بحث أدبي للطالبة غزلان املية..الخاتمة
لصورة الرمز والتوظيف الاسطوري:
أما بخصوص الصورة الرمز، فإن السياب بنى قصيدته
( أنشودة المطر) على أسطورة الموت والانبعاث من خلال مجموعة من التضادات التي تخدم
هذا المفهوم، الدفء مقابل الارتعاشة، الموت مقابل الميلاد، الظلام مقابل الضياء،
النشوة مقابل الخوف.
( أنشودة المطر) على أسطورة الموت والانبعاث من خلال مجموعة من التضادات التي تخدم
هذا المفهوم، الدفء مقابل الارتعاشة، الموت مقابل الميلاد، الظلام مقابل الضياء،
النشوة مقابل الخوف.
ولعل أهم ما يثير الانتباه في هذه القصيدة هو
تكرار كلمة ( مطر)، التي تخدم المعنى العام للقصيدة، فكما أن المطر مصدره الغيوم
التي تولد بدورها من البحار، فإن الشاعر يجعل من المطر دموعا حزينة تسح، فتخصب
الأرض وتعطي الحياة للنبات وينقلب الحزن الى فرح وبالتالي الموت إلى حياة وانبعاث
من جديد.
تكرار كلمة ( مطر)، التي تخدم المعنى العام للقصيدة، فكما أن المطر مصدره الغيوم
التي تولد بدورها من البحار، فإن الشاعر يجعل من المطر دموعا حزينة تسح، فتخصب
الأرض وتعطي الحياة للنبات وينقلب الحزن الى فرح وبالتالي الموت إلى حياة وانبعاث
من جديد.
تثاءب المساء، والغيوم ما تزال
تسح ما تسح من دموعها الثقال (1)
كما ان الشاعر يجعل في بعض الأحيان المطر عقيما حين ينزل، ولا يخصب ولا
يسبب الا الحزن:
يسبب الا الحزن:
مطر…
مطر…
أتعلمين أي حزن يبعث المطر؟ (2)
لكنه يتخذ منه رموزا كثيرة في القصيدة، فهو رمز
التضحية والفداء، والحب، والبراءة، ورمز الطبقات الفقيرة، ورمز الموتى كذلك،
اللذين ينتظرون الانبعاث ليجعل الماء في نهاية المطاف أصل كل شيء حي حين يقول:
التضحية والفداء، والحب، والبراءة، ورمز الطبقات الفقيرة، ورمز الموتى كذلك،
اللذين ينتظرون الانبعاث ليجعل الماء في نهاية المطاف أصل كل شيء حي حين يقول:
1-بدر شاكر السياب، المرجع السابق، ص 475.
2-نفسه ص 476.
في كل قطرة من المطر
حمراء أو صفراء من أجنة الزهر
وكل دمعة من الجياع والعراة
وكل قطرة تراق من دم العبيد
فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد
أو حلمة توردت على فم الوليد
في عالم الغد الفتي، واهب الحياة
ويهطل المطر (1)
إن الدارس لهذه القصيدة يسترعي انتباهه أخر سطر شعري فيها، فبعدما تكررت
كلمة (مطر) خلال القصيدة كلها منفردة تارة
بمعناها الحقيقي، وتارة بمعنى الفعل، فإن أخر سطر يبعث الحياة في القصيدة من جديد
باستعمال واو العطف والفعل المضارع الدال على الاستقبال، ليرمز بالكل إلى الانبعاث
من جديد، وكأن السطر الأخير بمفرده ( قصيدة برقية) ( ويهطل المطر)، إذ يرسل ومضة
تضيء معنى القصيدة العام.
كلمة (مطر) خلال القصيدة كلها منفردة تارة
بمعناها الحقيقي، وتارة بمعنى الفعل، فإن أخر سطر يبعث الحياة في القصيدة من جديد
باستعمال واو العطف والفعل المضارع الدال على الاستقبال، ليرمز بالكل إلى الانبعاث
من جديد، وكأن السطر الأخير بمفرده ( قصيدة برقية) ( ويهطل المطر)، إذ يرسل ومضة
تضيء معنى القصيدة العام.
وفيما يخص الرموز الدينية، فإن السياب وظف رمزا دينيا واحدا هو قوم (ثمود
)، قوم النبي صالح عليه السلام وما وضع لهم في الوادي من عذاب، نتيجة عقوقهم
لنبيهم وجحودهم برسالته لقوله تعالى: ﴿فأما ثمود فاهلكوا بالطاغية﴾(2)، وقوله جل وعلا:
)، قوم النبي صالح عليه السلام وما وضع لهم في الوادي من عذاب، نتيجة عقوقهم
لنبيهم وجحودهم برسالته لقوله تعالى: ﴿فأما ثمود فاهلكوا بالطاغية﴾(2)، وقوله جل وعلا:
1-بدر شاكر السياب، المرجع السابق، ص 481.
2-القران الكريم،سورة الحاقة، الآية 5، ص 566.
﴿وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي﴾(1)
ليجعل هذه القصة تتناص في معناها العام مع القصيدة، لأنه يؤمن بأن العذاب
نفسه والعقاب فيه سيحل بالفئة الحاكمة في بلده العراق، فهو حين يقول:
نفسه والعقاب فيه سيحل بالفئة الحاكمة في بلده العراق، فهو حين يقول:
لم تترك الرياح من ثمود
في الواد من اثر (2)
فإنه يستطرد قائلا بعد ذلك:
وفي العراق جوع
وينشر الغلال فيه موسم الحصاد
لتشبع الغربان والجراد
وتطحن الشوان والحجر
رحى تدور في الحقول حولها بشر
مطر…
مطر…
مطر…(3)
والى جانب هذه الصورة الرمزية، فقد وظف الشاعر
السياب رمز الأم – رمز العطف
السياب رمز الأم – رمز العطف
1-القران الكريم، سورة الفجر، الآية 9، ص 593.
2-بدر شاكر السياب، المرجع السابق، ص 477.
3-نفسه ص 478.
والحنان – الرمز الضائع بالموت والتي يتخذ جسدها بالأرض الأم الكبرى التي
يعشقها ويود الفناء فيها لينبعث من جديد، يقول:
يعشقها ويود الفناء فيها لينبعث من جديد، يقول:
كأن طفلا بات يهذي قبل ان ينام:
بأن أمه التي أفاق منذ عام
فلم يجدها، حين لج في السؤال
قالوا له: ” بعد غد تعود “
لا بد أن تعود
وأن تهامس الرفاق إنها هناك
في جانب التل تنام نومة اللحود
تسف من ترابها، و تشرب المطر (1)
ومن صورة الأم الرمز، تنبعث صورة الشاعر الطفل البريء النقي، والذي تتجاذب
به النشوة والخوف معا، على الرغم من انه محتضن من طرف الأم الأرض، لكنه يتوق
ليعانق السماء حين يقول:
به النشوة والخوف معا، على الرغم من انه محتضن من طرف الأم الأرض، لكنه يتوق
ليعانق السماء حين يقول:
فتستفيق ملء روحي، رعشة البكاء
ونشوة وحشية تعانق السماء
كنشوة الطفل اذا خاف من القمر(علامة تعجب) (2)
وهذه الصورة تبرهن على أن السياب يعتبر نفسه غير
مقيد بمكان ولا زمان، فهو الثائر
مقيد بمكان ولا زمان، فهو الثائر
1-بدر شاكر السياب، المرجع السابق، ص 476.
2-نفسه ص 475.
دائما، وما يسترعي الانتباه أيضا أثناء دراسة وتحليل هذه القصيدة أن السياب
يبعث الروح حتى في الجمادات، وحين يؤنسنها وينسب إليها أفعال نحو قوله، ( عيناك حين
تبتسمان، وترقص الأضواء، كالبحر سرح اليدين، كان أقواس السحاب تشرب الغيوم، تثاءب
المساء، أكاد اسمع العراق، أكاد اسمع النخيل يشرب المطر، …).
يبعث الروح حتى في الجمادات، وحين يؤنسنها وينسب إليها أفعال نحو قوله، ( عيناك حين
تبتسمان، وترقص الأضواء، كالبحر سرح اليدين، كان أقواس السحاب تشرب الغيوم، تثاءب
المساء، أكاد اسمع العراق، أكاد اسمع النخيل يشرب المطر، …).
ليجعل بذلك من كل كلمة في النص رمزا مستقلا بذاته، لكنه يخدم المعنى العام لل
وظيفة الصورة الشعرية:
تؤدي الصورة الشعرية في قصيدة ” أنشودة
المطر” وظائف متعددة، فهي الى جانب العناصر الأخرى المكونة للقصيدة من إيقاع،
وقافية ورموز وغيرها، تساهم في نسج هيكل القصيدة الكلي، الأمر الذي يفجر إيحاءات
في الذات المتلقية على المستويين الدلالي والنفسي.
المطر” وظائف متعددة، فهي الى جانب العناصر الأخرى المكونة للقصيدة من إيقاع،
وقافية ورموز وغيرها، تساهم في نسج هيكل القصيدة الكلي، الأمر الذي يفجر إيحاءات
في الذات المتلقية على المستويين الدلالي والنفسي.
والسياب لا يهدف من وراء تشكيل صوره إلى نقل خبر عادي إلى الذات المتلقية
في كلام منظوم في قالب شعري، بل إن هدفه الأساسي من هذا التشكيل هو المزج بين نقل
معنى ما في سياق ما نعانيه الذات من معاناة نفسية. يقول:
في كلام منظوم في قالب شعري، بل إن هدفه الأساسي من هذا التشكيل هو المزج بين نقل
معنى ما في سياق ما نعانيه الذات من معاناة نفسية. يقول:
وكم ذرفنا ليلة الرحيل، من دموع
ثم اعتللنا – خوف أن نلام – بالمطر…
مطر…
مطر…
مطر…
ومنذ أن كنا صغارا، كانت السماء
تغيم في الشتاء
ويهطل المطر،
وكل عام حين يعشب الثرى- نجوع
ما مر عام والعراق ليس فيه جوع (1)
وبهذا ينقل السياب للمتلقي معنى متولدا عن
تراكيب اللغة وعن طبيعة مفرداتها باعتبارها
تراكيب اللغة وعن طبيعة مفرداتها باعتبارها
1-بدر شاكر السياب، المرجع السابق، ص 479.
“رموزا اصطلح عليها لتشير في نفس معاني وعواطف” (1).
كما انه ينقل في الوقت نفسه معاناة تصفح عنها اسطر القصيدة، وبعد حصول
المعنى في ذهن المتلقي، تتشكل في نفس صور تثير انفعالات سيكولوجية قد ثماتل
انفعالات الشاعر زمن الكتابة عنذئد، ينقل المتلقي إلى مستوى التأويل قصد إدراك
الأبعاد الدلالية التي تتولد عن الجمل الشعرية.
المعنى في ذهن المتلقي، تتشكل في نفس صور تثير انفعالات سيكولوجية قد ثماتل
انفعالات الشاعر زمن الكتابة عنذئد، ينقل المتلقي إلى مستوى التأويل قصد إدراك
الأبعاد الدلالية التي تتولد عن الجمل الشعرية.
وهو حين يقول مثلا ( ثم اعتللنا )، فهو يلخص حالة الإنسان العراقي خصوصا،
ومن خلال الإنسان العربي عموما، كما تنقل في الوقت نفسه إحساسا بالتفرقة والتشتت
الذي يصيب المجتمع العربي، ومدي انعكاسه نفسيا على الإنسان الفرد.
ومن خلال الإنسان العربي عموما، كما تنقل في الوقت نفسه إحساسا بالتفرقة والتشتت
الذي يصيب المجتمع العربي، ومدي انعكاسه نفسيا على الإنسان الفرد.
إن الصورة الشعرية، مكنت السياب من أن يكون شموليا، ودفعته بان ينقب في
الموروث بشتى أنواعه وتحويله إلى شعر وتقديسه في أجود صوره الممكنة.
الموروث بشتى أنواعه وتحويله إلى شعر وتقديسه في أجود صوره الممكنة.
وقد تؤدي الصورة وظيفة إيقاعية داخل القصيدة، أي أنها تكسب القصيدة موسيقى
حزينة كما في قوله:
حزينة كما في قوله:
أتعلمين أي حزن يبعث المطر؟
وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر؟
وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع؟
بلا انتهاء – كالدم المراق، كالجياع،
كالحب، كالأطفال، كالموتى – هو المطر (2)
1-محمد فتوح احمد،
الرمز والرمزية في الشعر المعاصر،ط 2
،1978، دار المعارف، القاهرة، ص 135.
الرمز والرمزية في الشعر المعاصر،ط 2
،1978، دار المعارف، القاهرة، ص 135.
2-بدر شاكر السياب، المرجع السابق، ص 476.
كما ان الصورة المبنية على الرمز الديني تجعل المتلقي طرفا ساهم في توليد
الدلالة التي توحي بها تلك الصورة.
الدلالة التي توحي بها تلك الصورة.
فهو حين يقول:
لم تترك الرياح من ثمود
في الواد من اثر (1)
فان الصورة لن تؤدي وظيفتها داخل المقطع الشعري إلا بعد أن يقوم المتلقي
المتخصص بالرجوع إلي القران الكريم، وخاصة
شق القصص القرآني التي تتحدث عن ثمود قوم صالح حتى يتسنى له إدراك ما توحي
به في هذا السياق الشعري.
المتخصص بالرجوع إلي القران الكريم، وخاصة
شق القصص القرآني التي تتحدث عن ثمود قوم صالح حتى يتسنى له إدراك ما توحي
به في هذا السياق الشعري.
1-بدر شاكر السياب،
المرجع السابق، ص 477.
المرجع السابق، ص 477.
الصورة الشعرية وبناء القصيدة:
إن قصيدة “أنشودة المطر”، تستعمل
أسطورة الموت والانبعاث رمزا وبناءا، فعلى مستوى الرمز لم يذكر السياب شخصيات
أسطورية بعينها بالسم، لكن من حيث البناء، نجد القصيدة كلها صورة لأسطورة الموت
والانبعاث من خلال تمظهرين اثنين في القصيدة:
أسطورة الموت والانبعاث رمزا وبناءا، فعلى مستوى الرمز لم يذكر السياب شخصيات
أسطورية بعينها بالسم، لكن من حيث البناء، نجد القصيدة كلها صورة لأسطورة الموت
والانبعاث من خلال تمظهرين اثنين في القصيدة:
1-التمظهر الأول هو إحكام البناء.
2-التمظهر الثاني أن تفاعل الرموز في القصيدة
يساهم في بنائها بناءا عضويا.
يساهم في بنائها بناءا عضويا.
ولخدمة هذين تمظهرين، نجد أن السياب وظف مجموعة
من الصور الدرامية لعل أبرزها تصويره لنفسه حين يقول:
من الصور الدرامية لعل أبرزها تصويره لنفسه حين يقول:
كان طفلا بات يهذي فبل أن ينام
بان أمه التي أفاقت منذ عام
فلم يجدها، ثم حين لج في السؤال
قالوا له: ” بعد غد تعود”
لابد أن
تعود
تعود
وان تهامس الرفاق أنها هناك
في جانب التل تنام نومة اللحود
تسف من ترابها وتشرب المطر (1)
وتصويره لحالة بلده العراق، الذي كان يعاني ظلم
الحكام وجورهم:
الحكام وجورهم:
وفي العراق جوع
وينثر الغلال فيه موسم الحصاد
لتشبع الغربان والجراد
وتطحن الشوان والحجر
1-بدر شاكر السياب، المرجع السابق، ص 476.
رحى تدور في الحقول…حولها بشر (1)
وتصويره كذلك لحالة بني وطنه ومعاناتهم، يقول:
في كل قطرة من المطر حمراء
حمراء أو صفراء من أجنة الزهر
وكل دمعة من الجياع والعراة
وكل قطرة تراق من دم العبيد
فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد (2)
هذه الصور الدرامية لم تكن لتؤدي وظيفتها داخل
القصيدة لو لم ينوع السياب من الأصوات/الضمائر، فهو تارة يستعمل ضمير المفردة
المخاطبة أنت ( عيناك غابتا نخيل…)، وضمير الغائبة المفردة هي ( وترقص الأضواء)،
وضمير المثنى الغائب هما (وتغرقان في ضباب) وضمير الغائب المفرد هو ( تثاءب
المساء)، وضمير المتكلم أنا ( أصيح بالخليج)، ( أكاد اسمع العراق) وضمير المتكلمين
نحن ( وكم ذرفنا ليلة الرحيل من دموع).
القصيدة لو لم ينوع السياب من الأصوات/الضمائر، فهو تارة يستعمل ضمير المفردة
المخاطبة أنت ( عيناك غابتا نخيل…)، وضمير الغائبة المفردة هي ( وترقص الأضواء)،
وضمير المثنى الغائب هما (وتغرقان في ضباب) وضمير الغائب المفرد هو ( تثاءب
المساء)، وضمير المتكلم أنا ( أصيح بالخليج)، ( أكاد اسمع العراق) وضمير المتكلمين
نحن ( وكم ذرفنا ليلة الرحيل من دموع).
إن هذه الأصوات/الضمائر،تتفاعل داخل القصيدة
بشكل مكثف ليبرز من بينها صوت الشاعر (أنا) وهو يصيح:
بشكل مكثف ليبرز من بينها صوت الشاعر (أنا) وهو يصيح:
أصيح بالخليج: يا خليج
يا واهب اللؤلؤ، والمحار،والردى (3)
1-بدر شاكر السياب، المرجع السابق، ص 478.
2-نفسه ص 479.
3– نفسه ص477
لتبقى صيحته الشعرية مدوية في الخليج كله، معبرة
عن موقفه الرافض للظلم، والداعي إلى التحرر من كل القيود بما في ذلك التحرر من
قيود نظم القصائد الشعرية التقليدية، وقد نجح السياب في هذه القصيدة نجاحا باهرا،
أما ما يخص أزمنة الأفعال المستعملة، فهي تناوب بين زمن الماضي و زمن المضارع
بفنية عالية حين يزاوج بينهما في التعبير:
عن موقفه الرافض للظلم، والداعي إلى التحرر من كل القيود بما في ذلك التحرر من
قيود نظم القصائد الشعرية التقليدية، وقد نجح السياب في هذه القصيدة نجاحا باهرا،
أما ما يخص أزمنة الأفعال المستعملة، فهي تناوب بين زمن الماضي و زمن المضارع
بفنية عالية حين يزاوج بينهما في التعبير:
ذرفنا … اعتللنا… نلام، حين يتعلق الأمر
بمصير جماعي.
بمصير جماعي.
أما فيما يخص نفسية الشاعر فهو يستعمل الزمن
الماضي ليصور حالته النفسية:
الماضي ليصور حالته النفسية:
كنشوة الطفل إذا خاف من القمر (1)
وتارة أخرى يستعمل الزمن المضارع ليعبر به عن
الماضي، حين يقول:
الماضي، حين يقول:
كان طفلا بات يهدي قبل أن ينام (2)
وتارة ثالثة يستعمل الزمن المضارع ليعبر به عن
اللحظة التي يعيشها في حينها:
اللحظة التي يعيشها في حينها:
اكاد اسمع العراق يدخر الرعود
ويخزن البروق في السهول والجبال (3)
هكذا نجد الشاعر السياب ينتقل على مدى القصيدة
كلها عبر الأزمنة وبأصوات مختلفة دون قيود ليبعث دما جديدا في القصيدة العربية،
ويجعل من شكلها هذا منطلقا لرؤياه الكونية و الحضارية والإنسانية، وتعبيرا صادقا
عن إيمانه بالانبعاث من جديد، يقول:
كلها عبر الأزمنة وبأصوات مختلفة دون قيود ليبعث دما جديدا في القصيدة العربية،
ويجعل من شكلها هذا منطلقا لرؤياه الكونية و الحضارية والإنسانية، وتعبيرا صادقا
عن إيمانه بالانبعاث من جديد، يقول:
1-
بدر شاكر السياب، المرجع السابق، ص 475.
بدر شاكر السياب، المرجع السابق، ص 475.
2-نفسه، ص 475.
3-نفسه، ص 477.
فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد
أو حلمة توردت على غم الوليد
في عالم الغد الفتي، واهب الحياة
مطر…
مطر…
مطر…سيعشب العراق بالمطر…” (1)
ولعل هذا ما دفع بالسياب إلى تكرار سطر شعري
واحد، مرة وسط القصيدة، ووسط
واحد، مرة وسط القصيدة، ووسط
المقطع الشعري، يقول:
ومنذ أن كنا صغارا، كانت السماء
تغيم في الشتاء
ويهطل المطر
وكل عام حين يعشب الثرى نجوع
ما مر عام والعراق ليس فيه جوع (2)
ومرة آخر القصيدة استقل عن المقطع الشعري:
ويهطل المطر (3)
ليحوله إلى نتيجة وخلاصة لتجربته الشعرية التي
عبر عنها بهده القصيدة. لقد استخدم السياب في هذه القصيدة لغة سهلة سلسة، حملت في
تراكيبيها المتنوعة صورا دالة، فهو في الغالب، حافظ على الترتيب الصوري المفترض في
الجملتين الاسمية والفعلية، إلا انه أحيانا ” يثور” على هذا التقليد
كعادته دائما، كما في قوله:
عبر عنها بهده القصيدة. لقد استخدم السياب في هذه القصيدة لغة سهلة سلسة، حملت في
تراكيبيها المتنوعة صورا دالة، فهو في الغالب، حافظ على الترتيب الصوري المفترض في
الجملتين الاسمية والفعلية، إلا انه أحيانا ” يثور” على هذا التقليد
كعادته دائما، كما في قوله:
1- بدر شاكر السياب، المرجع السابق ، ص 479.
2-نفسه،.
ص 480
ص 480
3-نفسه،
ص 481.
ص 481.
كأنما تنبض في غوريهما النجوم
كالبحر سرح اليدين فوقه المساء
فلتستفق ملء روحي، رعشة البكاء (1)
وعلى مستوى التوزيع العروضي، فهو لا يلتزم بصفة
موحدة من القصيدة، إذ يعمد دائما إلى التحرر كعادته، فهو تارة يجعل كل سطر يستقل
بقافية و روي، وتارة يشكل سطر مع سطر أخر وحدة في القافية والروي.
موحدة من القصيدة، إذ يعمد دائما إلى التحرر كعادته، فهو تارة يجعل كل سطر يستقل
بقافية و روي، وتارة يشكل سطر مع سطر أخر وحدة في القافية والروي.
إن السياب يراوح بين مجموعة من القوافي في
القصيدة، ولعل كلمة (مطر)
القصيدة، ولعل كلمة (مطر)
هي التي نالت الحظ الأوفر داخل القصيدة، نكرة
حينا ومعرفة حينا أخر، وبهذا يكون السياب قد خلق صورا صوتية إلى جانب الصور التي
تثيرها التراكيب اللغوية في ذهن القارئ، فتصبح الصورة الصوتية الناتجة عن الزحافات
والعلل، التي تلحق تفعيلاته بحر الرجز، الذي نظمت
على وزنه القصيدة إلى جانب تنوع القوافي بديلا يخفف من وقع القافية الواحدة
حينا ومعرفة حينا أخر، وبهذا يكون السياب قد خلق صورا صوتية إلى جانب الصور التي
تثيرها التراكيب اللغوية في ذهن القارئ، فتصبح الصورة الصوتية الناتجة عن الزحافات
والعلل، التي تلحق تفعيلاته بحر الرجز، الذي نظمت
على وزنه القصيدة إلى جانب تنوع القوافي بديلا يخفف من وقع القافية الواحدة
1–
بدر شاكر السياب، المرجع السابق ، ص 474.
بدر شاكر السياب، المرجع السابق ، ص 474.

ما هي أهم الاستنتاجات التي نخرج بها من خلال
البحث في الصورة الشعرية عموما وعند بدر شاكر السياب بصفة خاصة؟ وما الجديد في صور
السياب الشعرية؟ وهل ساهم فعلا في إعطاء نفس جديد لحركة التحديث أولا؟ ولتجربته
الشعرية ثانيا بتوظيف الصورة الشعرية في قصيدة ( أنشودة المطر)؟
البحث في الصورة الشعرية عموما وعند بدر شاكر السياب بصفة خاصة؟ وما الجديد في صور
السياب الشعرية؟ وهل ساهم فعلا في إعطاء نفس جديد لحركة التحديث أولا؟ ولتجربته
الشعرية ثانيا بتوظيف الصورة الشعرية في قصيدة ( أنشودة المطر)؟
من خلال البحث في الصورة
الشعرية، تبين أن النقاد والبلاغيين العرب القدماء ركزوا على التشبيه والاستعارة
باعتبارهما أعلى درجات التصوير، لكنهم اختلفوا في عنصر المقاربة بين طرفيهما،
فمنهم من قال بضرورة تقارب الطرفين كالامدي والعسكري، ومنهم من اثر التباعد
كالرماني وعبد القاهر الجرجاني.
الشعرية، تبين أن النقاد والبلاغيين العرب القدماء ركزوا على التشبيه والاستعارة
باعتبارهما أعلى درجات التصوير، لكنهم اختلفوا في عنصر المقاربة بين طرفيهما،
فمنهم من قال بضرورة تقارب الطرفين كالامدي والعسكري، ومنهم من اثر التباعد
كالرماني وعبد القاهر الجرجاني.
وبخصوص الصورة الشعرية عند
المحدثين، اتضح أن تحديدها صعب جدا، وذلك لسببين:
المحدثين، اتضح أن تحديدها صعب جدا، وذلك لسببين:
أولهما: أن بعضا من نقادنا
المحدثين، تعاملوا مع الصورة الشعرية في الشعر الحديث اعتمادا على مقاييس ومفاهيم
وضعها النقاد والبلاغيون العرب القدماء. من هؤلاء الدكتور صالح أبو اصيغ.
المحدثين، تعاملوا مع الصورة الشعرية في الشعر الحديث اعتمادا على مقاييس ومفاهيم
وضعها النقاد والبلاغيون العرب القدماء. من هؤلاء الدكتور صالح أبو اصيغ.
وثانيهما: إن بعضهم الأخر، حاول
تطبيق بعض المناهج الغربية على الشعر العربي الحديث مما كان له انعكاس على تعريفهم
للصورة الشعرية، ومن هؤلاء عزالدين إسماعيل، واحسان عباس. هذا الاختلاف في
المقاييس المعتمدة كان له أثره في اختلاف التعريفات المقدمة للصورة الشعرية، وفي
تقسيماتها ووظائفها.
تطبيق بعض المناهج الغربية على الشعر العربي الحديث مما كان له انعكاس على تعريفهم
للصورة الشعرية، ومن هؤلاء عزالدين إسماعيل، واحسان عباس. هذا الاختلاف في
المقاييس المعتمدة كان له أثره في اختلاف التعريفات المقدمة للصورة الشعرية، وفي
تقسيماتها ووظائفها.
أما السياب فقد شكل صوره على
أساس الإبداع الشعري، فهو وان حافظ على القاعدة الصورية للتشبيه لكنه احدث بعض
التغيرات والتجديدات وذلك بجعل المشبه به أعلى درجة ومنزلة من المشبه به.
أساس الإبداع الشعري، فهو وان حافظ على القاعدة الصورية للتشبيه لكنه احدث بعض
التغيرات والتجديدات وذلك بجعل المشبه به أعلى درجة ومنزلة من المشبه به.
لقد كان على السياب لجعل صوره
” مفاجأة ودهشا” (1)، أن يجمع بين النقيضين داخل
الصورة الشعرية الواحدة كالجمع بين الصياح، ورجوع الصدى حين يقول:
” مفاجأة ودهشا” (1)، أن يجمع بين النقيضين داخل
الصورة الشعرية الواحدة كالجمع بين الصياح، ورجوع الصدى حين يقول:
أصيح بالخليج: “يا خليج
ياواهب اللؤلؤ، والمحار، والردى
فيرجع الصدى
كأنه النشيج
يا خليج
يا واهب المحار والردى…؟ (2)
هذه إذن ابرز الوظائف التي تؤديها الصورة الشعرية في قصيدة (أنشودة المطر).
منها ما يهم الجانب الفني في القصيدة، ويخدمه شكلا ومضمونا، ومنها ما يخدم الموقف
الشعري السيابي الذي حاول أن يعبر عنه الشاعر في كل صورة من الصور الشعرية للقصيدة
كله
منها ما يهم الجانب الفني في القصيدة، ويخدمه شكلا ومضمونا، ومنها ما يخدم الموقف
الشعري السيابي الذي حاول أن يعبر عنه الشاعر في كل صورة من الصور الشعرية للقصيدة
كله
1-ادونيس علي احمد سعيد، زمن الشعر، ط 2، 1978،
دار العودة- بيروث، ص 154.
دار العودة- بيروث، ص 154.
2 -بدر شاكر السياب، المرجع السابق، ص 477.
أما صوره القائمة على الرمز، فنجد
انه يخضعها لثنائية الموت والانبعاث.
انه يخضعها لثنائية الموت والانبعاث.
وفي كل أنواع الصور هذه، تبين
أن الشاعر أوردها داخل تراكيب لغوية احدث فيها انزياحات على المستوى النحوي، أما
عن طريق التقديم والتأخير، أو عن طريق إحلال شبه الجملة محل الفعل آو الجملة
الاسمية.
أن الشاعر أوردها داخل تراكيب لغوية احدث فيها انزياحات على المستوى النحوي، أما
عن طريق التقديم والتأخير، أو عن طريق إحلال شبه الجملة محل الفعل آو الجملة
الاسمية.
بهذا تكون الصورة الشعرية، قد سخرت
لخدمة الموقف الشعري السيابي الذي عبرت عنه قصيدة ( أنشودة المطر) وما تمتله من
حداثة في الشعر العربي عموما.
لخدمة الموقف الشعري السيابي الذي عبرت عنه قصيدة ( أنشودة المطر) وما تمتله من
حداثة في الشعر العربي عموما.
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة
























