هل نشهد تغييرا في الانتخابات المقبلة؟ أم تستمر متلازمات الفساد السياسي؟ ¾..للكاتب الصحفي محمد بادرة ( الجزء الثالث)
بقلم ..ذ. محمد بادرة
3- المال السياسي الفاسد يحوّل العملية الانتخابية الى سلعة للبيع
الفساد السياسي له تأثير سلبي واسع على منظومة القيم المجتمعية (الأخلاق العامة) ومن أخطر وظائف هذا الفساد التحكم والهيمنة وتوجيه القرارات السياسية العامة لخدمة مصالح خاصة وفي مناخه وأجوائه تكون المؤسسات السياسية والتنظيمات الحزبية بيئة حاضنة للفساد والإفساد، ويعد الفساد الحزبي جزءا هاما من الفساد العام منه ينشأ التمويل المالي الفاسد والغش الانتخابي، ومع تسرّب المال السياسي الفاسد يتضخم النفوذ السياسي والاقتصادي للقوى المجتمعية المحتكرة للرأسمال، ويزداد نفوذ رجال المال والأعمال وتتصاعد سطوتهم على الأحزاب السياسية مع احتضانها وتمويلها في مقابل استخدام الحزب كخصم أو شريك مع السلطة لتحقيق مصالح خاصة أو فئوية. في ظل هذا الاختراق السياسي والتنظيمي والمالي الفاسد يحدث الانحراف الحزبي والانتخابي ويتلوث المجال السياسي العام بمؤثرات الفساد وغيرها من الانحرافات التي تستوطن بيئة الأحزاب.
المال السياسي الفاسد هو أحد أخطر التحديات التي تواجه الأنظمة الديموقراطية المعاصرة وخاصة في الدول التي تعاني هشاشة في مؤسسات الرقابة وهيئات النزاهة أو تعاني ضعفا في الممارسة الديموقراطية والمشاركة الانتخابية، ونقصد بالمال السياسي الفاسد تلك الموارد المالية التي تستخدم قبل الانتخابات أو أثناءها أو بعدها بهدف التأثير على خيارات الناخبين أو تمويل الحملات بصورة غير مشروعة أو شراء الأصوات أو اختراق أحزاب وكيانات سياسية عبر الدعم المالي.
وفي سياقنا الداخلي يلعب المال السياسي الفاسد دورا حاسما في تغيير نتائج الانتخابات للتحكم في الخريطة الحزبية وتحديد تركيبة البرلمان بأغلبيته ومعارضته وتوجيه القرار السياسي لخدمة التحكم مما ينعكس سلبا على جوهر العملية السياسية الديموقراطية من حيث تكافؤ الفرص ونقاء التنافس وصدق تمثيل الارادة الشعبية. المال السياسي الفاسد هو كل ما يستخدم من أموال وهدايا ووعود بهدف التأثير غير المشروع على العملية الانتخابية أو نتائجها سواء تم عبر شراء أصوات الناخبين أو تمويل الحملات الانتخابية بطرق غير شفافة أو تقديم هبات ووعود مالية للناخبين أو استخدام موارد الدولة (سيارات – تجهيزات – ..)أو استغلال النفوذ الاقتصادي والمالي والإداري لكسب تأييد سياسي.
تتعدد مظاهر المال السياسي الفاسد في الواقع الانتخابي لتتمظهر على شكل شراء الأصوات أو بطاقات التصويت الانتخابية من خلال استغلال الفئة الهشة من المواطنين جراء الفقر والبطالة وشراء أصواتهم الانتخابية مقابل دفع مالي أو تقديم قفف غذائية أو وعود بالعمل أو تسهيل الحصول على خدمات اجتماعية كرخص البناء والماء والكهرباء ويؤدي ذلك كله الى تحويل الصوت الانتخابي من حق ديموقراطي الى سلعة قابلة للبيع.
كما يتجسد المال السياسي الفاسد في استغلال الموارد العمومية لمؤسسات الدولة ويحدث ذلك عندما يستخدم بعض ذوي النفوذ من المنتخبين سيارات الدولة وتجهيزاتها العمومية أو يستعينون بموظفين تابعين لإداراتهم الترابية فيحشدونهم ويجندونهم بغرض الدعاية الانتخابية.. ويعتبر الضغط على الناخبين من أخطر أنواع الضغط بل وأخطر من المال السياسي الفاسد لأنه يحول الدولة ذاتها الى فاعل انتخابي والمال السياسي الفاسد يشوه الارادة الشعبية لأنه يفرغ الانتخابات من مضمونها ويحول العملية الانتخابية الى معادلة مالية لا سياسية.
المال السياسي الفاسد يؤثر سلبا على الأحزاب الديموقراطية وعلى الكفاءات الوطنية فالأحزاب الديموقراطية التي تعتمد على برامج سياسية ومجتمعية وثقافية لن تتمكن من منافسة قوى مالية اوليغارشية كبرى ولذا تضطر الكفاءات الوطنية النزيهة بالخروج من السباق لصالح أصحاب المال والنفوذ مما يؤدي الى هجرة هذه الكفاءات أو اعتزلها للعمل السياسي. كما يسبب المال السياسي الفاسد في ضعف جودة التشريع وتراجع الأداء الرقابي وتعزيز الفساد السياسي لأن المال السياسي يولد شبكة مصالح مالية وتشريعية معقدة فالمرشح الذي أنفق أموالا طائلة للحصول على المقعد البرلماني سيسعى حتما لتعويض خسائره ( الحصول على الامتيازات والصفقات..) أو “حماية” موارده وترواثه.
أما الآثار الاجتماعية والاقتصادية للمال السياسي الفاسد فهو تطبيع الفساد في الوعي الجمعي حين يصبح بيع الصوت الانتخابي أو قبول الرشوة الانتخابية أمرا معتادا ويتحول الفساد الى ثقافة ويصبح الناخب يرى صوته فرصة اقتصادية أو فرصة لتحقيق مآرب خاصة لا حاجة سياسية وممارسة ديموقراطية، كما أنه يعمق الفجوة الطبقية لأن المال السياسي يتيح للأثرياء الوصول للسلطة بسهولة بينما يقصى المواطنين ويسبب في هجرة الكفاءات الوطنية النزيهة للميدان السياسي.
ان المال السياسي يبرز كأخطر سلاح يستخدم للتأثير على خيارات الناخبين وتوجيهها بعيدا عن ارادتها الحرة وقد بدا جليا كيف أن المال السياسي قادر على شراء أصوات التحالفات والولاءات بل وحتى شراء الصمت المطبق ان اقتضى الأمر ذلك وان كان المال على قوته ليس مطلق القدرة على شراء ضمائر الناس النظيفة وقد اتبثت التجارب أن الشعوب مهما تعرضت للضغط والأغراء تبقى محتفظة بمناطق صلبة داخل وعيها لا تباع ولا تشترى.
لكن ليس كل تمويل انتخابي غير قانوني اذ أن التشريعات الوطنية تسمح بتمويل الحملات الانتخابية ضمن سقوف وحدود وضوابط محددة. لقد سمح القانون التنظيمي للأحزاب بالاستفادة من دعم عمومي للمساهمة في تغطية مصاريف تدبير الأحزاب والاستفادة من دعم الحملات الانتخابية ومن دعم سنوي يعتبر فيه عدد الأصوات المحصل عليها، كما يسمح فيه بالدعم حتى للأحزاب التي تحصل على عتبة 3% لكن المال السياسي الفاسد يتجاوز هذه الضوابط ليصبح أداة للهيمنة وليس اداة للتعريف بالبرنامج الانتخابي وهنا يكمن الخطر في عدم تكافؤ الفرص بين المرشحين وغياب المنافسة العادلة.
مواجهة المال السياسي الفاسد ليست مهمة تقنية أو إدارية فحسب بل هي مهمة سياسية واجتماعية تتطلب اصلاحات مؤسسية وثقافية شاملة فدون كبح هذا السرطان المالي ستظل الانتخابات واجهة شكلية وستبقى الديموقراطية هشة وسيظل الواقع الانتخابي أسيرا لأصحاب المال والنفوذ لا لأصحاب البرامج والسياسات الاجتماعية الوطنية.
اصلاح نظام تمويل وتعزيز دور المؤسسات الحزبية لا يقتصر على استلهام النماذج الأجنبية الناجحة بل يتطلب بناء مؤسسات قوية شفافة ومستقلة الى جانب ترسيخ ثقافة سياسية تمكن المواطن من المحاسبة والمتابعة.. فالديموقراطية ليست مجرد قوانين بل شبكة متكاملة من المؤسسات وأحزاب مسؤولة ومواطنين قادرين على ممارسة دورهم في المحاسبة والاختيار.
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة






















