في عمق إسلام طورينو.. بعض المساجد تبني الوعي وبعض الجمعيات تقود التغيير وجالية متحدة ضد التطرف
عبد الله مشنون كاتب صحفي ومتابع للشأن السياسي مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
لم تعد مدينة طورينو بعبقها التاريخي العريق وهويتها الصناعية التي شكلت ملامح النهضة الإيطالية مجرد محطة عابرة في مسار الهجرة المغربية والعربية والإسلامية. إننا اليوم في عام 2026 نرى هذه المدينة تتحول إلى مختبر سوسيولوجي فريد وصانعة لمفهوم إسلام المواطنة في أبهى تجلياته. إن التأمل في المشهد الراهن يكشف عن تحول هيكلي عميق حيث غادر الوجود الإسلامي مساحات الهامش و مساجد الظل ليدخل برزانة وثبات إلى الفضاء العام ليس كجسم غريب يحاول التأقلم بل كشريك أصيل وفاعل في بناء النسيج الاجتماعي والثقافي للمدينة. هذا الانتقال من إسلام الضرورة إلى إسلام الاستقرار يضعنا جميعاً أمام مسؤولية تاريخية لصناعة مستقبل يجمع بين الأصالة الجوهرية والمعاصرة الواعية. وإنني، انطلاقاً من مسؤوليتي المعرفية وواجبي الأخلاقي تجاه هذه الجالية كنتُ وما زلتُ أقف موقف الناقد المستبصر فكما لا أتردد في توجيه النقد القاسي أحياناً لبعض المساجد أو الجمعيات حين يميل بها المسار أو يضعف فيها الأداء فإنني بالمقابل أجد لزاماً عليَّ من باب الإنصاف وإحقاق الحق أن نوه بكل استحسان وأشيد بكل عمل جميل يخدم الصالح العام. إن قسوتي في النقد ما هي إلا انعكاس لغيرتي على هذه الهوية وتنويهي بالإنجاز هو احتفاءٌ بالأمل الذي ننشده فبحكم معايشتي اليومية ومتابعتي الدقيقة لتفاصيل المشهد هنا في طورينو لا أبتغي إلا أن نصل إلى مرحلة يكون فيها المسلم والجالية نموذجاً للمواطن الذي يُشرّف بانتمائه بلده الأصلي ويعتز بهويته وجذوره وفي الوقت ذاته يخلص لبلده الثاني إيطاليا الذي اختار العيش فوق أرضه ليقدم صورة مشرقة عن التعايش البنّاء الذي لا يمحو الخصوصية بل يُغني المشترك الإنساني. أولاً: إن الجمعيات الثقافية والمراكز الإسلامية والمساجد المنتشرة في ربوع طورينو من بارييرا دي ميلانو إلى سان سالفاريو وميرافيوري وبقية الأحياء لم تعد مجرد جدران مخصصة لأداء الشعائر التعبدية فحسب. إننا ننظر إليها اليوم كقلاع للقيم ومؤسسات اجتماعية وتنويرية تلعب دور الوسيط الحضاري بامتياز. إن الدور المنوط بهذه المراكز الثقافية في المرحلة القادمة هو تجاوز الدور التقليدي لتصبح بيوتاً للحكمة تفتح أبوابها للمسلم وغير المسلم على حد سواء لتكون جسراً لتصحيح المفاهيم المغلوطة وتفنيد الشبهات التي قد تثار حول العقيدة والقيم. نحن نطمح إلى مأسسة هذه الفضاءات لتصبح منصات شاملة للتأطير القانوني والتربوي والنفسي والثقافي فالمسجد في طورينو يجب أن يكون المكان الذي يلتقي فيه النص الديني بمتطلبات القانون الإيطالي مما ينتج خطاباً دينياً محلياً يتفاعل مع قضايا المجتمع المحلي. إن نجاح هذه المراكز يقاس بمدى قدرتها على إنتاج مواطن مسلم طوريني يعتز بهويته الإسلامية والمغربية والعربية وفي الوقت ذاته يخلص لمدينته ومجتمعه مما يجعل من هذه المراكز صمامات أمان حقيقية ضد العزلة الاجتماعية والانغلاق الهوياتي. ثانياً:من هنا نفتح نقاشاً صريحاً ومباشراً مع شبابنا في طورينو وهم الدرع الواقي لهذه الجالية ومحرك مستقبلها لنقول لهم: إن البوصلة التي يجب أن تهتدوا بها في خضم هذه الأمواج المتلاطمة من المتغيرات الرقمية والمادية هي بوصلة الوسطية الإيجابية والمواطنة الفاعلة. إننا ندعوكم اليوم بكل محبة وإصرار ألا تكتفوا بأن تكونوا مجرد أرقام عابرة في إحصائيات السكان بل أن تطمحوا لتكونوا القيمة المضافة والرقم الصعب في سجلات الإبداع المهني والعلمي والمدني هنا في إيطاليا. إن انخراطكم الجاد والمستمر في البرامج والأنشطة التي يسهر عليها الفاعلون الجمعويون والمساجد ليس مجرد عمل تطوعي لملء وقت الفراغ بل هو ضرورة وجودية وحصانة ذاتية مسبقة تحميكم من الانزلاق نحو تيارات الانحراف الفكري أو الانحلال السلوكي أو الغلو المتطرف إن العمل الجمعوي هو المختبر الميداني الذي تُصقل فيه مواهبكم القيادية وهو الساحة التي تثبتون من خلالها أن قيم الإسلام هي قيم إعمار لا تدمير وقيم تواصل لا تقاطع. إن استقطاب الشباب نحو العمل الاجتماعي والمشاريع الهادفة هو الرهان الحقيقي الذي يجب أن تضعه كافة المؤسسات كأولوية قصوى. ثالثاً:إن جسامة التحديات الراهنة سواء تمثلت في خطابات الكراهية الخارجية أو في الانحرافات العقدية والسلوكية الداخلية تفرض علينا اليوم أكثر من أي وقت مضى حتمية لمّ الشمل وتوطيد التنسيق المؤسساتي فلم يعد في تورينو متسع للعمل الفردي المشتت أو التنافس الضيق على المكاسب الرمزية. فمواجهة الفكر المتطرف وحماية الشباب تتطلب جبهة موحدة تضم كافة المساجد والجمعيات تحت راية المصلحة العليا للجالية والمجتمع ومن هذا المنطلق ندعو بقوة إلى توحيد الجهود لدعم البرامج الاستراتيجية التي يشرف عليها الفاعلون الجمعويون المتمرسون فهذا التلاحم هو الدرع الوحيد الكفيل بقطع الطريق على المحاولات التي تهدف إلى زعزعة استقرار شبابنا أو جرهم نحو مسارات فكرية غريبة عن روح التسامح والاعتدال الأصيل. إن قوتنا في ائتلافنا وضعفنا في تشرذمنا والمستقبل لا يعترف إلا بالكيانات المنظمة والقوية. رابعاً:وفي ختام هذه الرؤية الاستشرافية نوجه رسالة واضحة مهنية ومسؤولة إلى القائمين على تدبير الشأن المحلي في بلدية طورينو وكافة المؤسسات الحكومية الإيطالية: إن دعمكم للمبادرات الرصينة والمعتدلة التي تقودها الجمعيات والمراكز الإسلامية ليس مجرد تسهيلات إدارية بل هو استثمار استراتيجي بعيد المدى في الأمن والاستقرار المجتمعي. إن تيسير سبل التعاون وفتح قنوات الدعم المادي والمعنوي للمشاريع الثقافية التربوية والرياضية التي يشرف عليها هؤلاء الفاعلون يعد الخطوة العملية الأكثر فعالية لتعزيز الاندماج الواعي ومحاربة كل أشكال التهميش التي قد تؤدي إلى الجنوح. من هنا نمد أيدينا لشراكة حقيقية تقوم على مبدأ المواطنة للجميع إيماناً منا بأن طورينو المزدهرة هي التي تحتضن تنوعها وتحوله إلى مصدر قوة عبر توفير البيئة الحاضنة للمبادرات التي تزرع قيم السلام والتعايش المشترك. إن إسلام طورينو اليوم هو أمانة في أعناق الجميع من فاعلين جمعويين وأئمة وشباب ومسؤولين إنها دعوة صادقة للعمل بروح الفريق وللتحالف ضد كل ما يهدد تماسكنا وللبناء المستمر في صرح هذا الوطن الذي يحتضننا لنكن يداً واحدة في خدمة القيم والإنسان ولتبقى طورينو نموذجاً يُحتذى به في العيش المشترك والكرامة الإنسانية.
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة






















