أخر الأخبار
الرئيسية » اخبار » حديث الأربعاء..للكاتب عزيز لعويسي

حديث الأربعاء..للكاتب عزيز لعويسي

 

– بقلم : عزيز لعويسي

يصعب كشف النقاب عن الزيارة الأخيرة للرئيس الفرنسي للجزائر وما أحاط بها من كواليس وما ترتب عنها من قرارات ونتائج، في ظل هيمنة لغة التعتيم والكتمان، عدا ما تناقلته مختلف وسائل الإعلام من تصريحات وأخبار، لكن بالمقابل، يمكن أخذ فكرة أو ربما أفكارا عن “الغلة” التي جناها ماكرون فرنسا من البستان الجزائري، من خلال توجيه البوصلة كاملة نحو لقطة عصية على الفهم والإدراك، كان مخرجها الفذ، الزعيم الفرنسي ماكرون، الذي سرق أضواء الإعلام، وهو يمرر أو يلامس بيده، “مؤخرة” الرئيس الجزائري، الذي اكتفى بتقبل التمريرات واللمسات على مضض، دون أن يبدي أية ممانعة أو اعتراض.

ماكرون أنهى “المهمة” بنجاح وربما بنشوة ونخوة، عبر عنها بإشارة بالعين عبارة عن “غمزة”، التقطتها عدسات الكاميرا مباشرة، وهذا التصرف “الغريب” و”الفريد”، بدا للمتتبعين بما يشبه “حالة تسلل” واضحة، أقدم عليها “اللاعب ماكرون”، توحي أنه سجل “الهدف” بل “أهدافا” حاسمة في المرمى الجزائري، في وقت اكتفى فيه “الكابتن” الجزائري، بالملاحظة والمتابعة والتأمل.

“غمزة” ماكرون، وما سبقها من مداعبة ولمس، معناها أنه أبلى البلاء الحسن في الميدان الجزائري، ونال ما أراد من غنيمة غازية وصفقات استثمارية تسيل اللعاب، مقابل تقديم حزمة من الوعود المعسولة التي بدون شك، ذاب جليدها بمجرد أن غادرت الطائرة الفرنسية أجواء الجزائر العاصمة، أما “كابتن” المنتخب المحلي ومن معه، فلم يجن إلا “الخضوع” و”الانبطاح” و”التنازل”، لأنه عديم “الخطط”، إلا خطة الرهان على اللاعب المهاري “ماكرون” لسرقة نصر دبلوماسي وهمي، يغطي على الهزائم والخيبات، ويمنح جرعات عديمة الفائدة، من شأنها خدمة عقيدة العداء الخالد للمغرب ووحدته الترابية.

لاعب مثل ماكرون، ما كان له أن يسجل أهدافا حاسمة من حالات تسلل في المرمى الجزائري، وما كان يستطيع أو يقوى على التمادي في التعامل بمراوغات “الاستعلاء” و”الاستقواء” و”الابتزاز”، لتسجيل ما يتوق له من أهداف حاسمة وأحيانا قاسية بالنسبة لنا، لولا نظام جارة السوء، الذي لم يعد يجد حرجا، في “الانبطاح” لماكرون وأمثاله، ولم يعد يجد عيبا، في هدر الخيرات واستنزاف القدرات، لمعاداة المغرب والمساس بوحدته الترابية، وهو بذلك، يجهز على حقنا المشروع – نحن الشعوب المغاربية والعربية – في الأمن والاستقرار والوحدة والبناء والنماء، ويمنح أكثر من فرصة للأعداء الخارجيين، للتربص بنا وابتزازنا والاستقواء علينا.

العيب ليس في “ماكرون” ولافي غيره من رؤساء أوربا وأمريكا، العيب فينا نحن العرب، لأننا نصر على ضرب بعضنا البعض، ونتنافس في إشهار سلاح التفرقة والتشرذم والانفصال في وجه بعضنا البعض، ونتسابق في السر والعلن، لنضع أيدينا في أيدي الأعداء المتربصين بنا، لنجهز على بعضنا البعض، وبهذه التصرفات القدرة والعادات القبيحة، سيبقى “ملعبنا” نحن العرب، هدفا للاعبين الكبار من أمثال ماكرون، الذين يزدادون بتهورنا وشتاتنا وعنادنا، قوة ونفوذا واستقواء، ونزداد نحن “هونا” و”ضعفا” و”خيبة”، وستبقى “شباكنا”، تتلقى الأهداف القاتلة، لأننا لا نتقن اللعب بخطة التسلل، ليس لأننا لا نفقه خطط لغة التكتيك، ولكن لأننا أو على الأقل بعض لاعبينا “أغبياء” و”جبناء” و”أنانيين”… لذلك، ليس غريبا، أن يتجرأ ماكرون على المؤخرة، ويداعبها من وراء حجاب، بدون خجل أو حياء، وليس غريبا، أن ننبطح أو نتنازل نحن العرب، ونحن أصحاب ثروات وخيرات…

بإمكاننا أن نغير قواعد اللعب، ونكسر أسلوب لعب اللاعبين الكبار المتربصين بنا، ونتصدى لخططهم القدرة، بجنوحنا نحو الوحدة والتكتل والاندماج، لأننا نمتلك كل أسباب وشروط القوة والاستقلالية، من موارد بشرية وطبيعية على جانب كبير من الغنى والثراء، ومن قواسم مشتركة يتقاطع فيها الدين واللغة والتاريخ والجغرافيا والمصير المشترك، حينها نتحكم في رقعة اللعب وندحرج الكرة بين أقدامنا بحرفية وأناقة واتزان، ونرمي بها في الاتجاهات التي تخدم مصالحنا القومية المشتركة، ونسجل بها الأهداف المشروعة في شباك غيرنا، بدون الوقوع في “حالة التسلل” أو في حالة  “قلة الحيا” التي صدرت عن ماكرون، وهو يلامس مؤخرة رئيس دولة، بلغ من العمر عثيا، كان يفترض أن يتم التعامل معه بما يليق به من احترام ووقار وتقدير، لعل وعسى يكون التصرف المراهقاتي الماكروني، “درسا” و”عبرة” لمن سعى ويسعى إلى زرع الدسائس وإثارة الفتن والنعرات، ويصر على إضعاف الموقف العربي، في محيط جيواستراتيجي إقليمي ودولي، لا يؤمن إلا بلغة التكتل ومفردات المصالح …ماكرون الذي فعل “فعلته” التاريخية بالجزائر، ربما وضع في مذكرته، موضوع القيام بزيارة مماثلة للمغرب، في لحظة تمر فيها العلاقات بين الرباط وباريس من أزمة صامتة، تعكس في مجملها ما بات يعتري “ماما فرنسا” من مشاعر “عدم الرضى” و”القلق” و”التوجس”، بعدما وسع المغرب من دائرة الشركاء وانخرط بحكمة وتبصر في شراكات استراتيجية متعددة الزوايا، يرى فيها الفرنسيون تهديدا لمصالحهم الاقتصادية بالمغرب، وفي أفق الزيارة المرتقبة – إذا ما تحققت على أرض الواقع – لابد أن يغير ماكرون فرنسا، الخطة التي لعب بها في الملعب الجزائري، وأن يتقبل بروح رياضية أن “مغرب اليوم، ليس كمغرب الأمس”، وأن يلتقط إشارات خطاب 20 غشت، الذي أكد من خلاله جلالة الملك محمد السادس، أن “ملف الصحراء، هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط الذي يقيس به صدق العلاقات ونجاعة الشراكات”، وقبل هذا وذاك، أن يستخلص الدروس الممكنة من دول أوربية وازنة من قبيل إسبانيا وألمانيا وهولندا، التي اختارت طريق الوضوح والمكاشفة والمسؤولية في تعاملها مع قضية الصحراء المغربية.

وعليه فالدولة الفرنسية باتت اليوم، مطالبة بل وملزمة بالخروج من المنطقة الرمادية أو الضبابية، التي طالما مارست من خلالها “الابتزاز الحقير” على المغرب، سعيا وراء تسجيل أهداف مصلحية في المرمى المغربي، واستعجال الإعلان عن مواقف أكثر وضوح ومكاشفة بخصوص مغربية الصحراء على غرار الموقف التاريخي الأمريكي والإسباني، حينها يمكن أن تتوفر الشروط الواقعية والموضوعية، التي من شأنها ليس فقط، تذويب جليد الأزمة الصامتة القائمة بين الرباط وباريس، بل والدفع في اتجاه بناء شراكة استراتيجية جديدة مع المغرب، مبنية على الاحترام التام والكامل للسيادة الكاملة للمغرب على كافة ترابه في إطار حدوده “الحقة”، ومرتكزة على قواعد المسؤولية والوضوح والمكاشفة والمصداقية والمصالح المتبادلة، بعيـدا عن خطط “النفاق” و”المراوغة” و”المؤامرة” و”الضغط” و”الابتزاز” و”المساومة”…، ومهما قيل أو ما يمكن أن يقال، فالمغرب في صحرائه، والصحراء في مغربها، رغم كيد الكائدين وحسد الحاسدين.

ولايمكن أن نختم المقال، دون الإشارة إلى أن زيارة ماكرون فرنسا للجزائر، وازتها فضيحة “قيس تونس” الذي استقبل زعيم انفصاليي البوليساريو استقبال الرؤساء بمناسبة انعقاد مؤتمر “تيكاد 8″، وهذا التصرف الاستفزازي إن دل على شيء، فإنما يدل أن “طبخة” ما، طبخها ماكرون أثناء مقامه بالجزائر، لإدخال تونس إلى خندق الانفصال على غرار الجزائر، بشكل يوحي ببـروز حلف ثنائي جزائري تونسي برعاية فرنسية، ضد المغرب ومصالحه العليا، وهذا يفرض على المغرب الحيطة والحذر من تحركات ومناورات فرنسا بالمنطقة المغاربية، مع الحرص كل الحرص على تقوية الجبهة الداخلية، والمضي قدما في اتجاه إرساء شراكات استراتيجية مع الشركاء “التقليديين” و”الجدد” الذين عبروا عن مواقف واضحة ومسؤولة بخصوص مغربيــة الصحراء، في انتظار أن تكشف “ماما فرنسا” عما تخفيه من نوايا ومواقف.