أخر الأخبار
الرئيسية » اخبار » الشماعية بين مفارقة الكفاءات المحلية وإكراهات التدبير الترابي: هل يتدخل السيد العامل لإعادة التوازن المفقود؟

الشماعية بين مفارقة الكفاءات المحلية وإكراهات التدبير الترابي: هل يتدخل السيد العامل لإعادة التوازن المفقود؟

في مدينة الشماعية، حيث يتقاطع التاريخ الاجتماعي العريق لقبيلة أحمر مع تحولات اقتصادية وإدارية متسارعة، يتكرس واقع يثير الكثير من التساؤلات الصامتة داخل الشارع المحلي. واقع لا يتعلق فقط بضعف التشغيل أو محدودية الاستثمار، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق يرتبط بطريقة توزيع الفرص، وبمنطق تدبير الموارد البشرية داخل المؤسسات العمومية والخاصة التي تشتغل على أرض الإقليم، في سياق تتزايد فيه انتظارات الساكنة مقابل بطء في تكيّف السياسات المحلية مع التحولات الديموغرافية والاقتصادية. ما يلفت الانتباه بشكل واضح هو الحضور المكثف لأطر وموظفين وافدين من خارج الإقليم في مختلف الإدارات والمؤسسات المالية والخدماتية والمرافق الحيوية، في مقابل حضور محدود أو هامشي لأبناء الشماعية أنفسهم. هذا الوضع يخلق مفارقة واضحة: مدينة تُدار يومياً بكفاءات لا تنتمي إليها اجتماعياً، في حين يظل جزء مهم من شبابها حاملاً للشواهد والخبرات، لكنه خارج دائرة الاستفادة من الفرص المتاحة داخل مجاله الترابي. هذه المفارقة لا تُختزل فقط في الأرقام، بل تتجسد في الإحساس اليومي بعدم الإنصاف، وفي ذلك التباعد غير المرئي بين المؤسسة ومحيطها الاجتماعي. ولعل ما يخرج هذا الطرح من سياق الانطباعات العامة إلى سياق الحقائق الرقمية الصادمة، هو وضعية الخدمات المالية والبنكية بمركز الشماعية؛ فبناءً على نتائج إحصاء 2024، نجد أن إقليم اليوسفية يعيش اختلالاً بنيوياً صارخاً في توزيع الوسائل اللوجيستيكية والبشرية. فبينما تتوفر مدينة اليوسفية (المركز) على عدد أكبر من الوكالات والخدمات الإدارية والمالية مقارنة بحجم ساكنتها الذي يناهز 65,669 نسمة، نجد أن الشماعية تُركت وحيدة لتواجه ضغطاً ديموغرافياً هائلاً يتجاوز 101,384 نسمة (باحتساب ساكنة المدينة وجماعات رأس العين، اجدور، سيدي شيكر، والجنان ابيه)، في ظل بنية خدماتية لم تتطور بالوتيرة نفسها التي عرفها المجال. هنا تبرز الفجوة في أوضح صورها: كتلة بشرية تفوق مائة ألف نسمة تُخدم بإمكانيات بشرية ولوجيستيكية محدودة لا تعكس حجم الطلب الحقيقي على الخدمات. هذا الحيف الرقمي لا يترجم فقط ضعفاً في جودة الخدمة وضياعاً للزمن الإداري للمواطن القروي، بل يعكس غياب رؤية استراتيجية تأخذ بعين الاعتبار التوسع السكاني مقابل الجمود في الموارد البشرية والاعتماد الكبير على العنصر الوافد. إن القطاع البنكي هنا ليس سوى “مجهر” نرى من خلاله كيف تُدار العلاقة بين المؤسسة والمجال، حيث يُلاحظ في عدد من الوكالات البنكية حضور أطر وافدة في مواقع التدبير، مقابل حضور محدود للكفاءات المحلية، رغم أن هذه المؤسسات تشتغل في تماس مباشر مع الساكنة وتفترض فيها معرفة دقيقة بخصوصيات المجال واحتياجاته. والأمر لا يتعلق بحالة معزولة أو بمؤسسة بعينها، بل بظاهرة تتكرر بدرجات متفاوتة داخل عدد من المؤسسات المالية والخدماتية بالإقليم، مما يطرح تساؤلات أوسع حول مدى حضور مبدأ العدالة المجالية في سياسات التوظيف والتعيين، وحول قدرة الكفاءات المحلية على الولوج إلى مواقع المسؤولية داخل المجال الذي تنتمي إليه. وإذا كانت المعطيات المتاحة تسمح بإبراز الاختلال من خلال نموذج القطاع البنكي، فإن تكرار المشهد داخل قطاعات أخرى يؤكد أن الأمر لا يتعلق بحالة استثنائية، بل بإشكال بنيوي يستحق نقاشاً مؤسساتياً مسؤولاً حول علاقة التشغيل بالتنمية الترابية، وحول مكانة العنصر المحلي في المنظومة الإدارية والاقتصادية للإقليم. هذا الواقع الميداني يدفع إلى طرح تساؤلات أعمق تتجاوز البعد العددي إلى البعد البنيوي: هل يتعلق الأمر فعلاً بندرة في الكفاءات المحلية، أم أن هناك اختيارات تنظيمية تجعل من الولوج إلى هذه المناصب مساراً غير متكافئ؟ في المقابل، تشير بعض القراءات المهنية إلى أن أنظمة التعيين والتنقيل الوطنية تهدف إلى ضمان نوع من الحياد الإداري وتفادي تأثير الروابط الاجتماعية داخل المجالات الصغيرة، وهو منطق تنظيمي يجد مبرراته في الحفاظ على استقلالية القرار. غير أن هذا التبرير، رغم وجاهته، يظل بدوره موضوع مساءلة حينما يؤدي عملياً إلى إقصاء شبه ممنهج للعنصر المحلي، بدل البحث عن صيغ توازن بين النجاعة والإنصاف. وفي هذا السياق، تطرح مسألة “الحياد الإداري” كإحدى أبرز الإشكالات المفاهيمية؛ فهل يعني الحياد فعلاً إبعاد الكفاءات المحلية، أم يمكن إعادة تعريفه بشكل أكثر مرونة يضمن المهنية دون قطع الصلة مع المجال؟ وهل يمكن للمؤسسات المالية والخدماتية أن تطور نماذج تدبيرية جديدة تدمج أبناء المنطقة ضمن مواردها البشرية، ليس فقط من باب الإنصاف، بل أيضاً من باب الفعالية، خاصة في ظل الضغط المتزايد على خدماتها؟ إن الشماعية، بحكم موقعها الجغرافي، تحولت تدريجياً إلى مجال “عبور اقتصادي” أكثر منها مجال استقرار، حيث تشتغل المؤسسات بمنطق وظيفي صرف، دون انخراط عميق في النسيج الاجتماعي المحلي. والنتيجة هي ضعف في الارتباط الوجداني بين الموظف والمجال، وغياب إحساس حقيقي بالمسؤولية تجاه التنمية المحلية. وهذا ما يفسر جزئياً ذلك التباين بين حجم الطلب الاجتماعي وضعف التفاعل المؤسساتي معه، خاصة في القطاعات ذات الارتباط المباشر بالمواطن. كما أن هذا الوضع لا ينعكس فقط على جودة الخدمات، بل يمتد إلى بنية الاقتصاد المحلي، حيث يساهم في خلق نوع من “النزيف الاقتصادي غير المرئي”، إذ تتحول الأجور والموارد المالية نحو خارج الإقليم، في غياب استقرار مهني واجتماعي للموظفين داخل المدينة. وهو ما يضعف بدوره فرص بناء دورة اقتصادية محلية متكاملة، قادرة على خلق دينامية تنموية مستدامة، ويجعل المدينة تؤدي دور المستضيف للمؤسسات دون أن تستفيد بالشكل الكافي من آثارها الاقتصادية والاجتماعية. أمام هذا الواقع، يبرز دور الفاعل الترابي، وفي مقدمته السيد العامل الجديد على إقليم اليوسفية، باعتباره المسؤول عن تنسيق السياسات العمومية وضمان انسجامها مع خصوصيات المجال. فالسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إلى أي حد يمكن للسلطة الترابية أن تتدخل لإعادة النظر في هذا التوازن المختل؟ وهل يمكن فتح نقاش مؤسساتي جاد مع مختلف الفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات المالية والخدماتية حول مسؤوليتهم الاجتماعية والتنموية تجاه المجال الذي يشتغلون فيه؟ إن إنصاف الشماعية لا يعني المساس بمبدأ تكافؤ الفرص، بل إعادة تأويله في ضوء العدالة المجالية؛ فالمشكل ليس في استقدام الكفاءات من خارج الإقليم، بل في غياب توازن يتيح أيضاً للكفاءات المحلية فرصة الاندماج والمساهمة في تدبير شؤون مجالها الترابي. فالتنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بحجم المؤسسات الموجودة على الأرض، بل أيضاً بمدى قدرة أبناء المنطقة على المشاركة في صناعتها والاستفادة من ثمارها. إن الدور المنتظر من السيد العامل يتجاوز حدود التدبير اليومي إلى لعب دور الوساطة التنموية، عبر خلق فضاءات للحوار بين المؤسسات والفاعلين المحليين، ودفع النقاش نحو إيجاد حلول عملية، مثل تعزيز الموارد البشرية بالمناطق التي تعرف ضغطاً ديموغرافياً متزايداً، وتشجيع التوظيف المحلي عند توفر الكفاءة، وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل، بما يضمن توازناً بين متطلبات المؤسسات وانتظارات الساكنة. في النهاية، تبدو الشماعية اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما الاستمرار في نموذج تدبيري يعمق الفجوة بين المؤسسة والمجال، أو الانخراط في مسار جديد يعيد الاعتبار للعنصر البشري المحلي كفاعل أساسي في التنمية. وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الأكبر هو تحويل هذا الحيف الرقمي والوظيفي إلى لحظة وعي جماعي، تُعيد طرح سؤال العدالة المجالية ليس كشعار، بل كخيار عملي ينعكس في السياسات والقرارات، ويُعيد بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته، ويمنح الكفاءات المحلية المكانة التي تستحقها داخل مجالها الطبيعي.