفئة من المسؤولين الحكوميين بتلك الأموال الهائلة من المال العام، حيث لا يعقل والحالة هذه أن يحصل الوزير بعد ولاية حكومية لا تتجاوز الخمس سنوات ما لم يكن هناك أي تعديل وزاري على معاش يناهز الأربعين ألف درهم شهريا، دون تقديم أي مساهمة أمام توالي الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، في حين أن هناك موظفين وأجراء يقضون أزيد من عشرين سنة في العمل الجاد والمسؤول، ليحصلوا في الأخير وبعد بلوغ 63 عاما من العمر على منحة شهرية هزيلة، لا تكفي لمواجهة ظروف العيش الكريم وقسوة الحياة…
فعلى غرار تلك الحملة الرقمية الواسعة التي سبق أن أطلقها عدد من نشطاء الفضاء الأزرق تحت عنوان “أوقفوا الريع”، وبعد نضالات وتعالي الأصوات المنددة بالريع السياسي دامت حوالي عقد من الزمن ويزيد، تمكنوا في نهاية المطاف من انتزاع قرار إلغاء معاشات البرلمانيين، حيث تقرر في عهد رئيس مجلس النواب الاتحادي حبيب المالكي، التصفية النهائية لصندوق التقاعد الخاص بهم خلال عامي 2020/2021، الذي كان يستفيد حينها من اقتطاع مبلغ 2900 درهم من التعويض الذي يتقاضاه البرلماني البالغ 35000 درهم شهريا، ومن نفس القدر “2900 درهم” من ميزانية الدولة، حيث كان المعاش يتراوح ما بين 5000 و9000 درهم شهريا مدى الحياة مهما كان سن المستفيد، وحتى إن كان الانتداب لم يتجاوز ولاية تشريعية واحدة لمدة خمس سنوات فقط.
يطالب اليوم وبإلحاح شديد مغاربة كثر من حقوقيين وفعاليات المجتمع المدني وخاصة الشباب المعطلين بضرورة التعجيل بإنهاء المعاشات الريعية للوزراء السابقين، إذ ليست المقتضيات القانونية الخاصة ومن بينها الظهير الشريف رقم: 331.74.1 الصادر في 23 أبريل 1975، في شأن أعضاء الحكومة وتأليف دواوينهم، من الآيات القرآنية المنزلة التي لا يجوز تعديلها أو حذفها، بل هي مجرد قرارات إدارية، يمكن إعادة النظر فيها في أي وقت وحين وكلما اقتضت مصلحة البلاد والعباد ذلك، حفاظا على الموارد المالية للدولة، حيث لا يعقل والحالة هذه أن يستمر هذا الاستنزاف المالي والتمييز غير المبررين، وإلا فأين نحن من العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص بين أبناء الشعب الواحد؟
والأسوأ من ذلك، أن الامتيازات المرتبطة بالمنصب الحكومي تشمل إلى جانب تعويضات نهاية المهمة، تعويضات أخرى عن السكن بقيمة 15 ألف درهم شهريا، ومبالغ إضافية مخصصة للأواني والأثاث والأجهزة المنزلية، ثلاث سيارات فارهة، مستخدمين مكلفين بمختلف الخدمات المنزلية من طبخ وبستنة وغيرها، كما تتحمل الدولة مصاريف الماء والكهرباء والتدفئة والإنارة وعدة نفقات أخرى.
فعلاوة على ما سلف، يستفيد أعضاء الحكومة فور نهاية مهامهم من تعويض مالي يعادل أجر عشرة شهور، حيث يحصل رئيس الحكومة على مبلغ 700 ألف درهم، فيما يتسلم الوزير مبلغ 600 ألف درهم، وكاتب الدولة 500 ألف درهم، ثم معاش مدى الحياة قدره 48 ألف درهم شهريا لرئيس الحكومة، و39 ألف درهم للوزراء و30 ألف درهم لكتاب الدولة، هذا دون الحديث عن المعاشات الاستثنائية لبعض رؤساء الحكومات السابقين مثل زعيم “البيجيدي” عبد الإله ابن كيران (70 ألف درهم شهريا). وفي حالة وفاة المستفيد ينتقل المعاش إلى ذوي الحقوق بما قدره نصف المبلغ، وقد كانت الدولة هي من تتحمل صرف هذه المعاشات من الميزانية العامة عبر وزارة المالية، قبل أن يتم تفويض تدبيرها للصندوق المغربي للتقاعد منذ شتنبر 2007، ولنا أن نتخيل كم تكلف امتيازات ومعاشات تلك الأعداد الغفيرة من أعضاء الحكومات المتعاقبة الميزانية العامة من ملايير الدراهم في وقت تحتاج فيه بلادنا إلى عديد المرافق الحيوية، وتزخر بعشرات الآلاف من العاطلين الشباب…
إن القيام بإجراء عملية بسيطة بخصوص معاشات الوزراء السابقين، كفيل بالكشف لنا بكامل الوضوح عن حجم النزيف الذي تتعرض له الخزينة العامة سنويا، في وقت يتم فيه الحديث عن تفعيل مبادئ الحكامة والعدالة الاجتماعية والمساواة، ويتواصل النقاش حول ترشيد النفقات العمومية وإصلاح أنظمة التقاعد ومواجهة كافة الاختلالات المالية التي تعرفها بعض الصناديق الوطنية، مما يستدعي تضافر جهود جميع القوى الحية في البلاد من فعاليات حقوقية وسياسية ومدنية ووسائل الإعلام وغيرها، للعمل على إسقاط معاشات الوزراء وإغلاق صنبور الريع في العاجل من الأيام.
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة























