أخر الأخبار
الرئيسية » اخبار » ما جدوى ترحيل المهاجرين الأفارقة للمدن؟ للكاتب الصحفي اسماعيل الحلوتي

ما جدوى ترحيل المهاجرين الأفارقة للمدن؟ للكاتب الصحفي اسماعيل الحلوتي

كتب اسماعيل الحلوتي

من بين المواضيع التي ما انفكت تستأثر باهتمام الرأي العام خلال السنوات الأخيرة، تقض مضاجع مدبري الشأن العام ببلادنا وتزعج راحة الساكنة في عديد المدن المغربية، هناك موضوع تفشي ظاهرة المهاجرين الأفارقة غير النظاميين من جنوب غرب الصحراء، خاصة أولئك الذين كانوا يعتبرون المغرب مجرد معبر للوصول إلى بلدان أوروبا، لكنهم اضطروا في الأخير إلى أن يجعلوا منه موطنا للاستقرار الدائم، بعد أن تمكنت السلطات المغربية من تضييق الخناق عليهم والحيلولة دون العبور نحو أوروبا…

فطالما وقف عديد المواطنين المغاربة مندهشين أمام تزايد أعداد المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين الوافدين على مدنهم من دول إفريقيا جنوب الصحراء، وأثار لديهم هذا النزوح قلقا حادا ومخاوف كثيرة، ليس فقط بسبب انتشارهم الواسع واحتلال الكثير من الفضاءات العمومية من حدائق وشوارع ومحطات طرقية وزوايا بعض الشوارع في الأحياء الشعبية وتحويلها إلى أوكار للدعارة أو أسواق للاتجار في الممنوعات بمختلف أشكالها، بل لتورط بعضهم في حوادث عنف واعتداءات على الأشخاص والممتلكات العامة والخاصة، مما بات يشكل تحديا أمنيا واجتماعيا، اضطرت معه السلطات العمومية إلى تشديد الإجراءات القانونية، من أجل ضبط النظام العام. كما ارتفعت بعض الأصوات الحقوقية مطالبة بالتدخل الصارم وحماية أمن السكان وفي ذات الوقت تسريع وتيرة الإدماج، لاسيما بعد أن كادت أعداد هؤلاء المهاجرين الأفارقة أن تتجاوز عتبة 90 ألف شخص…

ذلك أن مدنا مغربية كبرى وصغرى من قبيل الدار البيضاء، الرباط، طنجة، إنزكان وتزنيت وغيرها، ما انفكت تشهد احتكاكات واشتباكات متكررة في شوارعها وحوادث أمنية متفرقة، إثر خروج بعض المهاجرين عن القانون والقيام بأعمال شغب واحتلال بعض الأماكن والفضاءات في واضحة النهار دون حسيب ولا رقيب، وغالبا ما يشعلون فتيل مواجهات نارية عنيفة ليس فقط مع ساكنة المدن بل حتى فيما بينهم ومع القوات الأمنية، ويتسببون في قطع الطرق وإضرام النار وتخريب المؤسسات والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، ناهيكم عما يحدث أحيانا من جرائم قتل، مما جعل السلطات المحلية والعمومية تتدخل بصفة دورية في عدة جهات لاحتواء الأوضاع هناك، إخلاء الشوارع ومحاولة إعادة النظام العام، أو اللجوء إلى ترحيل المخالفين إلى مدن أخرى نائية، رغم ما تلاقي هذه العملية من اعتراض واسع من قبل الهيئات الحقوقية التي تطالب أيضا بالتدخل لإشاعة الأمن والسلام…

وبصرف النظر عن تلك الصور المثيرة للشفقة التي كثيرا ما يتم تداولها من حين لآخر على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حول عمليات شحن المهاجرين الأفارقة داخل حافلات نقل عمومي قصد ترحيلهم خارج تلك المدن نحو أخرى، بدعوى السيطرة على التدفقات البشرية ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر. وهي الإجراءات التي تتعرض لانتقادات حادة من طرف جميع فعاليات المجتمع المدني وغيرها من المنظمات الحقوقية، لعدم مراعاتها الأبعاد الإنسانية، إذ ما جدوى نقل هؤلاء المهاجرين من مدن مغربية إلى أخرى دون أدنى تصور لما قد يخلق ذلك من تحديات اقتصادية واجتماعية أخرى، بدل العمل على اجتراح الحلول الكفيلة بإنهاء المشاكل المطروحة بحدة، من خلال معالجة الجذور الاقتصادية والسياسية والاجتماعية العميقة لظاهرة الهجرة غير الشرعية؟

فإن الرأي العام لم يلبث أن تفاجأ بصرخة فتاة من الجنوب الشرقي بإقليم زاكورة تستنكر بشدة استقدام السلطات العمومية حافلات مليئة بالمهاجرين الأفارقة وتركهم هناك بدوارهم، معلنة عن تخوفها الكبير مما يشكل حضور هؤلاء الغرباء بينهم من تهديد لأمنهم وسلامتهم، وما يمكن أن يترتب عنه من تجاوزات خطيرة في حق أبنائهم وبناتهم ونسائهم وممتلكاتهم، خاصة أن هؤلاء المهاجرين ما إن وضعوا أقدامهم على تراب المنطقة حتى انتشروا كالجراد في الدوار بحثا عما يسدون به رمقهم ويروون به عطشهم، حيث أنهم شرعوا في طرق أبواب البيوت، وهم لا يعلمون أن أصحابها هم أيضا من تلك الفئات المهمشة التي تعاني من الفقر وما انفكت تشكو ضنك العيش وضيق ذات اليد، إذ بالكاد تستطيع هذه الأسر المعزولة كسب قوت يومها وتأمين القليل من الطعام لأفرادها.

وليست وحدها تلك الفتاة الزاكورية التي دقت ناقوس الخطر منبهة إلى ما بات يهدد أمن واستقرار الدواوير المهمشة، فقد دخلت على خط الحدث الكتابة الإقليمية للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان بالإقليم، للتعبير عن انزعاجها وامتعاضها مما وصفته “عمليات ترحيل” عشرات المهاجرين المنحدرين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء نحو الإقليم عبر حافلات قادمة من شتى مدن المملكة، معتبرة أن إقدام السلطات على هكذا إجراء غير محسوب العواقب من شأنه أن يخلف تداعيات اجتماعية وإنسانية إضافية في منطقة تعاني هي أيضا من الهشاشة والتهميش والإقصاء وضعف البنيات التحتية…

إننا نأسف حقا أن يستمر المسؤولون ببلادنا في اعتماد مقاربات هجينة تتمثل في نقل المهاجرين من مدينة إلى أخرى تعاني من تحديات تنموية وتفتقر إلى بنيات صحية واجتماعية لاستقبال مثل هذه الفئات والتكفل بها، علما أن بلادنا قطعت خطوات عملاقة في اتجاه تنزيل سياسة مندمجة في مجال الهجرة واللجوء، بتعليمات القائد الملهم الملك محمد السادس منذ عام 2014، وأن المغرب أصبح نموذجا يحتذى به على المستوى  القاري والجهوي، بفضل تبنيه استراتيجية وطنية للهجرة واللجوء ذات أبعاد إنسانية وتضامنية تحفظ كرامة المهاجرين وتضمن لهم حقوقهم الأساسية.