أخر الأخبار
الرئيسية » الارشيف » قصة,رحلة البحث عن الذات (2) عبد الرحمان الكياكي……

قصة,رحلة البحث عن الذات (2) عبد الرحمان الكياكي……

رحلة البحث
عن الذات (2) عبد الرحمان الكياكي:
     لم
يكن لدى عباس إحساس بتغير الأيام إلا بعد أن أصبح موظفا ..حمل همه وجنونه وراح
يضرب أخماسا في أسداس ..كان يظن أن الوظيفة ستحل جميع مشاكله
.. لكن لم يصلح العطار ما أفسده الدهر . يقضي النهار يحارب جهل الأطفال ، ويبيت
الليل يصارع الصمت . ومتنفسه الوحيد هو السفر الى اقرب مركز حضري
.هناك يقضي النهار يتسكع بين الأزقة والمقاهي . ويتكوم ليلا بحجرة الدرس فوق
أربع طاولات جعل منها سريرا له . ويتساءل باستمرار في صمت عن سر وجوده بعد موت أمه
(هنية
) . لقد أحس باليتم ..رحلت هنية ولم تترك
لعباس لا زادا ولا إرثا ..غير كوخ بللت طينه بدموعها
. هنية المرأة لتي قضت حياتها باحثة عن هوية مثقوبة داخل فضاء التخاريم ..ليل
أعزل ..تجاعيد زينت الخدين كمسيلات نحتتها الطبيعة في زمن الرقصة الهاربة إلى
الامتداد الأبدي . بين أزقة الصبار الضيقة تنشد هنية غياب الذاكرة
..وتغني للمطر ..وتتأمل الفضاء المسكون بتاريخ النوارس الراحلة ..وتغني أنشودة
الحضور والغياب ..وتلعن الصمت القابع على رؤوس الأهالي . لم يبق منها غير عينين
مكدودتين لمعان بريقهما يمتزج ولون الفضاء . رحلت المسكينة دون عودة عباس من هجرته
للأزقة الضيقة والطرقات الملتوية والمزروعة جنباتها بالأشواك والصبار . اخترق فضاء
المدينة المسكون بهواجس جنونية بحثا عن عمل
..وبين جدران المدينة ووسط شوارعها يدفع عربته دونما اتجاه مقصود كذرة رمل في
صحراء مهجورة (( ..منعطفات لفها بسرعة جنونية ..أضواء تمر ،وشوارع تعبر، وإسفلت
تسحقه إطارات مهووسة ..)) يمضي ولا يشعر بالتعب .أقدام حافية لا تهاب الإسفلت ،
والأرصفة ..تدوس النفايات وتصطدم بالقمامات
لماذا يضيع الإنسان بهذه السهولة ؟ الضياع مسجل بأرشيف الإنسان العربي . كانت هنية تقف مع بداية صباح كل يوم على العتبة وتنتظر قدوم ابنها ..تبكي
غيابه ، تصعد الهضبة الأمامية المطلة على الكوخ وتناجيه بصوت حزين، وعبر البراري
المقفرة والفضاء العاري يتماوج ذلك الصوت الحزين .. تتداخل الأصوات والفضاءات
ويخيل لهنية جسد عباس ممددا على التراب تلفحه حرارة شمس أغسطس الحارة ..والعرق
يتصبب من جسد أنهكته متاعب الزمن ..أو مكوم تحت رحمة برودة ليالي الشتاء ،- رغم
سخونة شمس الصيف- ..جسد يرتجف أم تحتضن ابنها ، تراقب ملامحة ، وتمسك بأنامله
الصغيرة وتداعب شعره ، وتحت ضوء الفانوس تمدده الى جانبها فوق حصير .( يلجأ السارد
الى خلاصة غير مرغوب فيها خوفا من تتمة القصة لأمر في نفس يعقوب ) . يعود عباس
بعدما شعر أنه مازال ملتصقا بالأرض التي حبا فوق أشواكها . ماتت هنية وتكلف شيخ
القبيلة بدفن الجثة وأعلن باختفائها من القبيلة بدعوى أنها مجنونة ، وسجل كل
الترتيبات ((القانونية
)) ، وهدم الكوخ ، وضم أرضه إلى فدانه المجاور للشعبة . (أخاف أن يكون
للسارد اتصال بشيخ القبيلة أو يعلم حقائق الأشياء ؟
…..