مفاتيح لقراءة رواية (سعد السعود)/ عبد الجليل لعميري /المغرب.
مفاتيح لقراءة رواية (سعد السعود)/ عبد الجليل لعميري /المغرب.
تمهيد :
تتميز بنية رواية (سعد السعود )للكاتب المغربي : عبد الرحيم الحبيبي (الصادرة عن دار أفريقيا الشرق في طبعتها الأولى سنة 2010/184 صفحة من الحجم المتوسط) ببنية يمكن تسميتها :(ببنية التناوب والتعاقب اللولبيان)، ويمكن اختزالها في الصورة الاتية :
أ/ استهلال أو بداية بعنوان “العشاء الأخير” ، نتعرف من خلاله على نبأ وفاة “سي سعيد” بطل الرواية ومراسيم الجنازة.
ب/ عرض الرواية : وهو مكون من مجموعة فصول ، معظمها معنون بأسماء شخصيات ، وعددها 24 فصلا ( 5 منها غير معنونة). وهذه الأسماء/العناوين تكررت أكثر من مرة : سي سعيد خمس مرات ، بنت الشهبة اربع مرات ،ولد الطرشة و نعينيعة وابو هريرة ثلاث مرات ،وجانيت مرة واحدة.
ج/ خاتمة او نهاية تحت عنوان :” كتاب الموتى”.
كما تميزت هذه البنية بلعبة حكائية طريفة يلعب فيها السارد دور التأطير العام للحكاية (حكاية سي سعيد) ، والتي يتم تقديمها عبر أصوات الشخصيات : بنت الشهبة ،ابو هريرة ،ولد الطرشة ،انعينيعة ، وجانيت..هذه الشخصيات نسائية ورجالية مقربة من البطل سعيد.وتقوم الشخصيات المشار اليها بالتناوب على الحكي عبر رابط أساسي هو صوت السارد المشخص ، وفي تعاقبها وتبادلها لأدوار الحكي تنمو الحكاية بشكل لولبي تصاعدي ، وتصبح صورة “سي سعيد” أكثر وضوحا وجلاء وكأنها بقعة معتمة تسلط عليها الأضواء من كل الزوايا. يضاف الى هذا وسائل أخرى لترميم سيرة سي سعيد ، أهمها :ألبوم الصور ، الرسائل ، الجرائد …
* مفتاح الشخصية :
“لا سرد بدون شخصية ” هي مقولة نقدية مناسبة للحديث عن رواية (سعد السعود) ، فهي رواية الشخصية بامتياز،وكما لاحظنا في بنيتها فبؤرة الحكي هي شخصية (سي سعيد)،وبهذا نستطيع القول بأنها “رواية البطولة الفردية” ذات البعد الإشكالي ،فالرواية تقدم لنا البطل بطريقة مركبة تتداخل فيها الإبعاد السلبية بالأبعاد الايجابية :
الخائن/المناضل الوطني ،الماجن/السوي ،زير نساء/مخلص،المتهور/المسؤول …تقدمه لنا في تناقضاته ومفارقاته انطلاقا من اسمه وهويته الجنسية ، مرورا بدوره في المقاومة ، وعلاقته الملبسة بالفرنسيين وبجانيت وبنت الشهبة ، وصولا الى تضحياته ودوره في المقاومة ،وتغييبه من ذاكرة النضال المحلية بمدينة اسفي والوطن عامة..
انها شخصية متنامية ، يفوح منها نبض التاريخ والواقع ،وليست جاهزة منمطة، وتلك مزية تحتسب للرواية..ولكن في نفس الوقت فان هذه الشخصية تحمل رمزية كبيرة لقراءة التاريخ المغربي المعاصر بغض النظر عن كونها معادلا موضوعيا لشخص واقعي له وجود حقيقي ؟.
والرواية تحمل رسالة الى من يهمهم الأمر : ضرورة إعادة كتابة تاريخنا الحديث ، ورد الاعتبار للمقاومين الحقيقيين الذين غيبتهم ظروف غامضة كما كان حال “سي سعيد”.
ان “سي سعيد” بطل إشكالي لأنه ظل (يبحث عن قيم أصيلة او نبيلة في مجتمع منهار او فاسد). عاش المفارقات بوعي ثقافي وسياسي حادين ، كما تبرز ذلك رسائل جانيت اليه ( ص.ص:120 وما بعدها و 134وما بعدها..).انه شخصية مشعة داخل نسيج الحكي ، ولا وجود لهذه الرواية بدون سي سعيد انطلاقا من العنوان (سعد السعود ) الى اخر كلمة في الفصل الأخير…
*مفتاح الزمن :
الزمن عنصر سردي أساسي في الكتابة الروائية ، وهو مفتاح ضروري لقراءة (سعد السعود) ، فهو حاضر بجميع أنواعه : الزمن السردي ، الزمن النفسي ، وخصوصا الزمن التاريخي الحاضر بثقله في ثنايا الرواية : زمن الحماية والاستعمار ، زمن المقاومة والاستقلال ، وزمن الانتخابات والقرن العشرين،بالإضافة الى اعتماد وثائق تاريخية ( 3 كتب تاريخية/ ص 184).
فهل رواية “سعد السعود ” رواية تاريخية ؟
بمقاييس (والتر سكوت) ، وبالاحتكام الى تجربة (جرجي زيدان) وغيره ، فانها تقع خارج حدود الرواية التاريخية ،ولكنها تستوحي التاريخ والتاريخي ، لانها تشتغل على جزء من تاريخ مدينة اسفي ، وبذلك فانها تنتمي الى مقولة عبد الرحمن منيف :(الرواية تاريخ من لا تاريخ لهم…).
فزمنها الخارجي والموضوعي مشدود الى إطار تاريخي يحيل على على حالة المغرب المعاصر ، لكنها سرديا تنبني على تقنية الاسترجاع او التذكر(فلاش باك) بشكل أساسي ، لأنها تقنية مسعفة في ترميم “حكاية سي سعيد” واستدعاء تفاصيلها ولملمتها عبر ذاكرات الشخصيات الخمس . ولكن هذا لا يعني غياب أزمنة سردية داخلية أخرى ،أهمها : زمن الترهين ، الذي يساعد في تكسير رتابة خطية الاسترجاع ، والرواية تجسده من خلل الحوارات المتعددة التي أجراها السارد مع تلك الشخصيات الخمس لبناء حكاية سي سعيد ، ليجعلنا نتابع معه الأحداث بشكل مشهدي من خلل مشاهد وجلسات الحوار.وهذا يحقق تنوعا وتنويعا في الزمن ويغني الرواية.
*مفتاح المكان :
يقول هنري ميتران في كتابه ” عالم الرواية”:( لا رواية بدون مكان) ،اذ يجعل منه عنصرا سرديا ضروريا لبناء أحداث كل رواية . والأماكن في رواية ( سعد السعود) متنوعة ، أهمها مدينة أسفي كإطار جغرافي وهندسي عام للحكاية ،مع الإشارة أحيانا الى إطار عام هو الوطن/المغرب ، مع حضور فرنسا كمكان مرتبط بالاستعمار وجانيت. وداخل أسفي يتم التوقف عند أماكن أساسية ارتبطت بها أحداث مهمة داخل الرواية ، مثل : السوينية ،الشاطئ ، الحانوت ، بيت بنت الشهبة ، المعمل …وهي أماكن تسعفنا على الاطلاع على حياة البطل سي سعيد ، وتحولاتها المتقلبة..
ولكن ما اثار انتباهي هي بعض الأماكن غير المألوفة مثل :
1/ الألبوم : حيث تصبح الصورة مكانا رمزيا ، منه تنبثق الحكاية ، وعبره يتم الربط بين الماضي والحاضر ( ص.ص : 16/77/82).
2/ الجرائد : اذ تصبح الصفحة مكانا إيحائيا شاهدا على التاريخ العام للوطن ( ص.ص :33/141).
3/ الرسائل :تصبح الصفحة أيضا مكانا شاهدا على التاريخ العاطفي الشخصي “لسي سعيد”(ص 120 وما بعدها..).إنها أماكن غير مألوفة لأنها تفتقد للبعد الهندسي المادي اللصيق بكل مكان ،ولكنها لا تخلو من البعد الفضائي الرمزي والذي يعرفنا بجانب من جوانب شخصية البطل ، سواء من خلال تاريخها الشخصي او العام.
* على سبيل الختم :
الخروج من عالم الحكاية يشبه الصدمة ، فنهاية الحكي موت للقراءة (يذكرنا هذا بشهرزاد التي ترتبط حياتها الليلية بالحكي)، ولكن لإطالة عمر حالة التلقي يمكن طرح أسئلة للنقاش :
+ التباس السارد والكاتب في هذه الرواية ، كما يظهر ذلك النصان التاليان :
أ/ ( تذكرت حينئذ قصة الحب التي جمعتها بالسي سعيد ، كما سمعتها من عدة رواة ، استيقظت في دواخلي هواجس البحث والتحري التي يشترك فيها الروائي مع المحقق القضائي…/ص :51).
ب/( هذه المرة اشعر بأنني مذنب ، وعن سبق إصرار وترصد اقتحم خلوة السي سعيد لأعرف أسراره ،وبواطنه ، حتى ولو كان قصدي شريفا ، أن الملم هذه المحكيات في عمل روائي وأجعل منها نصا متعاليا على التاريخ والزمن والأتي…/ ص :104).
هذا الاتباس يضعف الموقع الفني للسارد المشخص ، المعتمد على الرؤية المصاحبة ، ويخرق المسافة بينه وبين المؤلف الحقيقي( جامعا او خالطا بين السير ذاتي والتخييل الذاتي).
+ تداخل لغة الشخصية والسارد (الملتبس بالكاتب) ، ويتجسد هذا في معظم الفصول ، حيث نلاحظ تقاربا كبيرا بين وعي الشخصيات من خلل لغتها ووعي السارد /المؤلف من خلال لغته ، رغم تفاوت الوعي الثقافي بينهما . فمن المفروض ان يعبر نعينيعة بلغة مخالف للغة بنت الشهبة او السارد …
+ معجم الحب ومعجم الحرب : لماذا يستعمل بشكل لافت معجم الحرب للتعبير عن حالات الحرب ؟
+ المرأة الغربية والرجل الشرقي : من المألوف في روايات عربية سابقة وجود علاقة الرجل الشرقي بالمرأة الغربية(قنديل ام هاشم/موسم الهجرة الى الشمال /الحي اللاتيني…)، ولكن العلاقة هنا مقلوبة : فلماذا امرأة الشمال تأتي الى رجل الجنوب؟
+ لماذا لم يعنون الكاتب بعض فصول الرواية(5 فصول) كما فعل في معظمها ؟
مأخود عن الديار اللبناية…..
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة



















