بقلم ..عبد الرحيم الضاقية

رغم رفع شعارات فصل إصلاح التعليم عن الزمن السياسي الذي أطلق بعد فشل إصلاحات الجيل الأول بعد الميثاق والبرنامج الاستعجالي، وما تبعه من إصدار الرؤية الاستراتيجية التي امتدت على 15 سنة وتسييجها بقانون إطار، فإن جميع المؤشرات تحمل عكس ذلك. فابتداء من سنة 2021 تم تبني إجراءات ونماذج واختيارات جديدة سميت «خارطة طريق» امتدت على الولاية الحكومية التي انتهت في 2026 بأزمة متعددة المصادر ضمن منظومة تربوية لم يستطع المجهود المالي لملمة جراحها. فمؤشرات الأداء والجودة –حسب الدراسات الأجنبية – والمعاينة الميدانية تسير كلها نحو الانحدار، آخرها تقرير بيزا الذي عرى التراجع في مجال الرياضيات والعلوم والفهم القرائي بنسب عالية. لذلك يتعين على الحكومة الجديدة القيام برد فعل من أجل انقاذ ما يمكن أنفاذه على مستوى الأداء الداخلي ليوازي على الأقل المجهود المالي المستثمر.

وبالنظر إلى النقط المدرجة في التصريح الحكومي المرتبط بمنظومة التربية والتكوين نجد أنه فصل القول في 12 مرتكزا شملت التعليم الأولي والمدرسي والعالي. وهكذا أقر التصريح تخفيف البرامج الدراسية وتعديل الزمن المدرسي ودعم أنشطة الرياضة والفنون والثقافة في الابتدائي. اما الإعدادي فاكتفى بإجراءات لمنع الانقطاع، وتعزيز رصد ومعالجة التعثر الدراسي، وعلى مستوى الثانوي حث على التنويع والتطوير والتخصص وإحداث مسارات التميز وتعزيز القدرات الرقمية والاستعمال المسؤول للذكاء الاصطناعي. يبدو أن واضعي هذا التصريح يختزلون مشكلة التعليم الثانوي في قضايا متعلقة بالاحتفاظ بالمتعلمين/ات ضمن المنظومة مما يحيل على ارتفاع نسب الهدر المدرسي وما تخصيص حقيبة وزارية للهدر إلا اعتراف واضح باستفحال الظاهرة وتفاقمها. كما قفز التصريح على المشاكل الحقيقة للتعليم الثانوي التي تتمثل في نظام التقويم الذي أصبح هاجسا لدى المتعلمين/توالأسر والأساتذة/ات على حد سواء بفعل تقادم الأطر المرجعية وعقمها المزمن في إنتاج وضعيات اختبارية ناجعة.

فعلى مستوى المناهج والبرامج في الثانوي بسلكيه فقد أصابها التقادم بشكل غير مسبوق فمقررات الإعدادي لها من العمر 24 سنة والثانوي 21 سنة وهذا الاحتفاظ بنفس المناهج لم يحدث حتى في عهود التقويم الهيكلي وقلة الإمكانيات والأطر والوسائل. فقد عرف المقرر تحيينا في 1987 وبعده في سنة 1992، ودخلت البرامج المحينة بناء على الميثاق في 2003 مما يمكن اعتباره منطقيا أو مقبولا رغم أن الدراسات المنهاجية تؤكد على أن 5 سنوات هي العمر الافتراضي لمقرر دراسي. لكن نحن اليوم أمام مقررات عمرت لربع قرن مما يعد فضيحة تربوية ومعرفية في عصر السرعة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. ويؤكد الكثير من الممارسين/ات أن العديد من المواد الدراسية تدرس بها أخطاء معرفية ومعطيات تنتمي للتاريخ، ويضطر الأساتذة/ات لتدريسها لأن الأطر المرجعية للاختبارات الإشهادية تحتوي عليها بحكم تقادمها كذلك. فأصبح تلقين الخطأ للأجيال يتم بقوة القانون وبحماية من المساطر الإدارية والتنظيمية وهو قمة الاستهتار بمستقبل الأجيال. فالمقرر الحالي أصبح مثل «الرجل المريض» لم تفلح مقاربة الكفايات، والإدماج، والمهارات الحياتية والمدرسة الرائدة من إنعاشه وزرع روح الحيوية في جسمه المنهك. وها هو اليوم رغم تغير الحكومة يرى إجراءاتها بعيدة عنه على مستوى التجديد والتحيين والتطوير ليبقى طريح الفراش.

وقد بدأ ورش إصلاح المناهج بمشروع التنقيح بالابتدائي والذي انتهى بإصدار وثيقة منهاجية سنة 2021 تعد متقدمة في مقارباتها وطريقة بنائها. لكن مع الأسف لم تتجاوز القسم السادس فقد رسبت في الامتحان النهائي ليعود المتعلمون/ات إلى مقرر قديم أكبر من بعض أساتذتهم/هن الذين التحقوا بالوظيفة. وفي انتظار تعديل المقررات أتت خارطة الطريق بنموذج بيداغوجي جديد سمي «المدرسة الرائدة» ليتأجل البث في تجديد المقررات والبرامج إلى أجل غير مسمى… رغم ما يلاحظه الجميع من تقادم غير مقبول. وقد تبنت المدرسة الرائدة مقاربتين الأولى من العالم الثالث ترمي إلى دعم مكثف من أجل الوصول بالمتعلمين/ات الى مستوى مقبول للدخول في تعليم صريح يراهن على تغيير الرؤيا وبناء الدرس على خمس مراحل. وتراهن هذه المقاربة على الاستعمال المكثف للتكنولوجيا عبر عروض رقمية تهدف إلى إشراك المتعلم/ة والبناء الجماعي مع تركيز كبير على التقويمات والروائز المرحلية لكشف التعثرات مبكرا.

يبدو أن الحكم على نموذج بيداغوجي بالسلب أو الايجاب بمعزل عن محكات ميدانية مستقلة يعد تسرعا منهجيا، فالفصل الدراسي يتميز بتعدد معطياتهالبشرية والفضائية والتجهيزية ومدى انخراط الجميع في الورش التعلمي والتحكم في مجرياته. لذا فلغة النقد وقلب الطاولة غير ذات موضوع، وكذا لغة التهليل التطبيل وصباغة الجدران. لكن يبدو لنا أن النموذج يحتاج أولا إلى تبيئة وتوطين في سياق المدرسة المغربية ثم تقييم موضوعي من جهاز مستقل يوظف منهجيات البحث والتقصي الميداني المستند على معايير التعيين والتحليل والمقايسة. إلا أن المفتاح الذي سوف يجاوز وضعية الجمود والاحتقان المعرفي والمنهجي هو تجديد البرامج والمناهج الذي أصبح مطلبا حيويا بالنظر إلى:

• ضرورة توافق النموذج البيداغوجي وأدواته مع مضامين ومنهجيات مجددة تنفتح على الدرس التفاعلي والمناولات الرقمية التي يتبناها التعليم الصريح، أما الإبقاء على مضامين متقادمة تحيل على معطيات لاغية علميا فهو تعذيب فكري يخضع له المدرسون/ات والمتعلمون في كل حصة دراسية؛
• تبني المدخل التكنولوجي بكل عناصر وليس الاكتفاء بالقشور فالتعلم الرقمي منظومة متكاملة لها مناهجها وطرق بناء دروسها وأشكال التقويم بها. ولا يستقيم أي عمل انتقائي في هذا الباب لأن المتعلمين/ات منفتحين أكثر على البيئة الرقمية ويعرفونها جيدا وعندما تقدم لهم معروضات متخلفة ينفرون منها ويحولون الدرس إلى مسخرة حقيقية؛
• لا يعقل أن يتم تبني دروس وعروض تفاعلية توظف الرقمنة والاحتفاظ بالكم المعرفي كما هو بدون تقليص أو إعادة توضيب. فالتكنولوجيا سهلت الولوج إلى المعرفة فما يدرك بالأمس بعد قراءة نص، وحفظ مصطلح، والاطلاع على خطاطة يمكن أن يتم اليوم بكبسولة من بضع ثواني؛
• التساؤل الحقيقي حول أدوار الكتاب المدرسي وموقعه من هذه التحولات فنجد أن الأسر تكتوي بناره بحثا، وثمنا، وامراض مزمنة لأطفالها بحكم ثقل المحفظة، في ظل عدم وضوح الرؤيا حول مدى استعمالاته الفعلية في الفصل وخارجه. هنا نجد الصمت المطبق الذي يشيء بتواطؤات مُمكنة بين ناشري الكتب وجهات معينة تستفيد من مداخيل مضمونة ما بين شهري شتنبر وأكتوبر من كل سنة. لتنتهي هذه الكتب في حاويات القمامة بعد شراء أخرى جديدة لن تستعمل؛
• أصبح زمن التعلم إشكالية حقيقة في ظل التحولات التي حصلت لدى متعلمين/ات غارقين في شاشاتهم/ن في مقابل منهجيات ودروس متقادمة في الفصل الدراسي. فالتكنولوجيا قلصت المسافات وطرق التواصل وطريقة التعلم في الكرة الأرضية كلها ماعدا في القسم الدراسي المغربي الذي لازال يسير بنموذج القرن التاسع عشر يعتمد الكتاب واللوحة والسبورة والدفتر. يبدو أن مطلب التقليص موضوعي يتزامن مع تقليص بعض المضامين التي أصبحت متاحة على المنصات الرقمية؛
• أسفرت تجربة المدرسة الرائدة عن العودة إلى مركزية بناء وهندسة وتخطيط الدرس مما أعطى نتائج غير محمودة على مستوى التلقي والطريقة التي تبنى بها الكبسولات المركزية وما يشوبها من شوائب حتى أصبحت مجالا للتهكم والتندر في صفوف الفئة المتلقية. فالملاحظ لما يحدث في الأقسام يشهد على إعصار من الشرائح يضرب أبصار وعقول متعلمين/ات لاحول ولا قوة لهم، تتساقط عليهم معلومات وصور وحوارات مشوهة تم إعدادها في العاصمة وتم اسقاطها بالمظلات على مجموع تلاميذ الوطن دون مراعات لوضعيات التعلم التي تتسم بالتوطين المكاني والزماني. لذا يتعين تغيير المنهجية في سبيل إعادة القرار للمدرس/ة في بناء الوحدات الديداكتيكية النهائية لأنه هو أدرى بالمعطيات الوضعياتية للفصل الدراسي في الهنا والآن، وليس لأي لجنة مركزية القدرة على معرفة تفاصيل وضعية ديداكتيكية في أقاصي المغرب العميق أو حتى وسط حواضره؛
• تشير أغلب المؤشرات الى توسيع الجهوية في جل المجالات، وعلى مستوى بناء البرامج والمناهج يمكن اغتنام هذه الفرصة في استعادة مشروع المناهج الجهوية التي اتى بها الميثاق وملحقاته والتي تم دفنها لأهداف يعرفها الراسخون في باب الرواح. فالمناولات التربوية على اختلاف أشكالها إن ارتبطت بمجالها وبيئتها تكون أكثر فعالية على مستوى التصور والتخطيط والتنفيذ أما إن كانت تنزيلية فتفقد قيمتها حتى ولو كانت ذات جودة؛
• يبقى تكوين المدرسين/ات نقطة سوداء تعاني منها المنظومة وتساهم في إفشال العديد من المبادرات لأن فاقد الشيء لا يعطيه. يتم تأخير مباراة التوظيف بفعل تماطل إداري وتنظيمي حتى آخر السنة الإدارية ليبدأ التكوين متأخرا بحوالي ثلاث أشهر. يدخل بعد ذلك المؤطرون/ات في سباق مع الزمن، وينزل ثقل لا يطاق على المتدربين/ات الذين يقضون مدة تدريبية لا تتعدى أربع أشهر ونصف. يخرجون في نهاية التكوين بمردودية مهنية وتدريبية ضعيفة يواجهون بها أهوال الفصل الدراسي ضمن وضعيات يكتشفونها لأول مرة ومن ضمنها النموذج البيداغوجي للمدرسة الرائدة. في الكثير من الأحيان لا يحملون معهم/ن إلى الميدان إلا بعض اللقاءات التواصلية العابرة وبعض الورشات التي لا تغني عن الغوص في الوضعيات المهنية بكل تفاصيلها. أما المفتشون/ات الذين من المفروض أن يواكبوهم/ن في الميدان فإن كثرة المهام والتكوينات والتتبع الميداني اليومي للفصول قد أجهز على كل أمل في الاشتغال السلس مع هذه الفئة التي تخرجت للتو من المركز.

بناء على هذه العجالة التي فضلت عدم الخوض في التفاصيل يبقى ورش تجديد المناهج والبرامج يكتسي طابع الاستعجال على أكثر من مستوى. ويعد الحوار والتشاور وفتح القنوات مع الممارسين/ات المباشرين في الميدان هو المدخل السليم للوصول إلى مشروع يشبه أصحابه وليس مسخا جديدا في حلة منتوج لمكتب دراسات من الواق واق.

(*) كاتب وباحث في التربية والتكوين