أخر الأخبار
الرئيسية » الارشيف » يوميات أستاذ من درجة ضابط ..آهــات التعــيــيـــــن .. من المحمدية إلى الشماعيــة ..

يوميات أستاذ من درجة ضابط ..آهــات التعــيــيـــــن .. من المحمدية إلى الشماعيــة ..

موقع المنارتوداي…بقلم : ذ. عزيز لعـويـســي..26/11/2017/
      هاجس التعيين، أرغم
الأستاذ “سليم” أن يؤجل كل شئ .. أن يترك أمر العطلة             الصيفية والإستجمام
إلى أجل غير مسمى ، وكأنه عريس يترقب ليلة العمر بفارغ من الشوق والإنتظار .. كان
لا يبارح البيت وكأنه شاعر متيم يعيش مخاض الكلمات بكل ما تحمله من طقوس وترانيم
.. كان بين الفينة والأخرى يجنح إلى حاسوبه الصغير كما يجنح العاشق الولهان إلى
حضن فارسته بعد طول غياب .. يتنقل بأريحية وسلاسة بين الصفحات كما يتنقل النحل بين
حقول المسك والأقحوان بحثا عن رحيــق متناثر .. كان يترقب  أي خبر أو معلومة تشير إلى نشر لوائح التعييـن
.. وكأنه تلميذ نجيب يترقب الإعلان عن نتائج الباكلوريا بعد موسم جاد .. كانت
المعلومة تبدو كالحب السراب ، كلما إقتربت إليه إلا وبدا بعيـدا .. كان الترقب سيد
الموقــف في ظل غياب مطلق لأي إعلان أو بيان من الوزارة  يؤكد سبب أو أسباب التأخر في إعلان النتائـج
…ظل الأمر على ما هو عليه  إلى غاية ليلة
يــوم الرابع من شهر غشت ، حيث وبينما كان “سليم”  ينقب في صفحة الفيسبوك الخاصة بالمجموعة تبين
له بدايــة نشر لوائح التعيين الخاصة بالإبتدائي وعقبها تم نشر لوائح الثانوي
الإعـــدادي ، أدرك حينها أن لوائح الثانوي التأهيلي سيتم نشرها هي الأخــرى ، كان
سليم – وقتها – منزويا بمفرده في غرفة نومـه 
وكأنه شيــخ هائم يحضر صكوك العشق …في تلك الأثنـــاء  كانت الغرفة الصغيرة غارقة في سكون قاتل كما لو
كان سكون ما قبل العاصفة …سكون كاسح لم تكن تخترقه سوى خفقات قلب ”
سليم” الذي كان لا يزال وقتها يحتفظ بآخر آماله في أن يكون ” المقلاع
” رحيما به ، وأن يعين في محيط الدارالبيضاء حتى يكون أقرب إلى البيت
والأبناء والجامعة … حتى يمر بسلاسة  بين
الوظيفة القديمة والوظيفة الجديـدة …، وبينمـا هو ينتظر ويترقـب ،توصل برسالة
قصيرة عبر هاتفـه الخلوي في حدود منتصف الليـل .. ظن أول الأمر أن الرسالة ربما
تكون صادرة عن شركة الإتصالات أو تحية معتادة من صديق ، مـرر يده اليسرى إلى
الهاتف ويده اليمنى مركزة على شاشة الحاسوب ، ولج إلى علبة الرسائل في لمحة بصر ،
كانت الرسالة صادرة عن الأستاذ “سليمان” .. حملق بعينيـه في نص الرسالة
الذي ورد على النحو التالي : ” لقد عينت بنيابة اليوسفية ، فيما عينت أنا
بنيابة سيدي بنور ” …الخبر نزل على “سليم ” كالصاعقــة .. كقطعـة
ثلـج بــاردة وقعت فجـأة في رحاب أرض عطشـى ، غير الوجهة بسرعة فائقة من صفحة المجموعة
على الفيسبوك وإتجه إلى موقع الوزارة من أجل التأكد من صحة الخبر ، لكن تعذر عليه
الولوج بسبب الضغط الكبير على الموقــــــع من قبل آلاف المستعملين من الأساتذة
المتدربيــن ، ترك الموقع مؤقتا ريتما يخف الضغط ، وولج إلى صفحة المجموعـة ،
وتبين لــه نشر اللوائح الخاصة بالثانوي التأهيلي من قبل أحد الزملاء .. فبادر إلى
فتح اللوائح وعلامات الحسرة والتذمر بادية على محيـــاه … وأخذ ينقــب بدقة
وثبــات إلى أن توقــف عند إسمه الكامــل .. تأكد وقتها بما لا يدع مجـــالا للشك
أنه عين بنيابــة اليوسفيــة ..تم القذف به بشكل غير مفهوم  وغير متوقــــع من “المحمدية” إلى
“اليوسفية” .. أصيب حينها بخيبة أمل كبرى تقاطـــع فيها القلق
والتوتـــر والحســــرة .. كان في أقل الأمنيــات يأمل أن يعيـــن في إحدى
مقاطعـــات الدارالبيضاء الكبــرى أو نيابة بنسليمان أو حتى نيابة الصخيرات تمارة
أو نيابة الربـاط .. ولم يكــن يتوقع أبــــــــدا أن يعيــن في مدينة إسمها
“اليوسفيــة ”  .. مدينة لم
تطأها قدماه قــط .. لا يعرف عنها سوى أنهــا مدينة فوسفاطيــة تنتمي إلى جهة
دكالة عبــــدة وتحديدا إلى منطقــة أولاد حمــر على مقربة من مدينــة آسفــي
…تراكمت عليه التساؤلات كما تتراكم اللحظات العابــرة في مطارح الذكــرى ، إلى
حد أن كل سؤال كان يقوده إلى سـؤال ومع كل سؤال يصطــدم بصخــرة الحقيقـــة
المــرة ،وبقــدر ما كان ينصاع لواقع أمــره ، بقــدر ما كانت تتساقط على رحــاب
نفسه زخــات الحيرة والأســف والذهــول كما تتساقط زخـــات المطـر في عـز الشتــاء
الكاسـح … رجـــع مجددا إلى لوائــح التعيين ، وأخـد يدقق قي كل حالــة حالــة ،
فانتابتــه مجــددا سحابــة من الحسرة المشوبـــة بتيارات التمــرد والقلق ..
وتبيــن له أن التعييــن لم يكــن رحيمــا بــه بعدما توقــف عند حـــالات تمت
الإستجابــة إلى رغباتهــا بنــسب مائويـة كبيــــرة بشكل غير واضــح وغير
مفهــوم  دون أن يتوفر فيها شرط
“الزواج” ولا “الأبناء” ولا صفة “الموظف السابق”
ولا حتى معيار “النقطة ” .. تسـاءل بمرارة عن الطرق والمعايير التي
أعتمـدت في إخراج مسرحية التعييـــن .. كان يعقد الآمال العريضة على الوثائق التي
أرفقها بطلب التعيين من قبيل عقد الزواج ، وعقود إزدياد والشهادات المدرسية الخاصة
بالأبنــاء ، وكذا كل الوثائــق التي تثبت أنه موظف سابــق ، ظانا منه أن الوثائق
المقدمة ستؤخد بعين الإعتبـار وستشفع له في أن يعيـن في نيابة المحمدية أو على
الأقل في أقرب النيابات .. لكن تبين له بالملموس أن الملف لم يبارح المركز وأن
تسليم طلبات التعيين كان إجراء  شكليــا
بدليل عدم مراعاة الوثائق المقدمـة ، بعدما تمت المصادقة على الطلبات على مستوى البوابة
الرسمية المعدة للحركة الانتقالية ، مهما كانت الاجراءات والمعايير المعتمدة في
التعييــن والتي تبقى في عمومياتها موضوع نقاش ، فقــد كان “سليم” يــرى
أن مهندسي التعيينات الذين يرابطون في المكاتب بعيدا عن الواقع ، لابد لهم أن
يراعــوا بعض الملفات ذات الطابع الانساني من قبيل حالات الزواج” و”الأبناء
المتمدرسين” وحالات “التجمع العائلي” و”الإلتحاق بالزوج أو
الزوجة ” وغير ذلك من الملفات … لأن الأستاذ المتزوج أو الأستاذة المتزوجة
عموما ليس هو الأستاذ العازب ، والأستاذ المتزوج الذي يتوفر على أطفال ليس هو
الأستاذ المتزوج بدون أطفال ، والموظف السابق ليس هو الأستاذ المتخرج الذي يلج
لأول مرة إلى سلك الوظيفة العموميـة ، وغير ذلك من الحالات ذات الطابع الإنساني ..
لم يكن للأستاذ “سليم” أي موقف من الأستاذ العازب أو الأستاذة العازبة ،
لكن كان يؤمن أن الأستاذ المتزوج  أو
الأستاذة المتزوجة ، لابد أن تتم مراعاة إختياراتهما ما أمكــن ..، لقد بدا
واضحــا ما كان عليه الأستاذ “سليم” من حسرة وخيبات أمل ، أرغمته أن
يتوقف في عقبـة الشـــرود، لم يعـرف وقتها ما يقدم وما يؤخــر ولا كيــف سيتعامل
مـع واقع “اليوسفية ” التي لم تكن في البال ولا في الحسبــان … نقل
الخبر المؤسف إلى رفيقة دربه ، فنزل عليها الخبر كقطعة ثلج باردة  لم تقو من خلالها لا على همسة ولا حركة ..
إلتزمت الصمت قليلا وقالت له وعلامات الأسف والقلق بادية على محياها : ” فين
جات هاذ اليوسفيــــــــة ؟ ” ، أجابها بصوت خافت : ” توجد نواحي
آسفي” .. لم يجد بدا من فتح محرك البحث “كوكل” وحصل على معطيات حول
المدينة الفوسفاطية كما حاول أن يضبط مكان تموقعها إستنادا إلى موقع “كوكل
أورث “.. وقد دفعه الفضول إلى البحث في نفس المحرك عن عدد الثانويات
التأهيلية المتواجدة بالإقليــم … كان يداعب الفأرة بمرارة في وقت تشتت فكره بين
البيت والأبنـاء والدراسة والأصدقاء .. في أجواء تقاطعت فيها كل سبل الحسرة
والذهول وخيبات الأمل .. قضى “سليم” ليلة بيضــاء لم تغمض له فيها جفون
..تتقاذفه ريــاح  عاتية من الأفكار
الكاسحة …ولم يكد يستيقظ من هول الصدمة ، حتى أصيب بصدمة ثانية بعدما أعلن عن
مرحلة التعييـــن الثانية على مستوى النيابة ، تم تضييــق هامش الإختيــار أمامه ،
حيث كان عليه الإختيــار بين “ثانويتين”أحلاهما مـر، واحدة تتواجـد
بمدينة” الشماعية” على بعد حوالي “20” كلم من اليوسفية
(ثانوية القدس التأهيلية) والثانية تتواجد بمنطقــة “إيغــــود” التي
تبعد عن “الشماعية” بحوالي “45”كلم (ثانوية المعرفة
التأهيلية) ، لم يهدأ لسليم بال منذ الإعــــــلان عن نتائج التعييــن ، أجل كل
الأحلام والأمنيات ولو إلى حيــــــن ، وظل شغله الشاغـل هو ما سيترتب عن هذا
التعييــن غير السار من أوضـاع ومطبات مقلقــة ، حتــى أنه لم يكتــف بالمعلومات
والمعطيات التي حصل عليها من موقع “كوكل” ، بل شــد الرحال ذات صبيحة
رفقة الأسرة إلى مدينة اليوسفية إنطلاقامن محطة المحمدية ، دامت الرحلة من الساعة
السادسة صباحا حتى الساعة العاشرة صباحا ، كانت أول مرة تطأ قدمــاه تلك الحاضرة
الفوسفاطيـة ، كانت الأجــواء ساخنة سخونة يوميات أغسطس زادتها أتربة الفوسفاط
المتناثـــــــرة في الأجواء سخونة وإختناقـــا ، 
كانت المدينة تعيش على وقــــع الإهمال والرتابة ماعدا حي إداري يعـــود
إلى سنوات الإستعمار ، ولولا بعض هضاب الفوسفاط ، لما تبيـــن للزائر أن المدينــة
هي مدينة فوسفاطيـة ، بــعد جولات راجلة تم أخد حافلة للمسافرين في إتجـــاه
“الشماعيـة ” التي تم الوصول إليها بعد مضي حوالي عشرين دقيقة من الزمـن
، كانت عبــارة عن قريــة كبيـــرة بكل المقاييس ، لا صوت يعلو فيها على صوت الحرارة
المفرطــة والأتربة المتناثرة في الأعالي .. كانت وقتها الحسرة تصول وتجــول في
نفسية الأستاذ “سليم” وهو الذي قضــى جزءا كبيرا من حياته في محيط
الرباط والدارالبيضاء .. أكمل الرحلة وأسرته الصغيرة في إتجاه مراكش الحمراء التي
تبعد بحوالي “85” كلم ،حيث تم قضاء الليلة لـــدى شقيقتــه “خديجة
” حتى الصبـــاح ، حيث تم الرجـوع إلى اليوسفية متن السيـارة بحضور زوج
شقيقته وإبنهــا “مراد”، بهـدف البحــث عن موقع “ثانوية
المعرفة”، رحلة البحث إتجهت أول الأمر إلى منطقة “سيدي أحمد” التي
تبعد عن اليوسفية بحوالي “15” كلم أو أقل ،لكن تبين أن المنطقة تتوفر
على ثانوية وحيدة تحمل إسم “ثانوية الأندلس التأهيلية” ، عقب ذلك وبناء
على بعـــض المعلومات التي تم التوصل بهـا من صاحب مكتبة ، فقد تمت المغادرة
إلى  “الشماعية ” ومنها تم شد
الرحال إلى منطقة “إيغـــود” وهناك تم التعرف على “ثانوية
المعرفة” التي تبين أنها لا زالت في طــور البناء ، بناء على ما رأى
“سليم” أصبحــت “الشماعية” تبــدو له “رحمـة”
مقارنة مع هول ما شاهدت عينــاه في “إيغود” التي تبــدو كالأدغــال ،
وهكذا وبعــد التوقف لحظات بعين المكان ، تمت المغادرة في إتجاه مدينــة ”
أسفــي”، وهناك وفي لحظة استراحة أمام سوق مرجان ، لم يــتـردد
“سليم” ولو لحظة في التعبيـر عن إختياره في الموقع المخصص للتعيين ، حيث
إختار “ثانوية القدرس” كاختيار أول ، و”ثانوية المعرفة”
كاختيار ثاني ، بعــد كل هذه النكســات ، كان يحدوه أمل وحيــد ، أن يعين
بالشماعية ، وقد كان يــدرك أن التعييــن بمنطقة “ايغــــــــود”
معنــاه التعييــــن في المجهـــول …، تم إكمال المسير عبر الطريق الساحلية في
اتجاه الوليديـة التي كانت غاصة بالمصطافين ، وهناك تم تناول وجبـة الغداء
بأحد  المطاعم المتواجدة بالشارع الرئيســي
، قبل أن تتم المغادرة إلى الجديدة عبر الجرف الأصفر ومولاي عبدالله وسيدي بوزيد ،
قبل أخد الطريق السيارفي إتجـاه مدينة الزهــور التي تم الوصول إليها  غضون الساعة العاشرة ليــــلا … وعلى طول
الطريــق ، كان مصيــر “سليم” معلقــا بين” الشماعية ” و
“إيغود” ، لكن هذه المرة سيبتسم له الحظ لاحقــا ، نجـا بأعجوبة من
“كابوس” إسمـه “ايغـــــــــود” ، وعين بثانوية القدس
بالشماعية بمعيــــة زميله في المركز الأستاذ “فضل الله ” الذي كــان
ولا شك أكثر حظا ، ليس لأنـه عين بمنطقتــه ، ولكــن لأنه عيــن بالثانوية التي
درس فيهـــا …