الرئيسية » اخبار » فاترينات برجوازية ..للكاتبة الصحفية الدكتورة ابتهال الخطيب

فاترينات برجوازية ..للكاتبة الصحفية الدكتورة ابتهال الخطيب

كتب ابتهال الخطيب

أحب أنا، مثل غيري من بنات وأبناء الطبقة الوسطى، أن أتسوق في المتاجر الراقية، وأتبضع من العلامات التجارية المعروفة، وهو حب أو توجه لربما ينبع من الشعور بأننا وسطويون، كالطفل الأوسط المهمل الضائع دوماً، برجوازيون لا تعريف واضحاً لنا؛ لا نحن نملك أموال الأرستقراطيين و»عراقتهم» ولا نحن نملك قضية البروليتاريين. نهيم بين الطبقتين مولين وجوهنا باتجاه الأرسقراطية طبعاً، ضغطاً على مقدراتنا المالية واستقرار حيواتنا، إلا أن واقع حالي الشخصي أنني لا أتبضع من الماركات الباهظة، فهذه باعتراف برجوازي حقيقي، لا قدرة لي عليها، كما أن معظمها يقع في قوائم المقاطعة، إما بسبب تعاونهم الصهيوني أو استخدامهم لعمالة الأطفال أو تلويثهم الشديد للبيئة، وأحياناً لأسباب أخلاقية أخرى مثل ذلك السبب الذي أصاب علامة تجارية بمقتل «مؤقت» حين قاطعها الناس لإطلاقها حملة دعائية تستعمل الأطفال كرموز جنسية.
إلا أنني كنت دائماً من هواة متاجر التخفيضات أو ما تسمى «آوتلت» التي تقدم بضائع سنوات قديمة بأسعار عالية التخفيض. ثم تطور الأمر منذ بضع سنوات، لربما تقترب من العشر، حين بدأت أقتني البضائع المستعملة، وذلك بعد تأنيب شديد اللهجة من ابنتي أوقعني ببرجوازيتي المسكينة في حرج شديد. ما زلت أتذكر هذا اليوم الذي دخلنا فيه أنا وهذه الصغيرة إلى متجر لطيف في إحدى المدن الأوروبية لأكتشف بعد قليل أنه متجر للبضائع المستعملة، وحين نبهتها لهذه الحقيقة تحريضاً مني لها لأن نتجه لمتجر آخر، قالت لي جملتها التي لا يمكن أن أنساها أبداً «وماذا لو كانت مستعملة، أنت ماما، أحسن من الآخرين الذي يشترونها؟» لم أتردد لحظتها، بعد أن اعتذرت منها عن غبائي المؤقت، في شراء ما رغبت من المتجر، ليتحول شراء المستعمل من بعدها إلى هدف مالي وأخلاقي بالنسبة لي: فمالياً، هو موفر إلى حد كبير ويمكنني من شراء ما لا أطيقه من المتاجر المعتادة. وأخلاقياً، هو يخفف الأحمال عن البيئة وينظف البضائع من كل التلوثات الاقتصادية والأخلاقية والعملية في خضم هبوطها من رفوف المتاجر الراقية إلى متاجر ومواقع بيع البضائع المستعملة.
فهل أنا على الصراط الشرائي الأخلاقي المستقيم؟ المسافة كبيرة على ما يبدو بين طبائعنا الشرائية، وأخلاقية الاستهلاك. في ذلك، استمعت إلى مقطع رصين للمؤثر وصانع الأفلام السوداني أمجد نور، الذي يتحدث من خلاله عن ظاهرة تقييمنا لبعضنا بعضاً، حكماً على الظاهر من مقتنياتنا. يقول نور إنه «في عصرنا المرصع بالألماس المغشوش، باتت قيمة الإنسان تنبع مما يستهلكه وليس مما ينتجه»، ليتحول بعدها تعريف الحالة الاقتصادية، الفقر تحديداً، «من حالة قدرية أتت ربما من رحم ظروف اقتصادية معينة، إلى نوع من الفشل الشخصي ونقص الكفاءة، ما جعله أداة لتعيير بعضنا بعضاً. فدلالة ثرائك أن يتحول صدرك إلى إعلان متحرك، وتكون قيمة رباط حذائك الإيطالي أعلى من قيمة رباطك الصليبي في عالم ينظر فيه إلى السلع كعلامات تتجاوز وظيفتها الأصلية إلى معان تعيد تعريف الإنسان الذي يستعملها».
كل ذلك، يؤكد نور، قد «ولد ما يسمى بالعنف الرمزي» الذي يمارسه غالباً متوسطو وضعيفو الدخل تجاه بعضهم بعضاً، تعييراً بمظهر يفتقر لاسم أو صورة علامة تجارية ترفع قيمة الفرد سلعياً في عالم اليوم شديد الاستهلاك. نتحول نحن، بوعي أو من دونه، إلى «فترينات» برجوازية، واجهات للعلامات التجارية، لوحات إعلانية مجانية تحكي حكاية نقص نعتقده غنى وانعدام ثقة نحاول بعثها للحياة. بصعقات كهربائية استهلاكية باهظة الثمن، يعاني الكثيرون منا مادياً ونفسياً في رحلة اقتناء هذه البضائع التي لا تصل كلفتها الحقيقية لواحد على المئة من ثمنها الذي ندفعه من كدنا وعملنا ومستقبلنا وأمننا، ندفعه لنقول أشياء عن أنفسنا حتى نحن لا نصدقها، ولنعوض نواقص أو آلام أو احتياجات لا شيء مادياً يمكن أن يطببها، ولننتمي إلى طبقة لا يمكن في يوم أن تقبل بنا. معظمنا يستلم رواتبه من الحكومة ليسلمها للتجار، في محاولة يائسة للانتماء، للصعود، لتغيير الهوية، ومن أجل هذا الهدف تعمى أعيننا وعقولنا عن الفرق الباهظ بين الكلفة الحقيقية والثمن المدفوع، وهو فرق يدفعه «هواة الهدر»، كما يصفهم نور، من طبقاتنا الاجتماعية التي تهدر بعنف، وهي تعرف أنها تهدر بعنف، لتصل إلى حيث لا يمكن أبداً الوصول، ولا يبتغي لها أن تتمنى الوصول أصلاً.
في عنف هذا الهدر، يقول نور: «أنت ترتدي هذا أصلاً لتقول إنك تدفع فيه أكثر مما يستحق، لأنك غني لدرجة إهدارك للمال وأنت لا تمانع أنك تهدره، وهو ما تستغله هذه العلامات دون مواربة». هنا، قد نتفهم رغبة الطبقات المتوسطة والفقيرة في الاقتراض أو الكدح إحرازاً لأموال تمكنهم من شراء هذه القيمة الاجتماعية، من اقتناء البضائع التي ستتحول رموزاً على أجسادهم وفي بيوتهم للطبقة الاجتماعية التي يرومون ويأملون، لعل تحقق الرمزية ينتقل بهم إلى الواقعية، فيساهم الرمز المادي في تحويل مسار حيواتهم، وتغيير انتماءاتهم للطبقة الاجتماعية المأمولة. إلا أن نور يحذرنا من أن الأغنياء في الواقع يفهمون الخطة ويسبقوننا خطوات للأمام في إفشالها.
«جئت متأخراً يا عزيزي»، يقول نور، «فالآن انتقل الكثير من الأثرياء إلى مرحلة جديدة، حيث تركوا الجمل بما حمل، واللوغوهات بأحجامها الصارخة للأغنياء الجدد، الفقراء القدامى، الهواة، أو إن شئت قل، لحديثي النعمة، لأنهم انزعجوا من سلوكياتكم أيها الفقراء، وتركوا لكم صخب حقائب الماركات الفاخرة، واتجهوا إلى الثراء الصامت، أو الرفاهية الهادئة، ليستمتعوا بماركات لا تحمل شعارات عادة، ويعرفونها فيما بينهم بمجرد الرؤية والتلامس من خلال خبرتهم بنسيج القماش أو طراز الخياطة». وهكذا انتقل «الأغنياء القدامى» إلى البضائع عالية الجودة، خافتة الصخب، وذلك -على ما أعتقد- حتى لا يلفتوا أنظار طبقاتنا المسكينة لها، فتبقى بضائعهم بمأمن من استهلاكنا الصاخب المتظاهر، الذي يهبط بهذه البضائع من مكانتها وندرتها ورقيها في نظرهم، تاركين لنا تلك التي وإن ضعفت جودتها واستشكل تمويلها واتسخت قيمتها بتعاون فاسد أو أموال مغسولة أو اضطهاد بشع لبشر أو طبيعة، تبقى ملهاة اجتماعية لنا، وكذبة طبقية مُشْبِعة لأرواحنا المتطلعة دوماً إلى الأعلى.
ربما ليس علينا أن ننظر دوماً للأعلى للانتماء، ربما علينا أن ننظر أسفل أقدامنا، للأرض التي تحملنا وتثبت أقدامنا. لربما السعادة ليست في الانتماء الاجتماعي لطبقة «مصانع المال» التي نعلم أنها تشكلت بكدنا وعرقنا وأحياناً بدمائنا وعلى أنقاض أجسادنا، ولكن في الافتخار والابتهاج بموقعنا في الحياة وبالمحاولة المستمرة لتحسين هذا الموقع واقعياً معيشياً وليس رمزياً بحقيبة أو حذاء. لربما السعادة ليست في عقد ذهبي لامع يتدلي على الصدر بحروف بارزة تحمل اسم العلامة التجارية ليحولنا هذا العقد إلى إعلان متنقل رخيص الثمن، لربما بعض الفرح ينطوي في ارتداء عقد يتدلى بحروف اسمك أو اسم حبيبك، يصنعه حِرفيّ مغمور لك وحدك دون أن يستطيع أن يمتلك غيرك مثيله. ربما تنطوي السعادة باكتشاف هذا السر الخطير، ولكن الواضح الماثل أمام أعيننا: الغنى والأصول العرقية والطبقات الاجتماعية والانتماءات الإثنية وغيرها من صور التقسيم والتأطير، هي كلها كذبات ضخمة، صنعها الأقوياء ليحكموا من خلالها عالماً منقسماً على نفسه، ليتحكموا في بشر مشغولين بالتنافس على ساعات وحقائب عن الوعي الحقيقي بالشر الذي يحكم العالم، وبالأثمان الباهظة التي يدفعها الضعفاء منا لهذه البضائع الكاذبة. لقد وصل الحال بنا إلى أن «نبني حائط الفصل العنصري وندفع قيمة بنائه»، إلى أن ندفع ثمن ما يستعبدوننا ويعذوبننا به، فأي غباء يقودنا إلى نهايتنا؟