خرجة أخنوش المتأخرة والمريبة! للكاتب الصحفي اسماعيل الحلوتي
كتب اسماعيل الحلوتي
ليس سهلا على أي كان الانخراط في عالم السياسة ما لم تكن تتوفر فيه مجموعة من الشروط، حيث أن السياسة تشبه إلى حد ما حقلا ملغوما، لما يمتلئ به من تعقيدات يصعب التغلب عليها، لاسيما إذا كان الشخص قادما من عالم المال والأعمال، كما هو الحال بالنسبة لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، الذي لسبب ما قرر فجأة الإعلان عن عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس حزب “التجمع الوطني للأحرار”، رغم استمراره في قيادة التحالف الحكومي الثلاثي. وهي الخطوة التي توجت بعقد مؤتمر استثنائي في 7 فبراير 2026 بمدينة الجديدة، سلم خلاله المشعل للقيادي محمد شوكي، الذي انتخب رئيسا جديدا للحزب خلفا له.
ففي خضم الجدل السياسي المتصاعد منذ أواخر سنة 2022 بخصوص مطالبة فرق المعارضة بتشكيل لجنة برلمانية لتقصي الحقائق، حول ما بات يعرف إعلاميا بملف “الفراقشية” المتعلق بالدعم العمومي الموجه لاستيراد المواشي وقطاع تربية الماشية بصفة عامة، الذي تم بناء على مقتضيات الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب، بالإضافة إلى الرغبة في ضمان الشفافية وتكافؤ الفرص. وهي مبادرة رقابية تدخل ضمن اختصاصات البرلمان، وتهدف إلى محاولة الكشف عن مدى احترام المعايير والشروط المرتبطة بالدعم من طرف الأشخاص المستفيدين، ومعرفة إلى أي حد اتسمت العملية برمتها بالشفافية الواجبة، ومستوى انعكاسها على أسعار السوق الوطني وأوضاع الفلاحين والمواطنين كذلك، فضلا عن تمكين المؤسسة التشريعية من ممارسة أدوارها الدستورية في المراقبة والتقييم وتعزيز النجاعة في تدبير السياسات العمومية، وربط المسؤولية بالمحاسبة فيما يتعلق بتدبير المال العام…
وبعد أن قوبل طلب فرق ومجموعات المعارضة بالرفض في بداية الأمر من قبل فرق الأغلبية التي اقترحت بدل ذلك تشكيل “لجنة مهمة استطلاعية” وإن كانت لا ترقى إلى مستوى “لجنة تقصي الحقائق” المنصوص عليها دستوريا، متذرعة بعدم استيفاء طلب المعارضة للشروط والمعايير الدستورية اللازمة، وفي مقدمتها توقيع ثلث أعضاء مجلس النواب، وفق المنصوص عليه في الفصل 67 من الدستور الذي يشترط توقيع ما لا يقل عن 132 عضوا من مجلس النواب.
فإنه لم تلبث فرق الأغلبية النيابية باستثناء الفريق النيابي عن حزب “التجمع الوطني للأحرار” أن عادت إلى جادة الصواب، من خلال توجيه رؤسائها مراسلات إلى رؤساء فرق ومجموعات المعارضة، تدعوهم إلى عقد اجتماع للتداول حول مبادرة تشكيل “لجنة تقصي الحقائق” النيابية، بخصوص مختلف أشكال الدعم العمومي الموجه لاستيراد المواشي وقطاع تربية الماشية بصفة عامة، واتخاذ كافة التدابير اللازمة بشأنها، مؤكدة استعدادها لتوفير كافة الظروف المواتية لإنجاح هذه المبادرة الرقابية الدستورية والمؤطرة بأحكام القانون التنظيمي المتعلق بطريقة تسيير اللجان النيابية لتقصي الحقائق، وكذا مقتضيات النظام الداخلي لمجلس النواب، والهادفة لاستجلاء الحقيقة وتنوير الرأي العام الوطني حول هذا الموضوع، الذي أثار جدلا قويا ونقاشا عموميا واسعا ببلادنا في الفترة الأخيرة.
والمثير للاستغراب أن الفريق النيابي لحزب التجمع الوطني للأحرار، وفي محاولة يائسة للهروب إلى الأمام، سارع إلى إصدار بلاغ رسمي يوم الثلاثاء 23 يونيو 2026 لتبرير موقفه الرافض للمبادرة، حيث اعتبر وحده دون باقي الفرق الأخرى أنها “تصطدم بإكراه زمني موضوعي يتمثل في قرب انتهاء الولاية التشريعية الحالية، إذ لم يتبق على اختتامها سوى أسابيع معدودة”. وأضاف ذات البلاغ بأن الآجال الدستورية والإجرائية اللازمة لإحداث لجنة ومباشرة أعمالها وإنجاز مهامها غير متوفرة، وهو ما يفقد هذه الخطوة شروط النجاعة والجدوى المؤسساتية، وقد يسقطها في دائرة “الاستغلال السياسوي لا غير” وأنه رغم أهمية موضوع هذه المبادرة وما يثيره من نقاش عمومي، “لا يندرج ضمن الحالات الاستثنائية التي استقر العمل البرلماني على إخضاعها لآلية لجان تقصي الحقائق”، لاسيما أن هذه الآلية ارتبطت تاريخيا بقضايا وطنية كبرى تكتسي طابعا استعجاليا أو راهنية خاصة، بما يجعل اللجوء إليها هنا يفتقر إلى المبررات الموضوعية…
فما استفز مشاعر المواطنين والكثير من الخبراء والمراقبين، هو لجوء حزب “الأحرار” إلى تبريرات واهية، معتبرا أن ملف “الفراقشية” الذي استنزف ملايير الدراهم من المال العام بدون جدوى وما انفك يثير جدلا واسعا على مدى حوالي خمس سنوات، لا يندرج ضمن الحالات الاستثنائية أو القضايا الوطنية المستعجلة التي جرى العرف البرلماني على إخضاعها لمثل هذه المبادرات…
ثم إن ما لم يستسغه الكثيرون ونحن على بعد قرابة ثلاثة شهور من إجراء الاستحقاقات الانتخابية، هو الخرجة المتأخرة والمريبة لرئيس الحكومة أخنوش التي جاءت بعد يومين من قرار فرق الأغلبية الانخراط في “لجنة تقصي الحقائق”، ليس للإعلان عن التحاق فريق حزبه النيابي بباقي الفرق النيابية، وإنما قصد الإعلان عما اتخذته حكومته خلال المجلس الحكومي الأسبوعي ليوم الخميس 25 يونيو 2026 من قرار يقضي بإلغاء الساعة الإضافية والعودة إلى الساعة القانونية وفق توقيت “غرنيتش” أواخر فصل الصيف أي في 20 شتنبر 2026، بدعوى الاستجابة لمطالب المواطنين، والتأكد من أن استمرار العمل بالساعة الإضافية يشكل عبئا ثقيلا على المواطنين…
ولنا أن نتساءل هنا بموضوعية حول الأسباب التي حالت دون الاستجابة لمطالب المواطنين بخصوص الساعة الإضافية المشؤومة طيلة السنوات الماضية من عمر ولاية حكومته؟ وما الذي يمنعه من اتخاذ قرارات مماثلة بخصوص غلاء الأسعار، وتسقيف أسعار المحروقات واسترجاع أصول شركة “سامير” لفائدة الدولة وغير ذلك كثير؟
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة






















