أخر الأخبار
الرئيسية » اخبار » جميعا ضد الفساد الانتخابي! للكاتب الصحفي اسماعيل الحلوتي

جميعا ضد الفساد الانتخابي! للكاتب الصحفي اسماعيل الحلوتي

كتب اسماعيل الحلوتي

للمغاربة أن يحمدوا الله تعالى على أن حبا بلادهم بقائد حكيم وكريم، يجمع حكام بلدان العالم باستثناء حكام الجزائر على رصانته ورؤيته المتبصرة للأمور، فمنذ توليه مقاليد الحكم وهو يوصل الليل بالنهار في خدمة الوطن والمواطنين حتى في حالة الوعكات الصحية. لم يفرط يوما في صيانة الأمانة أو الإخلال بجزء من مسؤولياته، كما أن خطبه السامية تكاد لا تخلو من دروس وعبر في عديد المجالات والقضايا، ولاسيما فيما يتعلق بالاستحقاقات الانتخابية التي لم يفتأ يدعو إلى احترام مواعيدها الدستورية والقانونية.

فطالما أمر جلالته بأن تجرى الانتخابات في أجواء من النزاهة والشفافية والمساواة بين المترشحين، ودعا المواطنين في عدة مناسبات إلى المشاركة فيها بكثافة والتعبير الحر عن إرادتهم، والأحزاب السياسية إلى اعتماد معايير الكفاءة والاستحقاق في انتقاء المرشحين، حرصا على تكريس مناخ الثقة في الانتخابات والحفاظ على مصداقيتها، بعيدا عن كل ما من شأنه الإسهام في إفسادها والمس بالتنافس النزيه. خاصة أن الفصل (2) من الدستور أكد على اختيار الأمة لممثليها في المؤسسات المنتخبة بالاقتراع الحر والنزيه والمنتظم، وأن الفصل (11) منه جعل من الانتخابات الحرة أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي.

وتأكيدا على ما للاستحقاقات الانتخابية من بالغ الأهمية في المسار الديمقراطي، وحرصه الشديد على تكريس هذا الخيار وتحصينه من جهة، والحفاظ على السير الطبيعي للعملية الانتخابية ومصداقيتها من جهة ثانية، إضافة إلى تفادي ما يمكن أن يشوبها من نقائص ويمس بنزاهتها وشفافيتها، ارتأى العاهل المغربي خلال خطابه السامي ليوم الأربعاء 29 يوليوز 2025 بمناسبة إحياء الذكرى 26 لتربعه على عرش المملكة المغربية، أن يكلف وزير الداخلية عبد الوفي لفتيت بالإشراف على التحضير الجيد للانتخابات التشريعية المقبلة قبل نهاية السنة، وفتح باب المشاورات مع مختلف قادة الأحزاب السياسية.

وبصرف النظر عما أثير من نقاش وتضارب الآراء حول دواعي ودلالات عدم تكليف رئيس الحكومة عزيز أخنوش بهذا المهمة على غرار كل من عبد الإله ابن كيران وسعد الدين العثماني في الحكومتين السابقتين، فإن وزير الداخلية سارع في إطار التفاعل الإيجابي مع التوجيهات الملكية السامية إلى عقد لقاء هام يوم الجمعة فاتح غشت 2025 مع الولاة والعمال وعدد من المسؤولين بالإدارة الترابية والمصالح المركزية بوزارته بحضور كبار المسؤولين العسكريين…

ثم التقى في اليوم الموالي السبت 2 غشت 2025 بقادة الأحزاب السياسية في الأغلبية والمعارضة، سواء تلك الممثلة في البرلمان أو غير الممثلة فيه، وقد عبر معظمهم عن ارتياحهم لمخرجات اللقاء التشاوري، منوهين بالمقاربة المعتمدة في المشاورات من قبل وزارة الداخلية، لكونها تشكل انطلاقة جديدة في اتجاه بلورة منظومة انتخابية عامة تعزز الثقة في العملية الديمقراطية، ومؤكدين على ما اتسمت به أجواء اللقاء من حيوية، تجسد روح الانفتاح والإرادة السياسية التي عبر عنها الملك في خطابه السامي.

ويشار في هذا الصدد إلى أن وزير الداخلية بدا أكثر حماسا لإحداث تحول ثقافي وسياسي، يكون قادرا على إقناع المواطنين بالانخراط في العملية الانتخابية ورد الاعتبار للصوت الانتخابي الحر، حيث أنه ركز خلال لقائه مع قادة وممثلي الأحزاب السياسية على مجموعة من النقط التي يمكن أن تشكل مدخلا أساسيا لإعادة بناء الثقة لدى المواطنين في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. إذ فضلا عن السهر على احترام مواعيد الانتخابات الدستورية والقانونية، هناك كذلك الحرص الشديد على تحيين اللوائح الانتخابية العامة، وضع آليات فعالة لتخليق العملية الانتخابية، تحفيز المشاركة باتخاذ عدة إجراءات مشجعة، عقلنة المشهد الحزبي والسياسي وتعزيز التمثيلية النسائية والشبابية…

بيد أن ما يثير قلق المواطنين التواقين إلى التغيير الحقيقي، هو أن ما يبديه الفاعلون السياسيون مباشرة بعد الخطب الملكية السامية من حماس في اتجاه الإصلاح، لا يلبث أن يتحول في معظم الأحيان إلى “جعجعة بدون طحين”، حيث لا تتأخر “حليمة في العودة إلى عادتها القديمة” من خلال ترشيح الفاسدين من ذوي المال والنفوذ بدل الكفاءة والاستحقاق. وإلا فأين نحن من الرسالة الملكية الموجهة للبرلمانيين بالغرفتين فيوم الأربعاء 17 يناير 2024 بمناسبة حلول الذكرى 60 لتأسيس البرلمان المغربي، التي شدد فيها العاهل المغربي على ترجيح المصالح العليا للوطن والمواطنين عوض تغليب الحسابات الشخصية والحزبية الضيقة، الرفع من جودة النخب البرلمانية والمنتخبة، وتخليق الحياة البرلمانية عبر إقرار مدونة للأخلاقيات في المؤسسة التشريعية بمجلسيها تكون ذات طابع قانوني ملزم، في الوقت الذي أصبحت سجون المملكة تعج بالمنتخبين من مختلف الأحزاب السياسية في الأغلبية والمعارضة (برلمانيون ورؤساء مجالس وجماعات ترابية)؟

إننا إذ نثمن عاليا اعتزام بلادنا تنظيم انتخابات 2026 تكون أكثر نزاهة من سابقاتها، وعدم السماح لبعض للفاسدين بالاستمرار في تمييع الحقل السياسي ومعاكسة الإرادة الملكية والشعبية، عبر تحويل الانتخابات إلى وسيلة لتكريس الفساد وشرعنته، فإننا نرفض بشدة استمرار الديمقراطية رهينة في قبضة الريع السياسي، حيث لا يمكن أن ننشد التغيير في ظل إعادة نفس الوجوه التي لم تكن في مستوى تطلعات الجماهير الشعبية، ومنح الشرعية لرموز الفساد الذين دمروا البلاد ونهبوا أموال العباد، وعلينا جميعا مواطنين وأحزاب سياسية ووسائل الإعلام وفعاليات المجتمع وغيرها، أن نسعى جاهدين إلى إنهاء مسلسل العبث، والشروع في التأسيس لمستقبل سياسي جديد ونظيف، لا مكان فيه للانتهازيين والمفسدين.