الرئيسية » اخبار » الكاتب الصحفي اسماعيل الحلوتي يكتب ..متى تنعتق الجزائر من ربقة الكابرانات؟!

الكاتب الصحفي اسماعيل الحلوتي يكتب ..متى تنعتق الجزائر من ربقة الكابرانات؟!

كتب اسماعيل الحلوتي 

يحز في النفس أن تظل الجارة الشرقية الجزائر في قبضة كابرانات العسكر لأزيد من ستة عقود، وهي واحدة من أغنى بلدان القارة السمراء ومنطقة البحر الأبيض المتوسط، لما حباها الله به من ثروات باطنية وموارد طبيعية وبشرية هائلة، إذ أنها تندرج ضمن قائمة كبار مصدري الغاز الطبيعي والنفط في العالم، إلى جانب امتلاكها احتياطات ضخمة، كما يزخر باطن الأرض بثروات معدنية متنوعة، مثل الحديد، الفوسفات، الذهب، الزنك واليورانيوم وغير ذلك من الموارد الأخرى مثل المساحة الشاسعة والطاقات المتجددة كالطاقة الشمسية النظيفة، بالإضافة إلى أنها تتميز كذلك بتركيبة سكانية فتية، تشكل فيها الكفاءات الشابة النسبة الأكبر من الساكنة…

وفي هذا السياق كشف تقرير “الثروة الإفريقية” لسنة 2024 الصادر عن شركة “هينلي آند باركنرز” الرائدة عالميا في مجال التخطيط للإقامة والمواطنة بتعاون مع “نيو وورلد ويلث”، عن كون دولة الجزائر تضم 2800 ميلونيرا جزائريا، يملكون ثروات شخصية ضخمة وقابلة للاستثمار تتجاوز المليون دولار، غير أنه يبقى خلف هذا الرقم تناقض صارخ بين أقلية ثرية وأغلبية ترزح تحت وطأة الفقر المدقع. وهو التقرير الذي أوضح أن الجزائر جاءت في المركز السابع، لكن السؤال المطروح بحدة، هو من يسيطر على ثروات الجزائر؟ وهل جمعها أصحابها بمجهود شخصي اقتصادي وحقيقي أم عبر شبكات الريع والفساد؟

فكيف يعقل والحالة هذه أن تصنف الجزائر ضمن الدول السبع الغنية في إفريقيا بعدد مليونيراتها، دون إغفال حجم ثرواتها الباطنية ومواردها الطبيعية والبشرية التي ما انفكت تسيل لعاب الكابرانات، بينما يعاني غالبية أبنائها من ضعف قلة اليد والعيش في غياهب الحاجة وغياب العدالة الاجتماعية والتنمية البشرية، في الوقت الذي لا يتطلب فيه الأمر إلا قليلا من الجهد في اتجاه العمل على حسن التفكير والتدبير والقيام ببعض الإصلاحات السياسية والاقتصادية العميقة، التي من شأنها الإسهام بفعالية في نقل الثروة من أيدي تلك الأقلية المحظوظة وتسخيرها لخدمة الأغلبية…؟

إذ أن هناك عدة تقارير دولية تحكي عن الواقع المتأزم داخل الجزائر وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، في ظل تواصل مسلسل ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتنامي معدلات الفقر والبطالة ومحدودية الأجور، ومن ضمنها تقرير الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان الصادر في مطلع السنة الماضية 2025، المنشور تحت عنوان بارز “مواطنون جزائريون يقتاتون من الأزبال” والذي وصف بالقاتم والصادم، حيث أنه كشف حينها عن معطيات خطيرة وسلط الضوء على تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، مؤكدا على وجود أكثر من 26 مليون مواطن جزائري يعيشون تحت عتبة الفقر، أي ما يعادل نصف سكان البلاد، التي تعد واحدة من أكبر الدول المنتجة للنفط والغاز الطبيعي، والمتوفرة على عديد المعادن من حديد وفوسفات وزنك ورصاص ونحاس وزئبق وذهب وأورانيوم، بالإضافة إلى الكهرباء والطاقة النووية والشمسية وغيرها…

ترى ما الذي يجعل شعب بلاد بحجم الجزائر في مساحتها الشاسعة وثرواتها الباطنية ومواردها الطبيعية الهائلة، يعيش في ظروف سيئة وأوضاع متدنية؟ إنها بدون أدنى شك تلك السياسات العمومية الفاشلة للنظام الدكتاتوري الغبي والمتغطرس، الذي ما انفك يهرب جزء من عائدات النفط والغاز وغيرهما إلى الخارج ويبدد الجزء الآخر في تمويل الحركات الانفصالية وعلى رأسها “جبهة البوليساريو” ودعم أجندات خارجية، بدل الانكباب على التخطيط الجيد من أجل تحقيق التنمية المستدامة وتحسين ظروف عيش المواطنين.

ففي ظل انشغال الكابرانات الجاثمين على صدور الجزائريين منذ فجر الاستقلال بمعاكسة المغرب في وحدته الترابية من خلال الصراع المفتعل حول الصحراء المغربية، صار من غير الممكن لهم التفكير في مصالح أبناء الشعب الجزائري، ولاسيما بعد أن بددوا ما لا يقل عن 500 مليار دولار في دعم ميليشيات البوليساريو الانفصالية على مدار عقود، وحرصهم الشديد على تسليحها وتمويل تحركاتها الدبلوماسية، فضلا عن شراء الولاءات الدولية، عوض استثمار تلك المبالغ المالية الضخمة في مشاريع تنموية، تنهض بالبلاد وتلبي حاجيات العباد، علما أن المواطنين الجزائريين يعانون من عديد الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والطوابير على بعض المواد الأساسية التي تكاد لا تنتهي. مما جعل بعض المحللين السياسيين والنشطاء الحقوقيين وغيرهم، يصفون حكام قصر المرادية من العسكر الجزائري ب”السراقة”، متهمينهم باستغلال مقدرات البلاد لتكديس ثرواتهم الشخصية في البنوك الأجنبية، واقتناء السيارات الفارهة والإقامات الفاخرة، وتحويل مؤسسات الدولة بما فيها المؤسسة العسكرية إلى ممتلكات عائلية يستفيد منها الأبناء والمقربون منهم فقط…

إننا لا نرى أن هناك من سبيل اليوم أمام الشعب الجزائري الأبي للانعتاق من ربقة الكابرانات والتخلص من قيود الذل والهوان، أفضل من العودة من جديد إلى إشعال نيران ثورة أخرى أشد وأقوى ضد “العصابة الحاكمة” في قصر المرادية، التي جعلت من الحفاظ على السلطة وإدامة النزاعات الإقليمية وإلهاء الشعب الجزائري أهم انشغالاتها وأولى أولوياتها، ولم تعمل منذ استيلائها على الحكم سوى على نهب خيرات الوطن وتجويع أبنائه بغية تحقيق مصالح أعضائها الشخصية ومصالح ذويهم والمقربين منهم، والإسهام بفعالية في تدهور الخدمات الاجتماعية في التعليم والصحة وغيرهما، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة والهجرة السرية وانحراف الشباب وتفشي معضلة الفساد، ناهيكم عن التمادي في هدر ملايير الدولارات من المال العام في التسلح وتمويل الحركات الانفصالية وشراء الولاءات الدولية…