برامج انتخابية بنكهة “الشاورما”..للكاتب الصحفي محمد بادرة
(لا شيء سياسي أكثر من الطعام) انتوني بوردان – طاه ومؤلف امريكي
بقلم ..محمد بادرة
يعتبر البرنامج الانتخابي شكل من أشكال التعاقد بين الحزب السياسي من جهة والناخب من جهة أخرى في سياق تعبئة الطاقات الانتخابية وتوجيهها من أجل الوصول الى السلطة أي الحصول على تفويض من أفراد المجتمع عبر انتخابات ديموقراطية غير أن مشهدنا السياسي والحزبي سرعان ما يتم هجران هذه البرامج الحزبية المعبرة عن التمايز السياسي في تناول مختلف القضايا لصالح شعارات ووعود وأماني أبعد ما تكون عن البرنامج الحزبي الدقيق والمفصل والواقعي.
الحملات الانتخابية لا تزال تعتمد بشكل أكبر على نفس الوسائل التقليدية التي اعتدنا عليها في كل دورة انتخابية ويعاد استنساخها بنفس الوعود والشعارات ونفس الأساليب الدعائية: صور من كل الأحجام ملونة بألوان زاهية للمرشح تعلق على أعمدة الكهرباء وجدران الأبنية – لافتات تحمل شعارات ووعود فضفاضة – ملصقات ومطويات مدبّجة بمجموعة من المصطلحات والتعابير التي تنتمي الى أسر معرفية وايديولوجية مختلفة وأحيانا متناقضة- مهرجانات خطابية أقرب الى الدّجل منه الى البرامج الانتخابية تطلق فيه وعود غير واقعية واتهامات متبادلة بين الأحزاب- هيمنة لغة التسويف والشعارات الرنانة والخطب الإعلامية بعيدا عن العمل الميداني الملموس مما يزيد من تعميق الهوة القائمة بين الأحزاب والمواطنين وشعور الشباب والفاعلين بغياب الأفق وضياع فرص التغيير الحقيقي.. وكل هذه الشعارات والبرامج الانتخابية لم تعد قادرة على اقناع الناخب بجدية الأحزاب أو المرشحين أو صدق برنامجهم بل تحولت الى عبئ بصري وتشويش فكري يثير السخرية أكثر مما يثير الثقة ويضعها المواطنين في خانة الأكاذيب السياسية المألوفة في مثل هذه الاستحقاقات الانتخابية !!
في السنوات الأخيرة دخلت الأنترنيت سباق الترويج والدعاية وتلعب دورا كبيرا في سباق الحملات الانتخابية، ويتهافت المترشحون على مواقع التواصل الاجتماعي ب”الدردشة” أو غيرها لتوصيل “برنامجهم” للناخبين وهم يتوجهون أساسا الى النساء وبعض فئات الشباب لإغرائهم أو تضليلهم أو توجيه سلوكهم ومواقفهم بطرق غير سليمة، لكن مع دخول الذكاء الاصطناعي التوليدي تحولت الحملات الانتخابية وبرامج الأحزاب الى آليات ذكية لإنتاج محتوى زائف ومضلل مما قد ينتهك حق الناخبين في اتخاد قرارات صائبة أو نشر معلومات مضللة لقمع اقبال الناخبين..
برامج انتخابية بنكهة “الشاورما”
خلال الحملات الانتخابية توزع البرامج الانتخابية كما توزع قائمة الطعام Menu “الشاورما” وفيه كثير من البهارات الخاصة (أي كثيرا من الوعود الصفراء)، وكثير من الدّسم (أي كثيرا من الشعارات القوية مثل المواطنة والديموقراطية والتنمية)، وكثير من المخللات والمقليات (أي كثيرا من الأساليب والاستمالات العاطفية..).
يحضّر البرنامج الانتخابي كما يحضّر طبق “الشاورما”.. فيه كثير من الدّسم وقليل من القيمة الغذائية ومحشو بعبارات مطّاطية لا تهضم.. وفيه يقدّم المرشح برنامجه الانتخابي وكأنه طباخ شعبي ماهر متحمس لأجل استمالة الزبناء فيضع (بهارات) أو شعارات طنانة وقوية ذات وزن كبير لكن يبخسها حين يقدمها في قالب مزيف وبواسطة خطاب فضفاض جاف وشعارات رنانة يسعى بواسطتها الى استمالة البطون والعواطف أكثر من اقناع العقول كما يطلق العنان لكلمات ومفاهيم قوية ومتكاملة وهي أساس بناء أي مجتمع قوي الأركان والمؤسسات مثل (الوطنية – الكرامة- العدالة) فيرشها فوق “برنامجه الانتخابي” أو فوق صورته كما ترصّ شرائح اللحم والدّجاج لطبق “الشاورما” والمضحك المبكي في بعض هذه البرامج الانتخابية أن بعض شعاراتها تنسخ حرفيا من برامج وشعارات انتخابات سابقة وبأخطائها الإملائية.
- (سنقوم ببناء المدارس) وهو لم يزر قط مدرسة ولا مؤسسة تعليمية منذ انقطاعه عنها ولا يعرف حتى أسماءها و لا موقعها الجغرافي.
- (سنقوم ببناء المراكز الصحية والمستشفيات) وهو لا يقصد في زيارته ومعايداته الطبية الا المصحات الخاصة أما المستشفيات العمومية فلا يعلم عنها شيئا لا في التخصصات المتوفرة أو غير الموجودة ولا في قلة الأطر الطبية والممرضين ولا معاناة المرضى في اقسام الطوارئ أو غياب الأدوية أو تعطل أجهزة الفحص والأشعة …
- (سنكافح ضد الفساد) لكن تجد صورته تتوسط لافتة فيها فاسدون ولا نعلم من هو المفسد اذا كان الكل ينوي محاربة الفساد !!
- (اعادة تأهيل وتكوين الشباب) وهولا يفقه البيئة الرقمية المتسارعة التغير والذكاء الاصطناعي بل لا يعرف الفرق بين التيك توك والبريد الالكتروني؟؟
- (العمل على تقوية دولة الحق والقانون وتوفير الكرامة) وهو نفسه لا يستطيع أن يدافع عن هيبته أمام أصغر مسؤول حزبي أو مسؤول إداري !!
وحين يريد أن يقدم نفسه وملفه الشخصي يديّل صورة البروفايل الشخصي بمجموعة مختارة من “أخص” الخصائص الخاصة بشخصه أو الخبرات والشواهد التي تعكس هويته المهنية والاجتماعية – دكتور في القانون – ماجستير في الاقتصاد – خبير في التنمية البشرية – محاسب مالي متخصص– بطل رياضي سابق … وكأنه لا يملك تاريخا سياسيا سابقا (معتقل سابق – اطار حزبي – قيادي نقابي – فاعل جمعوي) ولا يشير الى اسهاماته النضالية والحقوقية والجمعوية.. انما كل ما يحتاج اليه صورة فوتوغرافية محترفة بخلفية زرقاء أو خضراء أو ذات لون زاه وبعض المواد التجميلية (الفلاتر) التي تزيل التجاعيد تم يعلق الملصق في الاطارات وعلى جدران البنايات أو أعمدة الكهرباء وتحت صورته عبارة من قبيل (من أجل مغرب جديد) مع أنه يعود الى المغرب القديم أو الى أرشيف حزبي قديم.
لكن المشكلة عندنا ليست في المرشح وحده وانما حتى في المواطن الذي لا يقرأ أو يقرأ ولا يعي تم يصوّت لنفس الوجه القديم فتمر البرامج الانتخابية كما تمر قائمة الطعام مليئة بالخيارات لكن في النهاية يطلب نفس الشيء (سندويتش مع الميراندا) !!
المواطن حين يسمع مرشحا يقول له (لدينا برنامجا انتخابيا متكاملا لخدمة المواطن)عليه أن يساله بهدوء: (كم فقرة في هذا البرنامج نفذها حزبكم حين كان في الحكومة السابقة؟ أو كم فقرة نفذها حزبكم في الحكومة الحالية؟) فان ارتبك وبدأ يخلط بين (التمكين) و(التمني) فأنت أمام مرشح لا يقدم برنامجا بل يبيعك وجبة وهم ديموقراطي سريع التحضير !!!
البرنامج الانتخابي عند هؤلاء المرشحين ليس أكثر من ديكور كلامي يشبه ذلك الصحن المزين في واجهة المطعم تكتشف لاحقا أنه من البلاستيك وهو يشبه وصفة طبخ عنوانها طبق حلو ومغر وجذاب – متناسق في مكوناته الغذائية – لكن عند التنفيذ تكتشف أنك لا تملك أيا من المكونات ولا حتى المطبخ … فما أشبه بعض البرامج الانتخابية بطبق “الشاورما” !!!!!
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة






















