أخر الأخبار
الرئيسية » اخبار » أفق الدبلوماسية المغربية: قراءة تحليلية في استراتيجية الحكم الذاتي وتحديات المرحلة

أفق الدبلوماسية المغربية: قراءة تحليلية في استراتيجية الحكم الذاتي وتحديات المرحلة

عبد الله مشنون كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي مهتم بالشؤون العربية قضايا الهجرة والبحث في الفكر والإسلام.
يشهد ملف الصحراء المغربية في المرحلة الراهنة تحولات جيوسياسية كبرى ومفصلية تعكس بوضوح نجاح الدبلوماسية المغربية في ترسيخ مقترح الحكم الذاتي كمرجعية أساسية وحصرية لتسوية النزاع المفتعل تحت رعاية الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية. وهو ما يبرز بجلاء حجم الانحسار المتسارع لأطروحة الانفصال والورطة الكبرى التي تعاني منها الجزائر وجبهة البوليساريو الإرهابية في محاولة إيجاد مخرج تواصلي وسياسي لجمهورهما يتماشى مع فرض الأمر الواقع الدولي. حيث أضحت الخطابات الدبلوماسية الرسمية للخصوم تتخبط بين تناقضات المحافل الدولية والهروب الأمامي نحو تبريرات داخلية لا تعدو كونها محاولات مستميتة لتليين تداعيات التراجع المتواصل لدعم أطروحتهم الانفصالية ومما يزيد المشهد تعقيداً هو الانتقال من مرحلة الاعتراف العام بالمبادرة المغربية إلى مرحلة دقيقة تتطلب أعلى درجات اليقظة والتبصر الاستراتيجي لمواكبة تشابكات الأجندات الدولية التي تسعى لتوظيف تفاصيل الحل بما يخدم مصالح القوى الكبرى. وفي ظل هذا المشهد المعقد تكتسي القراءات التحليلية الرصينة أهمية بالغة لتجاوز سطحية الخطابات التعبوية والولوج إلى صميم الديناميات الدبلوماسية الدقيقة. حيث برز مقال الباحث والكاتب المغربي الدكتور بلال التليدي المعنون بـ -الحكم الذاتي في الصحراء: حرب التفاصيل- ليقدم مقاربة استراتيجية عميقة تفكك خبايا تقرير الأمين العام للأمم المتحدة وما أثاره من نقاشات وسط بعض النخب السياسية والإعلامية المغربية حول مفاهيم المجلس الانتقالي ومقومات السيادة ومصطلح الحكم الذاتي الحقيقي مببراً بأسلوب علمي رصين كيف أن هذا القلق مبالغ فيه وأنه يمكن احتواؤه بالعودة إلى روح وثيقة الحكم الذاتي لعام 2007 التي وضعت هندسة متكاملة لتدبير مختلف المراحل الانتقالية والاستشارية بطريقة ديمقراطية تكرس السيادة الوطنية. وعلى خطى هذا التحليل الرصين تتأكد الحاجة الملحة اليوم إلى تعميق النقاش الفكري والإعلامي حول مآلات الصراع الدبلوماسي في بعده الإقليمي والدولي. فالتحولات المتسارعة في أروقة الأمم المتحدة تفرض على المراقبين تتبع الخيوط الخفية التي تحركها القوى الكبرى لصياغة الحلول التوافقية وفق مصالحها الخاصة. وهو ما يضع النخب الوطنية أمام مسؤولية تاريخية جسيمة تتمثل في إنتاج وعي جمعي يستوعب دقة المرحلة ولا ينجرف وراء التهويل الإعلامي المفتعل الذي تحاول أطراف الخصوم الترويج له لخلط الأوراق وإرباك المسار الدبلوماسي الناجح للمملكة. ومن منطلق متابعتي المستمرة للتحولات الدبلوماسية والجيوسياسية التي تعرفها بلادنا وما تحيط بقضيتنا الوطنية الأولى بصفتي إعلامياً من مغاربة العالم يسعى للدفاع عن مصالحها العليا بكل موضوعية واحترافية فقد قرأت مقال الدكتور بلال التليدي الذي استوقفني بعمقه التحليلي وقراءته الرصينة التي لم تنجر وراء القلق المفتعل أو التهويل العبثي الذي سقطت فيه بعض الأقلام بل غاصت في تفاصيل الوثائق الأممية وروح مبادرة الحكم الذاتي لسنة 2007 لتؤكد أن ما يثيره التقرير من آليات انتقالية واستشارية هو في حقيقته مندرج ضمن هندسة المبادرة المغربية نفسها. سيما وأن الدكتور التليدي نجح بامتياز في تفكيك بنية التناقضات الجزائرية وكيفية تعامل رعاة التفاوض الدوليين مع التفاصيل الدقيقة التي تسعى القوى الكبرى لتوظيفها بما يخدم مصالحها وهو ما يفرض على النخب الفكرية والإعلامية والسياسية الوطنية إدراك أن المعركة المقبلة لم تعد تتعلق باكتساب الاعتراف بالمبدأ بقدر ما تتعلق بالتحكم الصارم في هندسة وتفاصيل التنزيل القانوني والعملياتي للحل لقطع الطريق أمام أي محاولة محتملة لتفريغ المقترح المغربي من مضمونه السيادي عبر تفاسير أو التواءات جانبية تخدم أطراف الخصوم. وتتجلى أهمية هذه المقاربات التحليلية في كونها تسلط الضوء على خبايا الصراع الصامت في الكواليس الدولية حيث تسعى الدبلوماسية الموازية والإعلام الوطني الرصين إلى تحصين المكتسبات الملكية والدبلوماسية المحققة على الأرض. إن معركة التفاصيل اليوم تتطلب إشراك مختلف الفاعلين في ورش التفكير الاستراتيجي لضمان تنزيل سليم ومحصن لمبادرة الحكم الذاتي يقطع الدابر على كل محاولات التشويش اليأسة. مما يجعل من قراءة الكاتب لبنة أساسية لفهم طبيعة التحديات القادمة وضرورة تحصين المكتسبات الاستراتيجية للمملكة بحنكة وتبصر والتأكيد على أن الدبلوماسية المغربية المسنودة بيقظة أبنائها في الداخل وفي صفوف مغاربة العالم قادرة بعون الله على كسب رهان حرب التفاصيل وتثبيت مغربية الصحراء في كنف السيادة الشاملة والتراب الوطني المقدام الذي لا يقبل المساومة. خصوصاً وأن قراءة الدكتور بلال التليدي قد نجحت في إرساء معالم نقدية هادئة تعيد الأمور إلى نصابها القانوني والسياسي وتبدد المخاوف غير المبررة عبر الاستناد إلى المواد الأصلية للمبادرة المغربية مثل المادة 27 والمادة 32 مما يعزز الثقة في صلابة الموقف المغربي وقدرته على مواجهة كافة التحديات الإقليمية والدولية بكفاءة واقتدار. وهو ما يستوجب منا جميعاً كفاعلين وإعلاميين مواصلة مواكبة هذه التحولات بدقة ومسؤولية وطنية عالية تليق بحجم الرهان التاريخي على قضيتنا المركزية التي تبقى فوق كل اعتبار والتي ستظل بوصلة موجهة لكل الجهود الوطنية الصادقة داخل الوطن وخارجه حتى إقرار الحل النهائي الشامل والعادل تحت السيادة المغربية الكاملة.