المطرح البلدي بالشماعية : هموم و معاناة يومية؟؟؟
موقع المنار توداي..مصطفى فاكر..26/04/2017/..
كانت رحلتي الاستطلاعية إلى المزبلة العمومية قرب ثانوية القدس التاهيلية يوم الاحد صباحا رحلة تقودني نحو المجهول لانني لم اقم في يوم من الايام بمثل هذه الرحلة. في البداية كانت تخامرني عدة تساؤلات حول ماذا أجد؟ رغم أن افكار مبدئية كنت أحملها معي و أنا في طريقي إليها ، تمثلات و تصورات ترسبت في أعماقي من خلال نقاشاتي و في كثير من الاحيان عزوفي عن أشياء أجدها أو لا أجدها.
تهيأت نفسيا لاقتحام هذا المكان و قررت بكل حماس أن اكتشفه و أستطلع أشياءه و عناصره و انعكاساته على البيئة و على المنازل المجاورة لها خاصة و أنني أعرف أن بعض أشياءنا التي تخلينا عنها قد يصل إلى هذا المكان الذي نسميه مزبلة.
و أنا في طريقي إليها بات المجهول معلوما من خلال نفاياتنا و أشياءنا التي رميناها ملفوفة في أكياس بلاستيكية أو ورقية أو ألقيت خلسة هكذا في الشارع العام.كنت أدافع و أسابق أفكاري و تساؤلاتي و في كل لحظة ازداد حماسا و تحفزا لاكتشاف ذاتي و اشيائي. الرائحة الكريهة التي أزكمت أنفاسي أوحت لي بأنني فعلا على مشارف المزبلة ،كما أن الاكياس البلاستيكية التي علقت على بعض الاعشاب و السدرة الفارعة في الطول دليلا قويا على أنني بدأت ولوج علم غريب عني ،نشارك في صنعه بشكل مباشر أو غير مباشرو أخيرا أعلن الدخان المتصاعد من أمكنة متعددة أنني وصلت المزبلة.
تقع هذه المزبلة بمكان منبسط وراء مؤسسة تعليمية و وراء مدفن لأموات المسلمين و كأن رقادهم و انقطاعهم عن ملذات الدنيا لا تشفع لهم هم الاخرين بالراحة و السكينة و في الجهة اليمنى منها دور سكنية مترامية الاطراف هنا و هناك في شكل هندسي مبعثر و فوضوي ، تجولت ببصري في بعض أطراف المزبلة و التقطت مجموعة من الصور و تجرأت على اقتحام بعض مداخلها ، غير أن الرائحة النتنة و الدخان المتصاعد كان يحول دون المغامرة أكثر، حاولت أن أحدد طولها و عرضها فوجدت بصري يمتد نحو الافق ، لم أكن أتصور أننا ننتج هذا الكم من النفايات.
صادف تواجدي هناك وصول جرار و عربة يدوية فوجدتها فرصة سانحة لطرح بعض تساؤلاتي الاولية، دونت من السائق و عرفت منه أن الجرار مملوك لإحدى الجمعيات المدنية العاملة داخل أحد الدواوير المتاخمة للمطرح العمومي.
و في حديث مطول و شيق مع السائق أطل علينا أحد شباب الساكنة القريبة من المزبلة و طفق يحدثني عن أشياء كثيرة ،عن الاطفال الذين يجمعون الازبال عن الاغنام و الابقار التي ترعى في المزبلة ،عن الاحياء المتضررة من الدخان المتصاعد و الرائحة النتنة ،عن مخلفات المجزرة العمومية الموجودة بسوق الخميس ، عن مخلفات المطامير لبعض المنازل التي تجلب على متن صهاريج مجرورة و يتم تفريغها في المزبلة…أشياء كثيرة كان علي أن أتحقق منها، لهذا كان علي أن أعود أدراجي بعد اغتصبت الرائحة أنفي و نال الالم من عيوني و راسي.
كانت وجهتي هذه المرة نحو مقر البلدية لعلي أظفر بمعلومات عن المزبلة العمومية ، عند وصولي سألت عن الرئيس لكن مكتبه كان مقفلا فغيرت وجهتي نحو مكتب حفظ الصحة هو الاخر موصد إلى أجل غير مسمى ،كل ما في بلدية الشماعية يوحي بعطلة مسترسلة إلا لبعض الموظفين الذين يرابطون داخل مكاتبهم هي أشبه بسرداب من فرط الاهمال و الازدحام و كثرة المواطنين الواقفين أمام الباب في طابور .
من هنا تأكد لي أن ساكنة الشماعية و الدواوير المجاورة للمطرح البلدي هي التي وحدها تتحمل تبعات ما تنتجه من أزبال. لم أشأ أن تبقى أسئلتي معلقة فاتجهت إلى الحي السكني المجهول الاسم لأن بعض احياء الشماعية بخيلة من حيث التعريف و الهوية ووجدت أن الساكنة فيها كانت قد رفعت عدة شكايات في الموضوع إلى السلطات المحلية من أجل التصدي لهذه الكارثة البيئية و قد تنظموا في جمعيات مدنية و خاضوا عدة وقفات احتجاجية أمام مقر البلدية مطالبين برفع الخطر الذي يهددهم ، كما اكتشفت أنهم قاموا بعدة مراسلات للجهات المختصة سواء على المستوى الاقليمي أو الجهوي محذرين من المخاطر البيئية التي تمثلها ، تقاطرت عليهم أسئلتي و أرعبتني الحقيقة المغيبة ،لأن المزبلة تحوي الكثير من المواد الخطيرة على صحة الساكنة المجاورة لها.
إن هذه المخاوف وحدها كفيلة بأن تضعنا أمام الوضع الخطير الذي تمثله المزبلة العمومية بما تحمله من مواد غيرمتجانسة و خطيرة تؤكد فعلا أنها قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر على كارثة بيئية يتحمل نتائجها المسؤولون عن الشأن المحلي.
و من المعلوم و حسب معاينتي للمزبلة العمومية فإن نسبة كبيرة من الاطفال ذكورا و إناثا اتخذوا منها مكانا للعبهم و هناك من اتخذها موردا قارا للعيش.
إن طبيعة المزبلة العمومية بالشماعية و محتوياتها جعلت منها وباء خطيرا و ذات انعكاسات سلبية جد خطيرة على المجال البيئي ، فبفعل الحرارة المفرطة صيفا و الرطوبة العالية شتاء أصبحت سريعة الاختمار مما يحولها إلى بركان يغلي من الداخل و ينتج عن ذلك روائح كريهة يمتد مداها إلى شعاع يصل احيانا إلى كيلومترات من الامتارو بالتالي تتوسع دائرة المتضررين من عباد الله.
و أنا أتجول في الاحياء السكنية المتاخمة للمزبلة العمومية أخذت ارتسامات السكان و مدى وعيهم بالخطر المحدق بهم و من خلال حديثي مع أحد رؤوساء الجمعيات المهتمة بالمجال البيئي لا حظت قلق السكان و خوفهم من انتشار الامراض خاصة أمراض الجلد و العيون و صعوبة التنفس بسبب غزو الدخان الناتج عن الاحتراق للبيوت و المنازل إضافة إلى الحشرات و البعوض و الروائح الكريهة التي تجبر السكان على إغلاق الابواب و النوافذ شتاء و صيفا.
كما أثبتت التقارير المنجزة من طرف المصالح المختصة أن عددا من الاغنام و الابقار هلكت بسبب أكلها للنفايات و تجدر الاشارة أن الغالبية العظمى من ساكنة مدينة الشماعية تعيش على الرعي و على أن المزبلة هي المكان الوحيد للرعي كما يتراءى بالقرب من المزبلة السوق الاسبوعي خميس زيمة لبيع الخضر و اللحوم التي سيكون مصدرها لا محالة: الاغنام و الابقار في نسبة محترمة من المزبلة وعلينا أن نتصور هول الكارثة لا قدر الله إذا أصيب السكان بأمراض أخرى و تسممات ناتجة عن استمرار تواجد المزبلة قرب الاحياء السكنية وإلى حين ايجاد بديل حقيقي للمطرح العمومي تبقى المزبلة جاثمة على اعناق ساكنة الشماعية تفرض عليهم قانونها و ترغمهم على إغلاق نوافذهم و تنال من هواءهم و أجسادهم و تغتصب براءة أطفالهم .
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة























