تاريخ مدينة الشماعية :الجزء الخامس — بناء الشماعية الحديثة (1938/1941)
موقع المنار توداي…أندري هاردي المراقب المدني بالشماعية..14/06/2017/..
يقدم لكم موقع “المنار توداي” مجموعة من
المقالات التي تتناول تاريخ مدينة الشماعية، وهي نصوص مستقاة من مصادر مختلفة
ونغتنم هذه المناسبة لتحية كتاب هذه النصوص أو مترجميها وشكرهم جزيل الشكر
المقالات التي تتناول تاريخ مدينة الشماعية، وهي نصوص مستقاة من مصادر مختلفة
ونغتنم هذه المناسبة لتحية كتاب هذه النصوص أو مترجميها وشكرهم جزيل الشكر
|
تــرجـمــة الــجـزء الـمـخـصـص لـلـشـمـاعـية فـي كتاب “سيدي الحاكـم” للـمراقب الـمدنـي أنــدري هـاردي
|
|
|
أندري هاردي André Hardy
(1908/1980) بـعـد حصوله على شهادة عليا في الأدب وفي اللغة الأمازيغية وفي ادارة “الأهالي”، عين مراقب مدني بالمغرب حيث اشتغل في كل من مدن بركان، سلا، الشماعية (1938/1941) ثم الدارالبيضاء. غادر المغرب سنة 1957. |
لـن أطـيـل الـحـديـث عـن إجــراءات
تـعـيـيـنـي الـمـُعـقـدة – شيئا ما –
بـسـبـب الـوضـع الإداري للـشـمـاعـيـة الـتـابـعـة للـمـنـطـقـة
الـعـسـكـريـة لـمـراكـش لـكـن تـحـت إشــراف الـسـلـطـة الـتـرابـيـة
الـمـدنـيـة لآسـفـي لـتـواجـدهـا بـيـن
هـاتـيـن الـمـديـنـتـيـن (عـلـى بـعـد 90 كـيـلـومـتـر مـن مـراكـش و60 مـن
آسـفـي). ولـقـد ألـح رئـيـس الـسـلـطـة الـتـرابـيـة عـلى تـقـديـمـي لـرؤسـاء
الأهـالي بـحـضـور وفـد مـن الـفـرسـان حـتـي يـضفـي عـلى هـذه الـمـراسـيـم
طـابـعـا رسـمـيـا. ومـا أن انـصـرف حــتى بـقـيـت وحـيـدا اللـهـم مـن صـحـبـة
نـائـبـي الـمـتـقـدم فـي الـسـن وهــو نـائـب مـراقـب – على وشك التقاعد – لــم يـعـد يـنـتـابـه أي طمـوح منذ زمان.
تـعـيـيـنـي الـمـُعـقـدة – شيئا ما –
بـسـبـب الـوضـع الإداري للـشـمـاعـيـة الـتـابـعـة للـمـنـطـقـة
الـعـسـكـريـة لـمـراكـش لـكـن تـحـت إشــراف الـسـلـطـة الـتـرابـيـة
الـمـدنـيـة لآسـفـي لـتـواجـدهـا بـيـن
هـاتـيـن الـمـديـنـتـيـن (عـلـى بـعـد 90 كـيـلـومـتـر مـن مـراكـش و60 مـن
آسـفـي). ولـقـد ألـح رئـيـس الـسـلـطـة الـتـرابـيـة عـلى تـقـديـمـي لـرؤسـاء
الأهـالي بـحـضـور وفـد مـن الـفـرسـان حـتـي يـضفـي عـلى هـذه الـمـراسـيـم
طـابـعـا رسـمـيـا. ومـا أن انـصـرف حــتى بـقـيـت وحـيـدا اللـهـم مـن صـحـبـة
نـائـبـي الـمـتـقـدم فـي الـسـن وهــو نـائـب مـراقـب – على وشك التقاعد – لــم يـعـد يـنـتـابـه أي طمـوح منذ زمان.
قـبـيـلـة
احـمـر
احـمـر
والــحـال أن الـمـهـام الـمُـخـولـة إلـي
كـانـت جـسـيـمـة: مـنـطـقـة نـفـوذ مـمـتـدة عـلى طـول 60 كـيـلـومـتـر
تـقـريــبـا، يـعـبـرهـا الـمـحـور الـطرقـي مـراكـش / آسـفي شـمـالا والـمـحـور
الـطـرقـي مـراكـش / الـصـويـرة جـنـوبـا حـيـث يـحــدهــا واد تـانـسـيـفـت. لـم
تـكـن الـمـنـطـقـة جـبـلـيـة بـل كـانـت هـنـاك مـجـمـوعـة كـتـل من
الـتـلال الـهـشـة مـن بـيـنـهـا تلك الـمـتـواجــدة شـرقـا والمـُـكـوِنـة
لـطـبـقـات فـوسـفـاط لـويـس جـانـتـي (الـيـوسـفـيـة).
كـانـت جـسـيـمـة: مـنـطـقـة نـفـوذ مـمـتـدة عـلى طـول 60 كـيـلـومـتـر
تـقـريــبـا، يـعـبـرهـا الـمـحـور الـطرقـي مـراكـش / آسـفي شـمـالا والـمـحـور
الـطـرقـي مـراكـش / الـصـويـرة جـنـوبـا حـيـث يـحــدهــا واد تـانـسـيـفـت. لـم
تـكـن الـمـنـطـقـة جـبـلـيـة بـل كـانـت هـنـاك مـجـمـوعـة كـتـل من
الـتـلال الـهـشـة مـن بـيـنـهـا تلك الـمـتـواجــدة شـرقـا والمـُـكـوِنـة
لـطـبـقـات فـوسـفـاط لـويـس جـانـتـي (الـيـوسـفـيـة).
وعـلـى مـقـربـة مـن “عـاصـمـتـي”( الـتـي كـان كـل فـرنـســيـيـهـا مـوظـفـيـن – بـاسـتـثـنـاء مــالك الـمـطـعـم
الـمـحـلـي –) كـانـت تــتـواجـد بـحـيـرة زيـمـة، الـمـُـسـتـغَـلـة كـمـلاحــة،
والـمـحـاطـة بـأراضي تـشـوبـهـا
الـمـلـوحـة. وقـد كـانـت مـيـاه الــمـركز الـتـي تـدرها الـمـضـخـات
الـهـوائـيـة عـلـى عـمـق 60 مـتـرا، أجـاجـة بـدورهـا مـمـا كـان يُـحـتـّـِم
حـمـل الـسـجـناء عـلى جـلـب الـمـيـاه الـعـذبـة فـي دلاء مـن أمـاكـن تـبـعـد
بـكـيـلـومـتـريـن.
كـان عـدد الـسـاكـنـة
الـمـغربـيـة بـأحـمـر يـزيـد عـادة عـلـى 000 90 ألـف، لـكـن إبـان تـعـيـيـني تـقـلـص عـددهـا بـمـا يـربـو عـن الـثـلـث مـن جـراء
الـهـجـرة الـقـويـة الـمـزمـنـة لـسـكـان الـجـنـوب الـفـاريـن مـن الـمـجـاعـة
ومـن وبـاء “الـتـيـفـوس” بـِـيـدَ أنـه بـزوال الـوبـاء وتـحـسـن
الـحـالـة، شـوهـد تـراجـع تـدريـجـي للـسـكـان الـفـاريـن مـن قــُراهم.
الـمـغربـيـة بـأحـمـر يـزيـد عـادة عـلـى 000 90 ألـف، لـكـن إبـان تـعـيـيـني تـقـلـص عـددهـا بـمـا يـربـو عـن الـثـلـث مـن جـراء
الـهـجـرة الـقـويـة الـمـزمـنـة لـسـكـان الـجـنـوب الـفـاريـن مـن الـمـجـاعـة
ومـن وبـاء “الـتـيـفـوس” بـِـيـدَ أنـه بـزوال الـوبـاء وتـحـسـن
الـحـالـة، شـوهـد تـراجـع تـدريـجـي للـسـكـان الـفـاريـن مـن قــُراهم.
إن سـكـان
“أحــمـر” لا يـمـثـلـون قـبـيـلـة بالـمـعـنى الـحـقـيـقـي للـكـلـمـة
بـل تـجـمّـُـع مـن “الـفـخـدات” الـعـربـيـة وهــم رجــال جـد أفـظـاظ لـكـن بـدون خـبـث أو شــر إذا حــسُـــن تــأطـيـرهـم.
وقـد كـانـوا مـقـسـمـيـن عـلى قـيـادتـيـن مـتـداخـلـيـن بـطـريـقـة غـريـبــة :
فـي الـوسـط تـتـواجـد زرارات الـقـائـد الـطـيـمـومـي في حـيـن أن زرارارت
الـقـائـد بـلـكـوش كـانـت تـلـف قـيـادة الـطـيـمـومـي ، مُشـَـكّـِـلـَـة ً
شـمـالا وجـنـوبـا مـجـمـوعـتـيـن يـجـمـعـهـما شـرقا شـريـط أرضـي بـمـا يـشـبـه
“الـمِـزوَد” الـمـزدوج الـذي يـحـمـلـه الـفـرسـان.
“أحــمـر” لا يـمـثـلـون قـبـيـلـة بالـمـعـنى الـحـقـيـقـي للـكـلـمـة
بـل تـجـمّـُـع مـن “الـفـخـدات” الـعـربـيـة وهــم رجــال جـد أفـظـاظ لـكـن بـدون خـبـث أو شــر إذا حــسُـــن تــأطـيـرهـم.
وقـد كـانـوا مـقـسـمـيـن عـلى قـيـادتـيـن مـتـداخـلـيـن بـطـريـقـة غـريـبــة :
فـي الـوسـط تـتـواجـد زرارات الـقـائـد الـطـيـمـومـي في حـيـن أن زرارارت
الـقـائـد بـلـكـوش كـانـت تـلـف قـيـادة الـطـيـمـومـي ، مُشـَـكّـِـلـَـة ً
شـمـالا وجـنـوبـا مـجـمـوعـتـيـن يـجـمـعـهـما شـرقا شـريـط أرضـي بـمـا يـشـبـه
“الـمِـزوَد” الـمـزدوج الـذي يـحـمـلـه الـفـرسـان.
أحـوال
الـشـمـاعـيـة مـقـارنـة مـع أحــوال لــوي جـانـتـي [الـيـوسـفـيـة]
الـشـمـاعـيـة مـقـارنـة مـع أحــوال لــوي جـانـتـي [الـيـوسـفـيـة]
كانت مدينة
“لويس جانتي” (20 كيلومتر شمال الشماعية) تمثل دولة داخل دولتي
وهي مــجــال المكتب الشريف للفوسفاط الذي كان
يسحقني بغناه والذي كان يصعب تجنب الخلافات المتعلقة بصراع
النفوذ معه رغم العلاقات الودية التي كانت تجمعنا بممثليه. فقد كان المهندس، رئيس
مصلحة الإنتاج، الآمر الناهي الوحيد بعد الله، يميل إلى الاعتقاد بأنه المالك
للأرض والعقار والساكنة التي كانت مكونة في مجملها من عمال الفوسفاط وأهاليهم.كانت
لويس جانتي تتمتع بكل ما يساهم في رفاهية الحياة: الماء الصالح للشرب، الكهرباء،
المتاجر، المسبح، الكنيسة، المستشفى، الملاعب الرياضية، الجولات الموسيقية، كل هذا
كان للفوسفاط.
“لويس جانتي” (
وهي مــجــال المكتب الشريف للفوسفاط الذي كان
يسحقني بغناه والذي كان يصعب تجنب الخلافات المتعلقة بصراع
النفوذ معه رغم العلاقات الودية التي كانت تجمعنا بممثليه. فقد كان المهندس، رئيس
مصلحة الإنتاج، الآمر الناهي الوحيد بعد الله، يميل إلى الاعتقاد بأنه المالك
للأرض والعقار والساكنة التي كانت مكونة في مجملها من عمال الفوسفاط وأهاليهم.كانت
لويس جانتي تتمتع بكل ما يساهم في رفاهية الحياة: الماء الصالح للشرب، الكهرباء،
المتاجر، المسبح، الكنيسة، المستشفى، الملاعب الرياضية، الجولات الموسيقية، كل هذا
كان للفوسفاط.
أما الشماعية، فلم تكن تملك سوى تربتها الحمراء
ودورها الحجرية أو الترابية ومساحات من شجر الفلفل الهجين « le faux
poivrier » استلزمت عند
غرسها في أرض صخرية استعمال الديناميت من طرف سلفي الأسبق ، وهو مهندس زراعي مكث
سبعة سنوات على رأس هذا البلد الفقير الذي تعلق به كما تعلقت به بدوري.
ودورها الحجرية أو الترابية ومساحات من شجر الفلفل الهجين « le faux
poivrier » استلزمت عند
غرسها في أرض صخرية استعمال الديناميت من طرف سلفي الأسبق ، وهو مهندس زراعي مكث
سبعة سنوات على رأس هذا البلد الفقير الذي تعلق به كما تعلقت به بدوري.
فإذا استثـنينا تشغيل العمال
بمدينة لويس جانتي أو تشغيلهم المحدود
حتما بملاحة زيمة، لم يكن للأهالي من مورد سوى الفلاحة وتربية المواشي الرهينـيـن
بشدة بالتساقطات المطرية غير الكافية وغير المنتظمة. وقد يحدث – مرة كل عقد – أن تعرف المنطقة تهاطل أمطار مهمة (375 مليمتر
بصفة منتظمة)، حينها ينعم الفلاح بمنتوج
هائل وتنمو قطائع أغنامه. أما إذا توالت سنوات الجفاف، فان الرجال والبهائم
يتعرضون للمجاعات والأوبئة مما يدفعهم للفرار نحو الشمال حيث تترقبهم الإجراءات
الوقائية لأقاليم البلد الأخرى. وكثيرا
مـا عـانى الـمـغـرب من شدة هذا المد والجزر ( هجرة / هجرة معاكسة) إلا أن توفرت للإدارة الإمكانيات المادية
والمالية الكفيلة بإغاثة السكان المعوزين واللقاحات ومبيدات الحشرات الجديدة التي
مكنتها من القضاء على التيفوس المهول.
بمدينة لويس جانتي أو تشغيلهم المحدود
حتما بملاحة زيمة، لم يكن للأهالي من مورد سوى الفلاحة وتربية المواشي الرهينـيـن
بشدة بالتساقطات المطرية غير الكافية وغير المنتظمة. وقد يحدث – مرة كل عقد – أن تعرف المنطقة تهاطل أمطار مهمة (375 مليمتر
بصفة منتظمة)، حينها ينعم الفلاح بمنتوج
هائل وتنمو قطائع أغنامه. أما إذا توالت سنوات الجفاف، فان الرجال والبهائم
يتعرضون للمجاعات والأوبئة مما يدفعهم للفرار نحو الشمال حيث تترقبهم الإجراءات
الوقائية لأقاليم البلد الأخرى. وكثيرا
مـا عـانى الـمـغـرب من شدة هذا المد والجزر ( هجرة / هجرة معاكسة) إلا أن توفرت للإدارة الإمكانيات المادية
والمالية الكفيلة بإغاثة السكان المعوزين واللقاحات ومبيدات الحشرات الجديدة التي
مكنتها من القضاء على التيفوس المهول.
وبالطبع، لم تتم عملية الاستيطان ببلد بهذه
المواصفات والثلاث أو الأربع مـعـمـريــن الذين تجرؤوا بالاستقرار كانوا أشبه بمغامرين
منهم بملاك عقارات ومزارع. والسؤال
الذي يتعين طرحه هو الآتي:
المواصفات والثلاث أو الأربع مـعـمـريــن الذين تجرؤوا بالاستقرار كانوا أشبه بمغامرين
منهم بملاك عقارات ومزارع. والسؤال
الذي يتعين طرحه هو الآتي:
ما طبيعة إمكانات العمل التي
كانت متاحة في مواجهة هاته الظروف الكارثية ؟
كانت متاحة في مواجهة هاته الظروف الكارثية ؟
امـكـانـات الـعـمـل بـأحـمـر ووضـعـهـا
الإداري
الإداري
طبعا، كانت هـنـاك الشركة الفلاحية للأهالي ) (S.I Paysannat مؤازَرة بالمنظمة الجهوية للتعاونيات
الفلاحية للأهالي وكفى. كان بالإمكان اللجوء لقسط وافر من الميزانية الخاصة لفتح
أوراش عمل قمينة بإسداء خدمات جليلة غير أن الإجراءات التنظيمية كانت قد اتخذت قبل
تنصيبي مما أتاح لرئيس السلطة الترابية لآسفي إمكانية توزيع الميزانية الخاصة على هواه والاستفادة من أكبر
قسط منها لأشغال مدينته. أما الجزء الهزيل المتخلى عنه لمـُـلحقتي، فقد كان يوكله
لمصلحة الأشغال العمومية في شخص ممثلها
الذي كان مجرد مدبر أشغال والذي كان علينا مفاوضـتـه.
الفلاحية للأهالي وكفى. كان بالإمكان اللجوء لقسط وافر من الميزانية الخاصة لفتح
أوراش عمل قمينة بإسداء خدمات جليلة غير أن الإجراءات التنظيمية كانت قد اتخذت قبل
تنصيبي مما أتاح لرئيس السلطة الترابية لآسفي إمكانية توزيع الميزانية الخاصة على هواه والاستفادة من أكبر
قسط منها لأشغال مدينته. أما الجزء الهزيل المتخلى عنه لمـُـلحقتي، فقد كان يوكله
لمصلحة الأشغال العمومية في شخص ممثلها
الذي كان مجرد مدبر أشغال والذي كان علينا مفاوضـتـه.
وبديهي أن تتقاطر علينا شكايات عدد هائل من
السكان وكثيرا ما كنا مضطرين لمعالجتها ليلا تحت الأضواء الخافتة للقناديل الزيتية
أو ملزمين – بسبب مساحة الملحقة الشاسعة- بالقيام بجولات طويلة ومتكررة عبر المحور
الطرقي (سيدي بنور / شيشاوة) وذلك أيام الأسواق : الأحد بالنسبة للويس جانتي،
الجمعة إضافة لجلسة أخرى بالنسبة للشماعية. وهناك طبعا عشرة أسواق أخرى بالضاحية
يتعين زيارتهـا كلما أتيحت الفرصة.
السكان وكثيرا ما كنا مضطرين لمعالجتها ليلا تحت الأضواء الخافتة للقناديل الزيتية
أو ملزمين – بسبب مساحة الملحقة الشاسعة- بالقيام بجولات طويلة ومتكررة عبر المحور
الطرقي (سيدي بنور / شيشاوة) وذلك أيام الأسواق : الأحد بالنسبة للويس جانتي،
الجمعة إضافة لجلسة أخرى بالنسبة للشماعية. وهناك طبعا عشرة أسواق أخرى بالضاحية
يتعين زيارتهـا كلما أتيحت الفرصة.
لقد كان الـوضع الإداري لقيادتي في منتهى الغرابة:
كان القائد المـسـمـى الطـيـمـومي
– صديق فرنسا الوفي – قد مات قبل وصولي بعد أن أخذ وعدا من سلفي
بتولية ابنه؛ وحيث أن هذا الأخير – الذي سبق وأن تعلم بالمدرسة الفرنسية بالشماعية
– كان يافعا ورخوا فقد تعذر الوفاء بالوعد فورا فأسندت لعمه مهمة “الوصاية على
القيادة” وكان هذا العم ” ٌشيخ جدير بالتقدير” مما خلق وضعا مزيفا.
– صديق فرنسا الوفي – قد مات قبل وصولي بعد أن أخذ وعدا من سلفي
بتولية ابنه؛ وحيث أن هذا الأخير – الذي سبق وأن تعلم بالمدرسة الفرنسية بالشماعية
– كان يافعا ورخوا فقد تعذر الوفاء بالوعد فورا فأسندت لعمه مهمة “الوصاية على
القيادة” وكان هذا العم ” ٌشيخ جدير بالتقدير” مما خلق وضعا مزيفا.
أما القائد بلكوش ، فلقد كان مغامر طائش قبل
أن ينقلب إلى الـورع وكان ذا مظهر جليل ، بلحيته البيضاء الطويلة وقامته الفارعة ، غير أنه كان متقلب الأطوار ، عنيد
كالبغل ، يصعب مناورته . وحيث كان طموحي إعادة هيكلة دائرتي بجعلها ثلاث قيادات مرتبة من
الشمال إلى الجنوب حول مراكز لويس جانتي والشماعية فسيدي شيكر، فقد كان عليً
انتظار وفاة القائد بلكوش التي لم تحدث إلا بعد سنوات طويلة.
أن ينقلب إلى الـورع وكان ذا مظهر جليل ، بلحيته البيضاء الطويلة وقامته الفارعة ، غير أنه كان متقلب الأطوار ، عنيد
كالبغل ، يصعب مناورته . وحيث كان طموحي إعادة هيكلة دائرتي بجعلها ثلاث قيادات مرتبة من
الشمال إلى الجنوب حول مراكز لويس جانتي والشماعية فسيدي شيكر، فقد كان عليً
انتظار وفاة القائد بلكوش التي لم تحدث إلا بعد سنوات طويلة.
ولحسن الحظ ، فـقـد أتـيـحـت لي بُـعيد تـنصيبي حظوة استقبال نائبا
لي يلائمني وهــو خريج آخر دفعة للمراقبين المدنيين، من
أولائك الشباب الذين يشعرونك فورا بالارتياح والذين يفهمون بالهمس مقاصد رؤسائهم
ولا يتلكئون عند تطبيقها على أرض الواقع. وأول شيء بادرت به معه هو تغيير معالم
القرية التي كانت عاصمتي.
لي يلائمني وهــو خريج آخر دفعة للمراقبين المدنيين، من
أولائك الشباب الذين يشعرونك فورا بالارتياح والذين يفهمون بالهمس مقاصد رؤسائهم
ولا يتلكئون عند تطبيقها على أرض الواقع. وأول شيء بادرت به معه هو تغيير معالم
القرية التي كانت عاصمتي.
وضــع الـتـعـمـيـر
قبل
عهد الحماية، لم تكن الشماعية سوى نقطة على الخريطة، لا
تجسدها على أرض الواقع سوى ثلاث دواوير من
حجر . لم أكن بتاتا في ” بلد الأراضي الخصبة” :
عهد الحماية، لم تكن الشماعية سوى نقطة على الخريطة، لا
تجسدها على أرض الواقع سوى ثلاث دواوير من
حجر . لم أكن بتاتا في ” بلد الأراضي الخصبة” :
يـُـشَـيّــِـد السكان هنا دورا محاطة بزرائب
رحبة ذات سطوح من تراب مدكوك وهي السطوح التي قد تـُمثـل خطرا على الساكنة، فالأمطار، على
قـِــلـّـتها، تكون أحيانا عنيفة مما يزيد السطوح ثـقـلا فـتـقـع على الـدور بل
تهلك السكان أحيانا.
رحبة ذات سطوح من تراب مدكوك وهي السطوح التي قد تـُمثـل خطرا على الساكنة، فالأمطار، على
قـِــلـّـتها، تكون أحيانا عنيفة مما يزيد السطوح ثـقـلا فـتـقـع على الـدور بل
تهلك السكان أحيانا.
بين هذه الدواوير، وضع سلفي – المهندس
الزراعي- تصميما للمركز الجديد وقد صممه أسـاسـا كتجزئة لصالح الموظفين: هناك ممر
مرتبط بطريق مراكش/آسفي (والتي لم تكن
آنذاك سوى شطر من المسلك الرئيسي للملحقة) ، ممر يؤدي إلى الدائرة وعلى جَـنَـبيه
تتواجد المدرسة وسكنى المعلم ، والقابض ، ومراقب ضريبة الترتيب، وأعوان الدائرة ،
ونائب المراقب المدني فقاعة التطبيب.
الزراعي- تصميما للمركز الجديد وقد صممه أسـاسـا كتجزئة لصالح الموظفين: هناك ممر
مرتبط بطريق مراكش/آسفي (والتي لم تكن
آنذاك سوى شطر من المسلك الرئيسي للملحقة) ، ممر يؤدي إلى الدائرة وعلى جَـنَـبيه
تتواجد المدرسة وسكنى المعلم ، والقابض ، ومراقب ضريبة الترتيب، وأعوان الدائرة ،
ونائب المراقب المدني فقاعة التطبيب.
لم تكن الأرض ذات قيمة: كانت كل دار محاطة ببستان فسيح غير قابل مع الأسف لاحتواء أغراس اللهم من
بعض الأشجار التي يمكن سقيها بالماء الأجاج كـ”الفلفل الهجين” أو
الميموزة أو الأوكلبتوس. أما فيما يخص الخضر ، فكانت تهلك مهما زدناها
سقيا بمياه آبارنا الشحيحة.
بعض الأشجار التي يمكن سقيها بالماء الأجاج كـ”الفلفل الهجين” أو
الميموزة أو الأوكلبتوس. أما فيما يخص الخضر ، فكانت تهلك مهما زدناها
سقيا بمياه آبارنا الشحيحة.
تـنـظـيـم حــي الـسـويـقـة
إن ما بدا لي صـادم في تعمير
سلفي الساذج هو تجاهله للمغاربة. لذا قررت، بمساعدة زميلي الشاب، إعطاء فرصة لأحدى
الدواوير الأكثر اتساعا ، والأجود تصميما على حساب الدوارين الباقيين فبدون اتخاذ أي إجراء قسري ، أقـنعنا بعض الملاك المتضررين من آثار
التهاطلات المطرية العنيفة المعتادة بتشييد سكناهم تبعا لرؤانا. ففي الدوار
المنتقى، الذي كنا بصدد مسحه طـُـبوغرافيا، احتفظنا عموما على نفس التصفيف وبـأنـاة حملنا سكان الجوار على تحويل أسوار دورهم طبقا
لتصميمنا، مما حرر أراضي مـُـنـحت مجانا لملاكين جدد. وهكذا أمكن تهيئة منطقة
تجارية محاطة بأقواس شـُـيّـِـدت من قـِبل بنائي الدائرة بتمويل مشترك بين السلطة
وأصحاب الدكاكين. كما تم بناء مقهى تقليدي ومـُـنـح كالمعتاد لأحد قدماء المحاربين
المغاربة.وقد كنت محظوظا – وهذا أمر فريد يستدعي الذكر- إذ أن خلفائي قد انتهجوا
سبيلي فأصبحت الشماعية سنة 1956 قرية عدد سكانها 2000 نسمة. وسأذكر في باب آخر كيف
قـُـدر أن يـُـعهد لي من جديد بمصير هذا البلد.
سلفي الساذج هو تجاهله للمغاربة. لذا قررت، بمساعدة زميلي الشاب، إعطاء فرصة لأحدى
الدواوير الأكثر اتساعا ، والأجود تصميما على حساب الدوارين الباقيين فبدون اتخاذ أي إجراء قسري ، أقـنعنا بعض الملاك المتضررين من آثار
التهاطلات المطرية العنيفة المعتادة بتشييد سكناهم تبعا لرؤانا. ففي الدوار
المنتقى، الذي كنا بصدد مسحه طـُـبوغرافيا، احتفظنا عموما على نفس التصفيف وبـأنـاة حملنا سكان الجوار على تحويل أسوار دورهم طبقا
لتصميمنا، مما حرر أراضي مـُـنـحت مجانا لملاكين جدد. وهكذا أمكن تهيئة منطقة
تجارية محاطة بأقواس شـُـيّـِـدت من قـِبل بنائي الدائرة بتمويل مشترك بين السلطة
وأصحاب الدكاكين. كما تم بناء مقهى تقليدي ومـُـنـح كالمعتاد لأحد قدماء المحاربين
المغاربة.وقد كنت محظوظا – وهذا أمر فريد يستدعي الذكر- إذ أن خلفائي قد انتهجوا
سبيلي فأصبحت الشماعية سنة 1956 قرية عدد سكانها 2000 نسمة. وسأذكر في باب آخر كيف
قـُـدر أن يـُـعهد لي من جديد بمصير هذا البلد.
الـتـعـلـيـم
في ميدان التعليم، ارتـُـكـب
نفس الخطأ الذي اقتـُـرف في ميدان التعمير. لقد تم تجهيز المركز بمدرسة أوربية كان
كل تلاميذها من أبناء الموظفين وقد كان عددهم محدودا لدرجة أن كان لكل عملية تنقل
في سلك الموظفين تأثيرا سلبيا على سير العملية التربوية، وفي المقابل لم تحظ
الأعداد العديدة من صغار المسلمين بأي شيء. وقد تمكنت بدون كبير عناء من إغلاق
المدرسة الأوربية وتخصيص بنايتها لمدرسة فرنسية- إسلامية (كان يرتادها طبعا صغار
الفرنسيين) وهي المدرسة التي سريعا ما تطورت لتصبح داخلية قروية، ذات تعليم موجه لـتـلقــُـن الفلاحة.
نفس الخطأ الذي اقتـُـرف في ميدان التعمير. لقد تم تجهيز المركز بمدرسة أوربية كان
كل تلاميذها من أبناء الموظفين وقد كان عددهم محدودا لدرجة أن كان لكل عملية تنقل
في سلك الموظفين تأثيرا سلبيا على سير العملية التربوية، وفي المقابل لم تحظ
الأعداد العديدة من صغار المسلمين بأي شيء. وقد تمكنت بدون كبير عناء من إغلاق
المدرسة الأوربية وتخصيص بنايتها لمدرسة فرنسية- إسلامية (كان يرتادها طبعا صغار
الفرنسيين) وهي المدرسة التي سريعا ما تطورت لتصبح داخلية قروية، ذات تعليم موجه لـتـلقــُـن الفلاحة.
الـصـحـة – الـتـطـبـيـب
وفيما يخص التطبيب أيضا، كان
علينا فعل كل شيء. ففي البداية، لم يكن يزورنا الطبيب الرئيس للفرقة الصحية
المتنقلة إلا مرة في الأسبوع. فقــُُـبيل وصولي ، كان ذات الطبيب – المدعو دافيد،
قد ذهب ضحية وباء “التيــفوس” الذي كان يحاربه فكان عليَّ التعامل مع
خلفه. وكان على هذا الأخير – خلال يوم واحد- علاج 000 90 نسمة مشتتة في مساحة
شعاعها يمتد بين 30 إلى60
كيلومتر . ورغم تفانيه، ورغم الأيام الإضافية التي قضاها في
التلقيح بأسواق غريـبة أو في الكشف عن الأوبئة بقلب البوادي، لم تفد جهوده إلا
قليلا. غير أن الأمور تطورت للأحسن، ففي سنة 1956، كانت الشماعية مجهزة بمستشفى
قروي صغير مؤطر بطبيب دائم المقام وبعدة
ممرضين.
علينا فعل كل شيء. ففي البداية، لم يكن يزورنا الطبيب الرئيس للفرقة الصحية
المتنقلة إلا مرة في الأسبوع. فقــُُـبيل وصولي ، كان ذات الطبيب – المدعو دافيد،
قد ذهب ضحية وباء “التيــفوس” الذي كان يحاربه فكان عليَّ التعامل مع
خلفه. وكان على هذا الأخير – خلال يوم واحد- علاج 000 90 نسمة مشتتة في مساحة
شعاعها يمتد بين 30 إلى
كيلومتر
التلقيح بأسواق غريـبة أو في الكشف عن الأوبئة بقلب البوادي، لم تفد جهوده إلا
قليلا. غير أن الأمور تطورت للأحسن، ففي سنة 1956، كانت الشماعية مجهزة بمستشفى
قروي صغير مؤطر بطبيب دائم المقام وبعدة
ممرضين.
لقد كنت محظوظا – على كل حال – إذ لم أصب
بوباء “التيفوس” الذي زال
قــُــبـيـل مجيئي لكن كان عليّ خـلال صيف 1940 مواجهة وباءا قـاتـلا آخـر: الطاعون. فإذا كان وباء التيفوس
مرتبط بالبرد والبؤس فان الطاعون مرض الحرارة والوفرة، وما
يواكب وفرة المحصول الزراعي من تكاثر الجرذان والبق التي تنقـُـل
الوباء للإنسان. ولحسن الحظ، فان الطاعون أقل عدوى من التيفوس الذي قد يهلك إنسان
لمجرد عظة قملة في حين أن الإصابة بالطاعون تتطلب عدة لسعات بق وهذا ما يسـّــر
تطويق وباء الطاعون بالوسط القروي رغم سقوط بعض الضحايا. وأود هنا التنويه
والإشادة بشجاعة الممرضين ، فرنسيين ومغاربة، الذين أقـاموا بالدواوير الموبوءة لعلاج المرضى وتطبيق
إجراءات العزل والوقاية
الصارمة.
بوباء “التيفوس” الذي زال
قــُــبـيـل مجيئي لكن كان عليّ خـلال صيف 1940 مواجهة وباءا قـاتـلا آخـر: الطاعون. فإذا كان وباء التيفوس
مرتبط بالبرد والبؤس فان الطاعون مرض الحرارة والوفرة، وما
يواكب وفرة المحصول الزراعي من تكاثر الجرذان والبق التي تنقـُـل
الوباء للإنسان. ولحسن الحظ، فان الطاعون أقل عدوى من التيفوس الذي قد يهلك إنسان
لمجرد عظة قملة في حين أن الإصابة بالطاعون تتطلب عدة لسعات بق وهذا ما يسـّــر
تطويق وباء الطاعون بالوسط القروي رغم سقوط بعض الضحايا. وأود هنا التنويه
والإشادة بشجاعة الممرضين ، فرنسيين ومغاربة، الذين أقـاموا بالدواوير الموبوءة لعلاج المرضى وتطبيق
إجراءات العزل والوقاية
الصارمة.
الـمـشـاغـل الـيـومـيـة
لم تكن مهـامنا المعـتـادة هينة بمركز الشماعية:
كان علينا ترميم أو إصلاح البنايات الإدارية، الاعتناء بالأغراس، إحداث
مشثلة، تجهيز السوق الأسبوعي بمجزرة، صيانة الثلاث مضخات الهوائية، تجديد سيارات
وشاحنات الملحقة، ابتداع أسرع الطرق لجلب ماء السقي. لقد كانت تتجاذبني عشرات
المشاغل الملموسة وكنت قد راكمت عدة تصاميم ومشاريع من شأنها توسيع مجال عملي
وتحسين الوضعية الاقتصادية لملحقتي غير أن الحرب بعثرت كل الأوراق واضطرتـنا
لإيقاف كل شيء.
كان علينا ترميم أو إصلاح البنايات الإدارية، الاعتناء بالأغراس، إحداث
مشثلة، تجهيز السوق الأسبوعي بمجزرة، صيانة الثلاث مضخات الهوائية، تجديد سيارات
وشاحنات الملحقة، ابتداع أسرع الطرق لجلب ماء السقي. لقد كانت تتجاذبني عشرات
المشاغل الملموسة وكنت قد راكمت عدة تصاميم ومشاريع من شأنها توسيع مجال عملي
وتحسين الوضعية الاقتصادية لملحقتي غير أن الحرب بعثرت كل الأوراق واضطرتـنا
لإيقاف كل شيء.
نـشـوب الـحـرب الـعـالـمـيـة الـثـانـيـة
في سنة 1939، كان من حقي الاستفادة من العطلة
المتاحة لنا قانونا: شهرين كل نصف سنة. وقد ذهبت وعائلتي إلى فرنسا، عابرين
اسبانيا بالسيارة. وبينما كنت أقضي بضعة أيام في لاگاصكون، اشتعل فتيل الحرب فتوصلت ببرقية تلزمني بالالتحاق بمحل عملي.
المتاحة لنا قانونا: شهرين كل نصف سنة. وقد ذهبت وعائلتي إلى فرنسا، عابرين
اسبانيا بالسيارة. وبينما كنت أقضي بضعة أيام في لاگاصكون، اشتعل فتيل الحرب فتوصلت ببرقية تلزمني بالالتحاق بمحل عملي.
وقد كنت مضطرا للعودة بدون عائلتي ظنا
مني بأني سأعبأ للحرب قريبا فأبحرت بمشقة في مرسيليا وعند وصولي للشماعية تم استدعائي لمراكش لإجراء
فحص طبي متعلق بالإدماج في الجيش غير أن الفرصة لم تـُــتح لي للمشاركة في أية
عملية عسكرية إذ أن صفتي كرئيس دائرة كانت قد خولتني حـق التمتع بإعفاء خاص لمدة
ثلاثة شهور تم تمديده تلقائيا إلى غاية نهاية الحرب.
مني بأني سأعبأ للحرب قريبا فأبحرت بمشقة في مرسيليا وعند وصولي للشماعية تم استدعائي لمراكش لإجراء
فحص طبي متعلق بالإدماج في الجيش غير أن الفرصة لم تـُــتح لي للمشاركة في أية
عملية عسكرية إذ أن صفتي كرئيس دائرة كانت قد خولتني حـق التمتع بإعفاء خاص لمدة
ثلاثة شهور تم تمديده تلقائيا إلى غاية نهاية الحرب.
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة
























