صرخة البروفيسور المهدي الصوفي.. تكوين أطباء الغد: مسؤولية استراتيجية وخط أحمر في معادلة الأمن الصحي الوطني
عبد الله مشنون كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
شكل التصريح الأخير للبروفيسور المهدي الصوفي مدير المستشفى الجامعي بأكادير والذي دعا فيه بعبارة دالة ومؤثرة إلى ترك أطباء المستقبل يتدربون منعطفاً هاماً في النقاش العمومي الدائر حول قطاع الصحة بالمغرب. إن هذا النداء يتجاوز بمسافات حدود الخلافات التدبيرية أو المطلبية الظرفية بين الفاعلين ليطرح سؤالاً مصيرياً حول مستقبل المنظومة الطبية برمتها: هل يمكن للمغرب أن يبني سيادة صحية حقيقية دون تحصين المسار التكويني والميداني لأطباء المستقبل؟ إن هذا التصريح ليس مجرد صرخة مهنية من قلب المستشفى الجامعي بل هو ناقوس خطر يستوجب التفاتة عاجلة من حكومة السيد عزيز أخنوش وبشكل خاص من وزارة الصحة والحماية الاجتماعية لتدارك الموقف وضمان استمرارية المرفق التعليمي الطبي بعيداً عن التجاذبات. أولاً: التدريب السريري.. شريان الحياة الطبي وليس ترفاً أكاديمياً إن دراسة الطب في العرف الأكاديمي والمهني ليست مجرد تحصيل نظري يُكتفى به داخل مدرجات كليات الطب والصيدلة بل هي مسار إكلينيكي وتطبيقي معقد يبنى بالأساس على الاحتكاك اليومي المباشر بالمرضى داخل ردهات المستشفيات الجامعية. في هذه الفضاءات الاستشفائية يكتسب الطالب ملكة التشخيص ويتعلم بروتوكولات اتخاذ القرار الطبي الدقيق في الأوقات الحرجة ويصقل مهارات التواصل الإنساني والمهني تحت الضغط. بناءً على ذلك فإن أي تعطيل أو تعثر في هذا المسار التدريبي لا يمس جودة تحصيل الطالب بمفرده بل يشكل تهديداً مباشراً ومستقبلياً لجودة الخدمات الصحية الوطنية فالطبيب الذي لم ينل كفايته من الممارسة الميدانية والتأطير السريري المستمر سيواجه صعوبات بالغة في مواكبة المتطلبات العلاجية المعقدة للمواطنين فور تخرجه مما يجعل من مسألة التكوين قضية ترتبط مباشرة بسلامة الحق في الحياة. ثانياً: مقاربة دبلوماسية لملف لا يحتمل سياسة الكرسي الفارغ من الطبيعي والمكفول في دولة المؤسسات أن تشهد القطاعات الحيوية تجاذبات نقابية أو خلافات مهنية حول المطالب والحقوق غير أن الحكمة السياسية تقتضي عزل زمن التكوين والتحصيل عن زمن الصراعات الهيكلية. فالطالب ليس طرفاً في النزاعات الإدارية أو التدبيرية ولا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يتحول إلى ضحية لها أو ورقة ضغط في معادلاتها. إن إبعاد طلبة الطب عن فضاءات التدريب يعني إضعافاً ممنهجاً للكفاءات البشرية التي يراهن عليها المغرب حالياً لإنقاذ المنظومة الصحية. والتواجد المستمر للطلبة داخل المستشفيات الجامعية ليس عبئاً تنظيمياً بل هو الشريان الذي يضمن تدفق الحيوية في المنظومة حيث تتكامل فيه ثلاثة أركان أساسية: العلاج التكوين والبحث العلمي. وتعطيل أي ركن من هذه الثلاثية هو هدر لزمن إصلاحي ثمين لا تملك الدولة ترف إضاعته. وبحكم متابعتي المستمرة للشأن العام المغربي كصحفي مقيم في إيطاليا لا يسعني إلا أن أستحضر هنا المقاربة الأوروبية والإيطالية على وجه الخصوص في التعامل مع هذا الملف الاستراتيجي. ففي إيطاليا تضع وزارة الصحة والمنظومة الجامعية كافة الإمكانيات والمستشفيات رهن إشارة الطلبة والأطباء المتخصصين وتفتح الأبواب مشرعة أمامهم لتعزيز الكفاءة والتدريب السريري المستمر باعتبارهم عصب الأمن الصحي القومي. إن الاهتمام البالغ الذي توليه الدول المتقدمة لما أشار إليه البروفيسور الصوفي يعكس وعياً حقيقياً بأن الاستثمار في جودة تدريب طبيب الغد وتوفير بيئة مستقرة له هو الضمانة الوحيدة لعدم انهيار المنظومة العلاجية وهو الدرس الذي يجب أن نستحضره اليوم في المغرب لفتح قنوات التكوين دون قيود أو تعطيل. ثالثاً: التحدي الاستراتيجي.. ملاءمة التكوين مع الورش الملكي للحماية الاجتماعية تمر المملكة المغربية اليوم بمرحلة تاريخية مفصلية تتمثل في تنزيل الورش الملكي الطموح المتعلق بتعميم التغطية الصحية الشاملة وإصلاح المنظومة الصحية الوطنية. هذا المشروع الضخم يستند في نجاحه على ركيزة أساسية وهي المورد البشري الكفء والجاهز. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن المغرب يعاني أصلاً من خصاص عددي وازن في الأطباء والأطر الصحية وبالتالي فإن أي تأخير أو ارتباك في وتيرة وجودة تكوين الفوج الحالي من الأطباء سيعيق مباشرة قدرة الدولة على تلبية الطلب المتزايد على الخدمات العلاجية مما قد يؤثر سلباً على المكتسبات التي يطمح إليها المواطنون من وراء هذا الإصلاح الشامل. إن الاستثمار في البنيات التحتية والمستشفيات الحديثة يظل ناقصاً ما لم يوازه استثمار موازٍ وحاسم في جودة وتأطير الإنسان الذي سيعمل داخل هذه المنشآت. رابعاً: تحصين الكفاءات لمواجهة جاذبية الهجرة الخارجية لا يخفى على متتبعي الشأن الصحي والجامعي أن قطاع الطب يواجه تحدياً بنيوياً يتمثل في نزيف هجرة الأطباء نحو الخارج بحثاً عن بيئات عمل وتكوين أفضل. وأمام هذه الجاذبية الدولية لاستقطاب الكفاءات الطبية المغاربية يصبح من الواجب الوطني على الحكومة توفير بيئة تعليمية وتدريبية داخلية مستقرة محفزة وآمنة. حين يشعر طبيب الغد بأن مساره التكويني محاط بالرعاية والاستقرار تزداد قابليته للاستقرار والعطاء داخل وطنه. أما ترك المسار التدريبي عرضة للاهتزازات فإنه يرسخ إحباطاً مبكراً قد يدفع بالكثير من الطاقات الواعدة إلى التفكير في الهجرة فور التخرج وهو ما يمثل خسارة كبرى للاستثمار العمومي في قطاع التعليم الطبي. إن صرخة البروفيسور المهدي الصوفي الصادرة من أكادير لا يجب أن تمر كحدث عابر بل يجب أن تجد آذاناً صاغية في العاصمة الرباط لدى صناع القرار. إنها دعوة للتعالي على الحسابات الظرفية والنظر بعين الاستراتيجية والاستشراف لمستقبل الممارسة الطبية بالمغرب. لا يمكن للمجتمع أن يطمئن على أمنه الصحي إذا اهتزت الثقة في مسار من سيحملون غداً أمانة إنقاذ الأرواح ورعاية المرضى. لقد حان الوقت لفتح قنوات حوار بناءة ودبلوماسية تفضي إلى حلول عملية تحمي حق التدريب وتجعله فوق كل اعتبار لأن استقرار تكوين أطباء اليوم هو الصمام الأوحد لضمان صحة مغرب الغد.
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة





















