اكتم ما
بي يدوم التكتم ولكنه هم به القلب مفعم
بني وطني إن الشعوب وأهلها
قد استيقظت طرا وانتم نوم
هو الوطن المحبوب يرجو من أهله
سماعا لشكواه وأهله انتم
مضى زمن الجهل الذميم زمانه
وهذا زمان آن فيه التعلم
فبالعلم سارت في السماء ركابها وقد أسرجوا متن الرياح وألجموا
وبالعلم إن كانوا جلوسا بمشرق وفي الغرب من يبغي الكلام تكلموا؟
أتاكم زمان يطلب العلم منكم يجد فان لم تطلبوا العلم
تندموا
وما لي أرى هذي العوائد أنها إذا تركت في الجسم لاشك تعدم
اشدخ رؤوس كلما حان موسم
ونهش أفاع نهشهن محرم
إليكم بني الأوطان أشكو صنيعكم ولم اشك إلا منكم و إليكم
ولا ارتجي فردا سواكم لنصرتي فمن حرب أنصار العوائد صمموا
ولا تبخسوا بالله قدر حقوقكم بني المغرب الأقصى فانتم انتم
شاعر
الحمراء
مقدمة
شهد
المجتمع العربي خلال نهاية القرن التاسع عشر، جملة من التحولات الاجتماعية
والتاريخية بعد انبثاق الوعي الديني والقومي، كما أشار إلى ذلك الأستاذ محمد الكتاني
في نصه”انبعاث الشعر العربي”.وكل ذلك تم في إطار الإجابة على سؤال
النهضة ،الذي لامس واقع التخلف عند الأمة العربية ،و لان الأدب جزء من واقع الأمة
فانه رافد من روافد التغيير ،لهذا تساءل الأدباء عن أسباب تدهور
وانحطاط”ديوان العرب “،فجاءت حركة الإحياء للنهوض بالأدب ،وخصوصا الشعر،
وعملت على إنقاذه من الإسفاف والضحالة، وذلك بالعودة إلى الماضي الشعري الذهبي
،واستيحاء خصائص القصيدة التقليدية مضمونا وشكلا،حيث أعادت القصيدة الكلاسيكية إنتاج
الإغراض التقليدية من فخر ومدح وهجاء وغزل ورثاء ،كما احتفت بالقيم الاجتماعية
القديمة مثل الشاعرية والفروسية والمروءة والكرم بالإضافة إلى رد الاعتبار للنزعة
البيانية على حساب البديع مع الالتزام بنظام العروض الخليلي.
وقد ساهم في هذه الحركة مجموعة من الشعراء العرب بالمشرق
والمغرب على رأسهم”سامي البارودي”وأمير الشعراء “احمد
شوقي”وشاعر النيل”حافظ إبراهيم”وعميد الكلاسيكية”ألجواهري”وساهم
المغاربة ،وان بشكل متأخر في هذا التيار الأدبي، مثل تجارب”علال
الفاسي”و’محمد الحلوي’و*محمد بن براهيم *الملقب بشاعر الحمراء ،والذي مزج بين
الفكاهة والجد في شعره، كما كتب في مواضيع تقليدية، معتمدا في ذلك على ثقافته
التقليدية واطلاعه على ذخائر الثقافة العربية.
فالى أي حد يجسد محمد بن براهيم روح الاحياء في
قصيدته”الاصلاح”؟
من خلال ملاحظتنا لعنوان القصيدة”الإصلاح”الدال
على نزعة إحيائية هي الدعوة إلى: النهوض والتخلص مما هو’إفساد’ و’فساد’، وبالتوقف
عند اسم الشاعر باعتباره من الوجوه الإحيائية في المغرب ،وبتأمل شكل القصيدة
المبني على العمودية المتجسدة في التناظر والتشطير ووحدة الروي(ميمية)،نستنتج أن
القصيدة تنتمي إلى خطاب الإحياء.فهل يؤكد مضمونها هذا الافتراض؟
إن الشاعر ينتقد”بني وطنه”،ويدعوهم الي التخلص من
مظاهر الانحطاط من: جهل وخرافة وتعلق بالعادات البائدة، ويقترح عليهم العلم كبديل
عن تخلفهم،كما يقارن حالهم بحال غيرهم من أمم امتلكت المعرفة والعلم فسادت وحكمت
العالم والطبيعة.
وبهذا نلاحظ أن النص يخترقه محوران،أولهما :دال على
الجهل والتخلف ويرتبط بالمغاربة، وثانيهما: مرتبط بغيرهم(الآخر)ويقصد بهم أهل
الغرب(أوربا).ويتميز المضمون بطابعه ألانتقادي ،مما يجعله اقرب إلى غرض الهجاء،وهذا
مظهر إحيائي, كما انه يقوم على العودة إلى قيم أخلاقية اجتماعية دينية قديمة، أهمها
:حب العلم ونبذ الجهل( على الأقل عندما كانت الحضارة العربية الإسلامية قوية),وهذا
مظهر ثان للإحياء.
فماذا سيتحقق على مستوى المعجم؟
يمكن تقسيم النص إلى حقلين دلالين، أولهما :دال على
الجهل والتخلف,ونمثل له بالألفاظ التالية:”(بني وطني,نوم,معاناة الوطن,الجهل
الذميم,المشرق,عدم طلب العلم,العوائد,شدخ الرؤوس,نهش الأفاعي أنصار العوائد…).وأما
ثانيهما فيدل على العلم ونمثل له بالألفاظ التالية:”(الشعوب,استيقظت,التعلم,العلم,التحكم
في الطبيعة,بني المغرب الأقصى,الله,الحق,انتم…)
ونلاحظ نوعا من التساوي بين الحقلين ،لكنه تساو مبني على
الصراع بين قطبي ثنائية:”(الجهل/العلم)،مع ميل الشاعر إلى العلم،بحيث ذكره في
معظم أبيات القصيدة ، فجعله بذلك جوهر دعوته باختار عنوان :”الإصلاح”،
الذي لا يتم إلا بالعلم.وتتميز مفردات النص بطابع العتاقة(مفعم/العوائد/صنيع…)
وهذا من امتدادات القصيدة العربية القديمة.
هذا على مستوى المعجم فماذا سيتحقق على مستوى
التركيب؟
أول ما نلاحظه على مستوى التركيب النحوي هو استعمال خاص
لبعض الضمائر ،نذكر منها :”ضمير المخاطب المرتبط ببني قومه(المغاربة/خمسة عشر
مرة)، ويدل على مدى تركيز الشاعر على المخاطب لتنبيهه والتأثير فيه ،ولجعله يقتنع
بدعوته الإصلاحية(التخلص من الجهل بالعلم). وأما الضمير الثاني فهو الغائب الذي
يعود على الآخرين(أهل العلم/ثمان مرات), والغياب هنا يرسم مسافة بعد بين الشاعر
وهؤلاء، في حين الخطاب يجعله قريبا من بني قومه كمخاطبين,فالشاعر لايهمه الآخرون
بقدر ما يهمه أهله وحالهم ومصيرهم.
أما على مستوى التركيب البلاغي ،أي التصوير الفني ،فان
الشاعر اعتمد بعض الأساليب المحدودة المألوفة في البلاغة القديمة,بحيث جعل
“الوطن يشكو” و” الجهل ذميما”,كما انه شخص ‘الريح’ فجعلها
كفرس’يسرج و يلجم’ وجعل ‘الزمن يطلب العلم’ من المغاربة.وهي أساليب لا تخرج عن
مجال المجاز وخصوصا الاستعارة منه.لكن المظهر الأوضح في النص هو النزعة الخطابية
التي تقوم على المباشرة بهدف التأثير في المتلقي المفترض(أهل المغرب), بحكم أن
القصيدة تهدف إلى التوعية والدعوة للإصلاح كما سبقت الإشارة ،وهنا يزاوج الشاعر
بين توظيف الصورة الشعرية بهدف التزيين وتأكيد ارتباطه بنموذج القصيدة القديمة من
جهة، وبين إلحاح الواقع المعاصر الذي تفرضه الوضعية التاريخية للمغاربة(حالة
التخلف).يضاف إلى ما سبق مزج الشاعر بين الإخبار و الإنشاء، فهو حين يصف حالة
التخلف يوظف جملا خبرية ،وهذا هو السائد في معظم الأبيات، لكنه يوظف الإنشاء من
خلال النداء(بني) والأمر (تكلموا) والاستفهام الاستنكاري(ب10/ب11) لتنويع الأساليب
وتحقيق التواصل عبر التنبيه والاستنكار… وعلى العموم فلغة القصيدة تطغى عليها
المباشرة بسبب طبيعة الموضوع السياسية والفكرية.
اذا كان هذا على مستوى التركيب فماذا قدمت
القصيدة على مستوى الايقاع؟
يمكن الحديث عن نوعين من الإيقاع في هذا النص، مثل باقي
النصوص الشعرية، أولهما: الإيقاع الداخلي، وثانيهما :الايقاع الخارجي. أما النوع الأول
فيتجسد من خلال التوظيف الجزئي لظاهرة التوازي بين الابيات(ب5/ب6/ب7) ،وهو تواز
نسبي يحقق جرسا موسيقيا داخليا ،والجناس النسبي بين جملة من الكلمات خاصة في
الاضرب(آخر كلمات الأبيات) ،بالإضافة إلى تكرار بعض الكلمات(العلم-التعلم…).
ويعد النوع الثاني الأهم في النص، بحيث اعتمد الشاعر
نظام العروض الخليلي ،وذلك يظهر من خلال وجود ظاهرة التصريع في البيت الأول(التكتم/منعم)
،بالإضافة إلى مظهر العمودية:(التناظر والتشطير) ،ووحدة الروي(ميمية)،أما القافية
فهي موحدة مطلقة على وزن(فاعلن) ،مع وحدة البحر(الطويل)، ويتأكد بذلك التزام
الشاعر بالعروض الخليلي وهذااحد أهم مظاهر قصيدة الإحياء.
بعد توقفنا عند أهم مستويات قصيدة “الإصلاح”
نستخلص :ان الشاعر التقط قضية حضارية هي التخلف، وجعل منها موضوعا لنصه، وذلك مظهر
تجديد ،أما مظاهر التقليد فهي :تتجسد من خلال توظيف روح الهجاء كغرض تقليدي في
النص، وتوظيف جزئي لألفاظ عتيقة، بالإضافة إلى اعتماد آلية التصوير البلاغي
القديم(المجاز) مع الالتزام بقوانين العروض الخليلي، فجاءت القصيدة بذلك نموذجا إحيائيا
مرتبطا بالواقع(التخلف) وبالماضي (الأساليب والشكل) .
فهل القصيدة ثمثل تجربة الشاعرابن براهيم خصوصا والتجربة الاحيائية
المغربية عموما؟
**ملاحظة
هذا المقترح هو للاستئناس وقابل للتنقيح والتطوير…
إعداد عبد
الجليل لعميري