عودة احتجاجات الكرامة والعدالة الاجتماعية! للكاتب الصحفي اسماعيل الحلوتي
بقلم اسماعيل الحلوتي
لم يمر كثير من الوقت على تعيين حكومة عزيز أخنوش رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار الذي وعد المغاربة بحياة أفضل، حتى انطلق مسلسل الإضرابات والاحتجاجات الشعبية في مختلف القطاعات بجميع جهات المملكة، بسبب موجة غلاء الأسعار المتصاعدة إن على مستوى المحروقات، التي عرفت زيادات قياسية غير مسبوقة، أو على مستوى باقي المواد الأساسية والغذائية الواسعة الاستهلاك، ناهيك عن تفشي الفساد، ارتفاع معدلات الفقر والبطالة والهدر المدرسي، وتدني مستوى الخدمات في قطاعي التعليم والصحة وغيرهما، واتساع رقعة الفوارق الاجتماعية والمجالية…
إذ رغم ما حققه المغرب من إنجازات في التنمية البشرية وتوسيع البنيات الأساسية، واحتلاله الريادة في قطاعي الطاقة المتجددة وصناعة السيارات، فإن تقارير المندوبية السامية للتخطيط طالما كشفت عن معطيات صادمة، مؤكدة أن ثمار التنمية لا تتوزع بشكل عادل على سائر الفئات والمجالات، وإلا ما كان للعاهل المغربي محمد السادس أن يعرب عن عدم رضاه في أكثر من مناسبة، وكان آخرها ما جاء في خطابه السامي يوم 29 يوليوز 2025 بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لاعتلائه العرش، حيث قال: “لن أكون راضيا، مهما بلغ مستوى التنمية الاقتصادية والبنيات التحتية، إذا لم تساهم بشكل ملموس في تحسين ظروف عيش المواطنين، من كل الفئات الاجتماعية، وفي جميع المناطق والجهات”
ولم يقف جلالته في ذات الخطاب عند حدود ذلك، بل أضاف قائلا: ” مع الأسف، ما تزال هناك بعض المناطق، لاسيما في العالم القروي، تعاني من مظاهر الفقر والهشاشة، بسبب النقص في البنيات التحتية والمرافق الأساسية. وهو ما لا يتماشى مع تصورنا لمغرب اليوم، ولا مع جهودنا في سبيل تعزيز التنمية الاجتماعية، وتحقيق العدالة المجالية. فلا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين”
فلا نعتقد أن هناك من وصف لحال المغرب اليوم أبلغ مما جاء في الخطاب عن سيره بسرعتين، وهو ما اعتبره الكثير من الخبراء والمهتمين بالشأن العام اعترافا صريحا بوجود تفاوتات جغرافية في التنمية بين المناطق، مما يستدعي إطلاق جيل جديد من مبادرات التنمية المجالية، للقضاء على الفجوات القائمة بين مختلف المناطق والجهات، عبر تعزيز الجهوية المتقدمة والتوزيع العادل للثروات، والحد من معدل البطالة وضمان الحماية الاجتماعية للمواطنين كافة دون تمييز أو استثناء.
ورغم أنه لم يمض سوى شهر واحد على انتفاضة الكرامة والعدالة المجالية، لساكنة منطقة آيت بوكماز، التي نظمت مسيرة احتجاجية حاشدة سيرا على الأقدام في اتجاه ولاية الجهة بمدينة بني ملال، التي شارك فيها مئات الأشخاص من مختلف الأعمار، احتجاجا على ما يعانون من إقصاء وتهميش، ويطالبون بحقهم في التنمية، وطبيب رئيسي بالمركز الصحي وفك العزلة من خلال توسيع الطريق نحو إقليم أزيلال وتغطية الدواوير بشبكة الهاتف والإنترنت وبناء ملعب لكرة القدم.
فإن ما زاد في تأجيج نيران الغضب واستفزاز المواطنين والرفع من حدة التوتر الشعبي في عدد من المدن المغربية، التنديد بتردي الوضع الصحي في المراكز الاستشفائية وتدني مستوى الخدمات، مما اضطر معه وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي إلى القيام برحلات مكوكية نحو عديد المستشفيات العمومية بمختلف الجهات، وإقدامه على اتخاذ قرارات الإعفاء في حق عدة مسؤولين في وزارته من مدراء ومندوبين وغيرهم…
هو إصرار رئيس الحكومة عزيز أخنوش فإبان الحوار التلفزي الذي بث يوم الأربعاء 10 شتنبر 2025 بالقناتين العموميتين الأولى والثانية في وقت واحد، على محاولة إقناع المواطنين بأن حصيلة حكومته خلال الأربع سنوات الماضية وعلى بعد سنة واحدة من نهاية عمرها، تعد “حصيلة إيجابية وملموسة” وادعاؤه أمام آلاف المشاهدين بأن التحالف الحكومي الثلاثي حقق من الإنجازات ما لم تسبقه إليه الحكومات السابقة، مما استفز مشاعر المغاربة في ظل تردي الأوضاع وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
والملاحظ أنه في ظل تراجع دور المركزيات النقابية والأحزاب السياسية في التأطير، لم يعد المواطنون في حاجة إلى انتظار دعواتها للخروج إلى الشارع من أجل التظاهر والاحتجاج على تردي الأوضاع الاجتماعية، بل أصبحت التنسيقيات الوطنية ومواقع التواصل الاجتماعي كفيلة بذلك. وفي هذا الإطار، وعلى غرار “حركة 20 فبراير” ظهرت حركة شبابية ناشطة رقميا تحت اسم “جيل زد 212″، دعت إلى خروج المواطنات والمواطنين وخاصة فئة الشباب يومي السبت والأحد 27/28 شتنبر 2025 لإسماع صوتهم، من خلال المطالبة بإصلاح منظومتي التعليم والصحة، إسقاط الفساد، التشغيل، الكرامة والعدالة الاجتماعية والمجالية، غير أنها اصطدمت بتدخل أمني قوي، مما أسفر عن وتوقيف عشرات المشاركين في مختلف المدن، رغم الطابع السلمي للاحتجاجات والاحترام التام للدستور والمواثيق الدولية والقوانين التي تضمن الحق في التظاهر السلمي وحرية التعبير.
إن احتجاجات “حركة زد 212” وما تخللها من اعتقالا تعسفية، يعد بمثابة جرس إنذار لتنبيه أصحاب القرار إلى ما وصلت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية من تدهور، ويحمل حكومة أخنوش المسؤولية الكاملة لعدم قدرتها على الحد من منسوب الاحتقان الشعبي المتزايد، علما أن الفصل 31 من الدستور ينص على: “تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة من الحق في العلاج والعناية الصحية، التعليم والسكن اللائق والعمل والعيش الكريم” فهل تنجح الحكومة في نزع فتيل الاحتجاجات قبل انفجار الأوضاع؟
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة






















