أخر الأخبار
الرئيسية » اخبار » خارطة طريق ما بعد خطاب 10 أكتوبر بالبرلمان المغربي.

خارطة طريق ما بعد خطاب 10 أكتوبر بالبرلمان المغربي.

بقلم مصطفى فاكر الشماعية
أحيانا لا أدري هل أضحك أم أبكي و أنا أتابع ردود فعل الشباب في الفايسبوك على الخطاب الملكي الأخير،فهناك من كان يظن أن خطاب الملك سيتطرق إلى إسقاط الحكومة أو على الاقل لتعديل حكومي أو إلى حل البرلمان،وهناك من كان يعتقد أن الملك سيتوجه مباشرة إلى الاحتجاجات التي يقودها شباب مجهولي التنظيم،لاهذا و لاذاك حصل،و الذين كانوا ينتظرون شفاء الغليل و يعتقدون أن الملك وحده بيده حل كل المشكلات المجتعية ،لا يفرقون بين الخطاب الملكي الموجه بصفة مباشرة إلى الشعب المغربي ،وبين خطب إفتتاح الدورة التشريعية الخريفية التي هي مؤطرة بالدستور المغربي 2011الذي يلقى أمام ممثلي الامة.
في المغرب هناك دستور و مؤسسات تنظم العلاقة بينها،والملك في هذا السياق لا يخاطب العواطف ،بل يوجه رسائل سياسية و دستورية دقيقة إلى البرلمان و إلى الحكومة.إن من ينتظر من الخطاب رد فعل عاطفيا أو قرارا فوريا،فهو ببساطة لم يفهم بعد كيف تسير الدولة ولا حدود المؤسسة الملكية و صلاحيتها.
 الخطاب كان واضحا و دعوة صريحة للحكومة والبرلمانيين،بل للمعارضة أيضا وتذكير بأن الوقت يمر،و أن المشاريع لا تقاس بالوعود بل بالنتائج،فهناك دعوة إلى الالتزام و الجدية وإلى أفعال لا أقوال و إلى أن تكون المؤسسات في مستوى تطلعات المغاربة،لافي سبات سياسي موسمي.
الخطاب الملكي حمل المسؤولية للجميع،فالحكومة مطالبة بتسريع تنزيل ورش الاصلاح و التنمية،والبرلمان مدعو للقيام بدوره في المراقبة و المحاسبة ،و المعارضة مطالبة بالإقتراح لا بالعويل و الصراخ.
الملك لا يصدر قرارات تنفيذية،لكنه يرسم خارطة طريق و الاتجاه ويضبط البوصلة،والذين ينتظرون من الملك أن يقول لهم ما يحبون سماعه لا يقرأون مابين السطور.
باختصار الخطاب لم يكن مجرد كلام،بل مرآة للدولة و مؤسساتها،فيه إشادة بالمنجزات و انتقاد قوي للتراخي و البطء،ودعوة إلى إعادة التنسيق و الانسجام بين مؤسسات الدولة و المجتمع.
جاء الخطاب ليؤكد انتصار دولة المؤسسات في انسجام تام مع مبدإ فصل السلط و احترام اختصاص كل مؤسسة كما يحدده الدستور2011 دون أي تجاوز أو تطاول أو تداخل في الصلاحيات،غير أن الخيط الناظم لهذا التوجه هو الديمقراطية الانتخابية باعتبارها الاساس في تقوية الشرعية السياسية.
الخطاب الملكي الذي وجهه الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح الدورة الاولى من السنة التشريعية الخامسة للولاية التشريعية الحادية عشر،يرسم معالم مرحلة جديدة و يدعو إلى تكثيف الجهود بروح من المسؤولية و الجدية اللازمة خلال ما تبقى من هذه الولاية ،و بضرورة تسريع وتيرة تنزيل المشاريع و البرامج التنموية ،وعلى تحقيق التكافل بينها،لأن الغاية من وراء ذلك هو تنمية البلاد وتحسين ظروف عيش المواطن في القرى و الحواضر. كما أكد على البعد الإنساني و الاجتماعي في التعاطي مع المشاريع المهيكلة من خلال دعوة جميع المؤسسات إلى الانخراط الايجابي في الدفاع عن القضايا الكبرى للوطن.
قد يقول قائل:إن الملك تجاهل مطالب المحتجين،ولم يشر الى الاحتجاجات.إن الخطاب الملكي الذي ألقاه جلالته أمام مجلسي الأمة لايعد مجاملة سياسية ،بل يعكس انسجامه مع الرؤية الاستراتيجية للمرحلة المقبلة خصوصا فيما يتعلق بتعزيز الثقة في المؤسسات الدستورية المنتخبة وتجديد النقاش حول القضايا الوطنية الكبرى.
الخطاب الملكي تضمن رسائل واضحة حول أولويات الإصلاح و التنمية وهو ما يضع الاحزاب السياسية أمام مسؤولية الانخراط في مسار بناء إجماع وطني حول البرامج و المشاريع الحيوية،مع الاخذ بعين الاعتبار توجيهات الملك كمؤسسة ضامنة للإستقرار و التوازن السياسي،وهو يعكس صورة الاحزاب كفاعل سياسي مسؤول و مشارك في العملية التشريعية خصوصا في ظل توقعات بإطلاق مبادرات جديدة على عدة مستويات،و إعادة ترتيب الاولويات الوطنية بما ينسجم و التوجهات الملكية.