حرب الترشيحات والتزكيات تشتعل .. والمال الفاسد “يتسرب” الى الأحزاب..للكاتب الصحفي محمد بادرة
كتب ذ. محمد بادرة
التجربة الحزبية في المغرب تبقى تجربة معاقة في ظل واقع سياسي – حزبي متشرذم ومتلاش وفي ظل غياب أفق ديموقراطي حقيقي يربط ممارسة السلطة بالإرادة الشعبية. ولن ترقى التجربة الحزبية المغربية الى تحقيق التمثيلية الديموقراطية الحقة التي تعد معيار المشروعية السياسية الاّ بوجود أحزاب سياسية مستقلة قوية نظيفة حاملة لمشاريع وبرامج عاكسة لأهداف اجتماعية واقتصادية وثقافية تترجم عمليا على مستوى الواقع وتحقق التمثيلية الشعبية التي تبلورها تشريعيا وتدبيريا والتناوب على ممارستها، وليس لإنتاج الشعارات أو استهلاك الخطاب التبشيري.
أصبح من المسلم به اليوم كما بالأمس أن أغلبية الأحزاب المغربية تبقى تنظيمات غير ديموقراطية لا تمارس بين صفوفها أية ممارسة ديموقراطية داخلية حقيقية رغم كل ما تتخفى من وراءه من شعارات وأدبيات تؤكد على الاختيار الديموقراطي بل ومن غرائب صورها أنها درجت منذ وقت غير قصير على مطالبة السلطة السياسية على ضمان نزاهة الانتخابات وإرساء ركائز دولة الحق والقانون في الوقت الذي لا تحترم داخلها أية مبادئ ديموقراطية فالتزكيات والترشيحات الانتخابية في مواقع المسؤولية هي نتاج السلطة التقديرية للزعيم أولا وللقيادة الحزبية التابعة والخاضعة للزعيم ثانيا وضمن منطق العلاقات الشخصية أو النفوذ المالي والعائلي وهي أحزاب تراهن على الأعيان ورجال المال وذوي النفوذ وعلى “كرمهم” وتراهن على شبكة الوساطة في العلاقات “الاقتصادية والاجتماعية” والامتيازات الريعية التي تنسجها مع هذه الشخصيات (المالية) كحفنة انتهازية أكثر مما تراهن على منخرطيها ومناضليها بل انها تحتقر النخب السياسية المحترفة وتستبعد الكفاءات الحزبية الفاعلة في جمعيات المجتمع المدني والنقابي وتدوس على ثقافة التعاقد الأخلاقي والنضالي والمساءلة الحزبية !!!! .
هذا الواقع الحزبي المعاق يمكن أن يهدد البناء الديموقراطي العام ويحد من الممارسة الديموقراطية مما يطرح ضرورة الإصلاح السياسي والتطوير الدستوري والقانوني للأحزاب من أجل اعادة بناء مفهوم جديد للحزب يمكّن جميع المواطنين والفاعلين وكل النخب والتيارات والفئات من السعي للوصول الى المؤسسات الدستورية التمثيلية والتنفيذية وتطبيق برامجها السياسية والانتخابية عبر شرعية وثقافة المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية مع اعادة النظر في علاقة السياسي بالمجتمع وقضاياه عن طريق ردم الهوة بين العمل السياسي والعمل الجمعوي والذي تسعى بعض الجهات واللوبيات الى تمريغه في وحل القيم الدنيئة والمنحطة.
وعن التماثل الكبير بين المجال السياسي (الأحزاب) و”السوق” الانتخابية من حيث الشكل والآليات يرى الباحث الفرنسي دانييل غاكسي وكما جاء في كتابه ( الديموقراطية التمثيلية ) أن قانون “السوق السياسية” هو القانون الحاسم الذي تخضع له العملية “الديموقراطية” وهي العملية نفسها التي يرى بأنها تهدف الى الاستيلاء على مواقع سلطوية في الدولة حين يتزاحم الفاعلون السياسيون ويتصارعون من أجل الوصول الى مؤسسات الحكم التشريعية منها والتنفيذية (البرلمان – الوزارات) أو مؤسسات الحكم والتسيير على المستويين الجهوي والمحلي (المجالس والجماعات) كما أن شرط الوصول الى هذه المؤسسات يتطلب أساسا الهيمنة على السوق السياسية والتحكم فيها بكسب أصوات الناخبين الذين هم بمثابة زبائن أو مستهلكين سياسيين. وما يزكي هذه الصورة التجارية للعملية الديموقراطية الأهمية الخاصة للمال والإعلام في العمليات الانتخابية فرواج المال في هذه العملية معناه أن البائع في أمس الحاجة الى هذه البضاعة (صوت الناخب) مما يدفع هذا الاخير الى المطالبة بالأداء العيني المباشر عبر تقديم اعانات أو خدمات، كما أن الاعلام في هذه الحالة يقوم بدور تلميع البضاعة وصاحبها وتلميع صورة حاملها لضمان ممارسة الإغراء والجاذبية اللازمتين لرواج البضاعة. (محمد سبيلا)
الفساد يتسرب الى الأحزاب :
الفساد السياسي يدرج عادة ضمن لائحة المفاهيم “العائمة” التي يصعب المسك بكل أبعادها لكن آثاره في حياة الناس تبدو محسوسة ومرئية من خلال الاختلالات البنيوية والاجتماعية في توزيع الثروات والموارد أو عن طريق “التسلل” والنفاذ الى دوائر الحكم بالتزوير والفساد أو باستغلال الادارات والخدمات العامة في خدمة المصالح الشخصية ثم الشعور العام باللاعدالة والاقصاء الاجتماعي والهامشية.. ورغم أن كل الأحزاب السياسية بكل تلاوينها واتجاهاتها تتبنى من الخطابات السياسية شعار محاربة الفساد لكن هذا الشعار الناصع يحمل في طبيعته العائمة قابلية لاستخدامات سياسية وايديولوجية مختلفة بل ومتناقضة احيانا من قبيل الوعد بالتغيير والإصلاح ومحاربة اقتصاد الريع وكل مظاهر الزبونية وعلاقات الولاء والامتيازات.. لكن هذه الشعارات السياسية قد تبقى مجرد خطابات تبشيرية ودعايات اعلامية انتخابوية تنتهي مع انتهاء الحملات الانتخابية فتضر أكثر مما تنفع …
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية والجماعية تطفو على السطح مخاوف من سطوة المال السياسي الفاسد مما يفسد الحياة السياسية والبرلمانية المغربية ويحوّلها الى منصة لتحقيق مصالح فردية وشخصية… “سياسيون” يغيرون انتماءاتهم الحزبية مع كل استحقاق انتخابي مما يؤثر على المشهد الحزبي الوطني وعلى ثقة المواطن في الأحزاب وفي الانتخابات .. “هواة” السياسة يبحثون عن تزكيات للترشيح لذى أحزاب غير الأحزاب التي ينتمون اليها ويعرضون “كرمهم” على قادة هذه الاحزاب فيطفو على السطح المال الفاسد مع كل استحقاق انتخابي بالرغم من وجود سلسلة من النصوص القانونية والتشريعات والاصلاحات بما في ذلك القوانين الانتخابية وأجهزة الرقابة المكلفة بضمان نزاهة العملية الانتخابية.. ومثار القلق بالنسبة للمواطنين وكل المراقبين للشأن السياسي هو حجم وعدد المرشحين الذين انتظموا داخل الأحزاب دون أن يتوفروا على رصيد سياسي _ نضالي أو يتدرجوا عبر التسلسل القيادي من القاعدة الى الأجهزة الحزبية العليا وإنما لديهم ملاءمة مالية (فقط) ومع اقتراب كل استحقاق انتخابي “تعزز” الأحزاب السياسية المغربية صفوفها بلائحة واسعة من رجال المال والأعمال والمستثمرين والمقاولين والأعيان حتى بات المال السياسي والنفوذ (الرأسمالي) لرجال الأعمال يهددان بنية الأحزاب السياسية وهي التي كانت في السابق تعتمد على نخبة مجتمعية تنشط في العمل الجمعوي والاجتماعي والسياسي والثقافي والإعلامي ومن طبقات دنيا أو متوسطة (رجال ونساء التعليم – التجار – الفلاحون – العمال – المستخدمون – المهنيون- جامعيون…) لكن تراجعت هذه الفئات لصالح رجال المال والأعمال والأعيان لأن الحصول على المقعد البرلماني يمكنه أن يعود عليهم بمكاسب مادية وسياسية وادارية وسلطوية..
ومن باب الإشارة فانه لا يمكن تجريم المال السياسي اذا كان يسعى الى تمويل الحملات الانتخابية (وليس شراء الأصوات الانتخابية) وضمن الضوابط القانونية، وفي هذا الإطار يمكن التذكير بدور المجلس الأعلى للحسابات وهي مؤسسة دستورية تتولى مراقبة وتدقيق الحسابات المالية للأحزاب السياسية والتحقق من صحة نفقاتها ومصادر تمويلها قصد تعزيز الشفافية والحكامة الجيدة عبر فحص الدعم العمومي الممنوح للأحزاب والزامها بإرجاع المبالغ غير المستحقة. وجاء في تقرير حول تدقيق حسابات الأحزاب السياسية وفحص صحة نفقاتها برسم الدعم المالي العمومي للسنة المالية 2023 والصادر في ابريل 2025 عدد من الملاحظات ومن أبرزها:
- ادلاء 27 حزبا من أصل 33 حزبا بحساباتها السنوية من بينها خمسة حسابات خارج الأجل القانوني.
- تقديم 19 حسابا مشهودا بصحته بدون تحفظ وأربعة حسابات بتحفظ وأربعة حسابات غير مشهود بصحتها.
- نقائص تتعلق بالتدبير المحاسباتي همّت 23 حزبا تستدعي العمل على تجاوزها.
اذا كان عدد من الأحزاب السياسية المغربية فشلت في تدبير شفاف لمالية الحزب، فكيف لها أن تدير دفة البلاد بأكملها علما أن الدستور خوّل للأحزاب السياسية تأطير المواطنين كما جاء في الفصل السابع منه؟
وعندئذ يمكن فهم نظرة الاحتقار والازدراء التي يحتفظ بها الرأي العام للطبقة السياسية، وهكذا هجر الشارع السياسة لأنه رأى فيها من الخداع والمؤامرات والزيف والتزوير والمحسوبية والفساد وكل علامات الشر.. وهجرت السياسة الشارع لأنها رأت فيه ما لا قبل لها من اللامبالاة والصمت والردّة والجمود وكل مظاهر الموت السياسي !!!
ان الحرب على الفساد السياسي والمال الفاسد بقي ضمن اطار أخلاقي حيث لا يرجع الفساد الى منشئه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وإنما – فقط – الى جانبه الأخلاقي (انحراف النخب) أو الى ضعف وتقصير (ادارة الانتخابات) وهذه الآلية الوقائية والأخلاقية إنما تسعى الى تلميع صورة المؤسسات والأجهزة الإدارية والقانونية دون اعلان الحرب على بيئة الفساد.. كما أن الحرب على الفساد تجري في ظل عجز مؤسساتي وفي اضعاف مسارات دمقرطة الحرب على الفساد (منظمات المجتمع المدني المستقلة – هيئات رقابية دستورية – قوانين حماية المبلغين عن الفساد )
انه لا يمكن بناء الثقة في كثلة المقاطعين والرافضين للعملية الانتخابية، والذين يشكلون أغلبية انتخابية ما انفكت رقعتها (كثلة رقمية هائلة) تنمو وتتزايد باستمرار ويستشعرون الإحساس بالاغتراب والتهميش … لن نخرج من هذا المشهد السياسي المغربي المأزوم دون وضع حد للفساد السياسي والمال السياسي الفاسد .
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة






















