أخر الأخبار
الرئيسية » الارشيف » بحث جامعي للطالبة نادية املية أبعاد الفضاء في رواية”تغريبة العبدي”

بحث جامعي للطالبة نادية املية أبعاد الفضاء في رواية”تغريبة العبدي”

بحث جامعي للطالبة
نادية املية
أبعاد الفضاء في
رواية”تغريبة العبدي”
قبل البدء في وصف أبعاد الفضاء الروائي،
باعتباره المكون الذي تتخلق من خلاله الأحداث، وتنبلج عبره زوايا بناء، وتتشكل
معالم الرواية، لابد من التطرق إلى بعض النقط، كملاحظات مهمة في هذا البحث،يفرض
علينا الاشتغال على هذا الموضوع طرح تصورنا حوله، ولعل أي عمل لابد وأن ينبني على
افتراضات وأحكام ونتائج، وبالتالي اجتراح زوايا للنقد تكون خير معين لصاحبها، لخلق
سيرورة متكاملة للبحث والتقصي، ومن أبرز هذه الملاحظات نسجل:
ü     
الشكل ألأجناسي للعمل الروائي المدروس، فأول
ما نصادفه على الغلاف كلمة “رواية“. هذا الوضع يحيلنا إلى سجال التجنيس هل هي
حقا رواية؟ أم أن العمل يندرج ضمن أدب الرحلة أم الرواية التاريخية…؟ أسئلة
كثيرة تطرح، فإذا اعتبرناها وصفا لرحلة فهي توثيق، وتحقيق لمخطوطة، ووصف تاريخي
لأحداث ومشاهد، وإذا اعتبرناها رواية، فهي تتوفر على قوانين الكتابة الروائية،
البطل الإشكالي، التأزم، الذروة، الحل، ثم التأزم…، وهذا الاختلاف في الأحكام
حول طبيعة العمل، هو ما يجعل منه عملا متفردا، متميزا شكلا، ومضمونا.لكن تبقى
“كل رواية هي رحلة، والرحلة تختلف تجلياتها من نص إلى آخر.فرواية السيرة
الذاتية مثلا هي رحلة في التاريخ الذاتي للشخصية تستحضره الذاكرة وتعيد إنتاجه
لتقدمه في قالب فني إبداعي. والرواية بصفة عامة في تخيلها هي رحلة في عوالم مختلفة
قد تكون واقعية، أو تخييلية ، أو تخيلية، يوحد السارد بينهما جميعا، ليؤسس منها
عالما جديدا تتداخل معالمه وتتوحد، لتقدم دلالة تنسجم وهذه العوالم التي تقوم
بتأسيسها”[1].
ü     
الملاحظة الثانية بعد التقسيمات والاصطلاحات
التي تصدت للفضاء الروائي في بعده الدلالي واللفظي، والاستراتيجي…، وبعد قراءتي
للعمل وجدت أن العمل يتميز بتشعبات مكانية، تتفرع إلى أبعاد اجتماعية وثقافية
وهندسية، وهذا المعين هو مجال الأحاسيس والقيم والمكونات، إنه الجانب النفسي. في
تصوري الفضاء الروائي هو فضاء نفسي فهو وعاء الأحداث في تشكلها وتطورها، ألم يكن
موضوع الرواية هو تحليل تأخر العرب من خلال دراسة الآخر؟ الم تكن الرحلة البحثية،
هي رحلة البحث عن الحقيقة، ورحلة بحث عن الذات في علاقته بالوجود والعالم؟ ألم
يؤطر الجانب النفسي سيرورة العمل ونتائجه؟ إنه تعبير الذات وما يجب أن يكون.إن
الجانب النفسي حاضر في كل تفاصيل العمل الروائي من خلال الآمال والأحلام والرغبة
في إثبات الذات .ونشر القيم، وعبره تنمو الأحداث وتتغير الأمكنة وتتعدد، وأحيانا
يكون  البعد النفسي الفاصل في اختيار
قرارات السارد وتحديد طبيعة العمل الأدبي ، فالاعتراف بالفشل، وبتأخر المجتمع
العربي وضياع الهوية، مواضيع ترابض في اللاشعور ، ودائما يكون السبيل هو تجاوزها
أو تقاسمها مع الغير، ممن يحملون نفس الهموم والانشغالات. ” فليس الاعتراف في
جوهره فرديا محضا، ولا يخص الكاتب وحده، خاصة حين يذهب كل مذهب في تبيان نقائص
المجتمع ومثالبه، التي ليس في مقدور وجوده الجمعي وحراكه العام الإقرار بها،فيأتي
اعتراف الذات الفردية، مصحوبا بسياق عام، تضطر بداخله نظم الأخلاق والسلوك،
والتعليم والتربية، الأعراف والتقاليد، ويقف بنا عند جانب من جوانب التكوين النفسي
للمجتمع وتطور منظومة الأفكار، وتبدلها أو تجددها من جيل إلىآخر”[2].فكل
عمل روائي ينطلق من الذات، فأحيانا الشعور بالإحباط وحالة اليأس، يكون الدافع نحو
التأويل والتغيير، وبالتالي تتحرك الدعوات الدفينة، وتتعالى نداءات التغيير والبحث
عن البديل، فتقارب الطابوهات، ويكلم المسكوت عنه، فسيكولوجية الذات الكاتبة هي جزء
لا يتجزأ من سيكولوجية عامة تحكم المجتمع، تتناقلها الأجيال على شكل سيرورة، وبالتالي
فوعي الذات هو وعي مجتمعي”لأن النزعة عنده تستند إلى وعي اجتماعي خاص، وثورةعلى
تقاليد، يريد أن يمحوها بهذه الاعترافات، فهي أسرار فردية، ولكنها ثورية اجتماعية
في عاقبة أمرها”[3].
ü     
فرؤية العمل الروائي وأفضيته مشحونة بدوافع
نفسية، يعبر عنها من خلال المتخيل لاجتراح أفق التغيير، فنظرته هي نظرة للعالم
وللإنسان والثقافات، فهي تنطلق من أسئلة وجودية، كما يذهب الناقد المغربي الدكتور:
ادريس الخضراوي” ومعلوم أن النصوص الثقافية التي تتخلل الحبكات الروائية بقدر
ما يصوغها الروائي في قالب سردي داخل نصه، فإنها تتدخل في صياغة رؤية هذا الروائي
للعالم، وتتخلل نظرته للناس والثقافات والأمكنة” . [4].
وكإضاءة فمقاربتي لهذا البحث لا تعتمد توسل المنهج النفسي فقط، بل الرغبة في تكوين
رؤية شمولية عن العمل، تلزمنا بمقاربات منهجية أخرى اجتماعية، تاريخية وحتى
أسطورية، باختياري لما هو مناسب ومتماه مع الإشكالات والقضايا التي يطرحها النص.
ü          
الملاحظة الثالثة هي عن سبب اختيار الكاتب
لسارد يحل محله، أظن أن هذه الحيلة السردية تجنبه مساءلة المتلقي بالدرجة الأولى
حول بعض النقط خصوصا تلك التاريخية في بعدها الحقيقي أو التخييلي، أو لعلها مقاربة
لصهر الحقيقة بالخيال والواقع بالتاريخ، والمدقق يلاحظ وجود نصين، نص يتكلف به
الكاتب ونص آخر يتكلف به السارد، وأظن أن الاختيار لم يكن عبثيا، فمهمة الكاتب
التحقيق وكتابة الإحالات وشرح الألفاظ الشاذة و الغريبة، ومهمة السارد وصف الوقائع
والمشاهد، وبالتالي تكون القصدية تميزا سرديا وأسلوبا متفردا من خلال فعل اللغة.
تلك كانت بعض الملاحظات التي قد تكون أساسية في تأطير
البحث، سعيا منا لبلوغ تصور وفهم أكبر لهذا العمل المتميز، فالجانب السيكولوجي
حاضر وبقوة، تتطور عبره الأحداث وتتشابك من خلاله الوقائع والمشاهد الاجتماعية
والثقافية، وصحيح في طرحي أبرزت أن الفضاء الروائي هو فضاء نفسي، لكن فهم المصطلح
والإحاطة بأبعاده، ودلالاته لن يكون في منأى عن مجالات أخرى، لأن حصره فقط في
المجال النفسي، سيحول بحثي إلى بحث أحادي النظرة وسنركز فيه على جوانب (الشخصية،
الكاتب وأبعادها)، ونهمل جوانب أخرى مهمة(ذات سياقات اجتماعية وثقافية وفنية
وجمالية…).
وقبل الخوض في أبعاد الفضاء الروائي في رواية
” تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية”، علينا أولا أن نحدد مفهوم
الفضاء الروائي في هذا العمل
المتميز، هل نتناوله كما تناوله جل النقاد السابقين العرب، بحصره في مفاهيم المكان
أو الحيز؟ أو بحصره في مجاله النصي والدلالي والإستراتيجي والإيديولوجي، كما فعل
بعض النقاد الغربيين والعرب على السواء؟، بالطبع سننطلق كما قلنا من الصبغة
النفسية كمنطلق، لسبر خبايا النص بربطها بالأمكنة المتعددة ، وبالتالي قد ينكشف
المفهوم بوصفه أماكن متعددة تجتمع في فضاء معين، هو الغالب في الرواية ويؤثث
عناصرها، مساهما في تطور الأحداث ونمو الشخصيات، أي دراسة لن تكون بمعزل عن سياقات
اجتماعية وثقافية وأبعاد ودلالات هذه الأمكنة المتعددة، ولن تكون منفصلة عن مفهوم
الزمن وتأثيراته وعلاقته بالأحداث، وكذلك الشخصيات بأبعادها النفسية والوجدانية. إذن
الفضاء الروائي في هذا العمل، هو كل جامع شامل منبثق عن كوامن وخوالج نفسية عميقة،
وأحاسيس بالدونية، في مقابل الآخر، له امتداداته الفكرية والاجتماعية والدلالية.
الفضاء الروائي بتعدد أمكنته في الرواية، أضفى عليها
طابعا نفسيا، فالإنسان لايحس بذاته إلا داخل مكان 
معين، فوجوده لا يتحقق إلا من خلال علاقته بالمكان، والكاتب هو جزء من
مكان،لذلك نجد “الفضاء يلف مجموع الرواية، بما فيها الأحداث المسرودة التي
لايمكن تحديدها إلا في إطار استمرار المكان الذي يلفها، ويظل موجودا أثناء
جريانها”[5].ف”
الروائي شأنه شأن الرسام والمصور، يجترئ في البداية قطعةمن الفضاء، ويؤطرها ويقف
على مسافة معينة منها”[6]،
وهذه القطعة هي الفضاء العام الذي يؤطر الرواية، على اختلافها، مفتوحة: الصحراء
الواسعة، الرحلة في علاقتها بالأمكنة،بدءا من فاس وانتهاء بمكان العودة: آسفي،
فاس، تنبكتو، الخلاء، وصحاري السودان، ومصر…، ومغلقة جامع القرويين، دور الإقامة
خلال الرحلة… أو مضيئة أو مظلمة… أو عنيفة (عنف المكان بضغوطاته
وتأثيراته،…) وأيضا هو “إستراتيجية تأويلية في جوهرها، حتى وإن كانت  في الأصل والأساس تكوينية وملتحمة ببناء
النص”[7].
 انطلاقا مما
سبق، يمكن أن نستجلي أبعاد الفضاء الروائي في هذا العمل بربطه بأبعاد الأمكنة
وتأثيرها وتأثرها بالزمن والشخصيات، فتمفصل تلك الأبعاد إلى: بعد جغرافي  يؤطر الحدود والعلامات التي تميز كل حيز نبدأ
من فاس إلى تمبكتو، إلى جيني، وصولا إلى بلاد السودان ومصر… إلى أن تكتمل القصة،
في رحلة بحث عن الذات والهوية، فالمكان مرادف للهوية، والكينونة لاتنصهر إلا داخل
مكان معين، فالعبدي في رحلة بحث، لم يسعفه المكان الواحد، بل استمر راغبا في إثبات
هوية لم تكتمل ومكان يجسد الوجود الروحي والسكيني ” تجشمت أسفارا بعيدة من
آمالي، ومشيت في مناكب الأرض أطوي المسافات والمراحل… فارقت الأحباب وهجرت مرابع
الصبا والشباب… متى أحط الرحال؟، ويرتاح البال؟”[8]
.
وجود ينم بالتواصل مع الآخر في شكل جماعة،
حيث استحضار ثنائية الأنا والآخر، علاقة “تتحرك في نسق رحلي، في إطار ثنائية
الذات والآخر، لتتجلى من خلال أبعاد ثلاثة: فردي، ذاتي وجمعي: عناصر التميز عن
الآخرين، وهي عناصر الثبات فيها،وعالمي: تصورات الجماعة تجاه الآخرين التي تتحكم
في  علاقاتها بهم”[9]،فالبعد
الجغرافي يتجاوز المحلية،فهو موسوم بحتمية الوجود في علاقته بالآخر، لذلك نجد
في”رواية تغريبة العبدي” المكان وقد أصبح محركا ودافعا نفسيا لتطور
الأحداث، فالترحال تشده دائما تلك الرغبة في معرفة الآخر، وتلك النزعات واليقظات،
وذلك التفكير في اكتشاف الذات عبر الآخر، فتكتسب (الذات) خصوصية متفردة “…
الآخر: المغاير لهذه الذات في تجليها الفردي والجمعي، الذي يسهم باختلافه عنها في
تحديد المفردات المشكلة لهويتها، لذا ينضاف إلى المكون الميتافيزيقي للضمير
“هو” مكون فيزيقي تجليه حالة الحضور المادي للآخر، ومن ثم فإن حالة
الغياب المتصلة بهذا الضمير تستحيل إلى فكرة المغايرة اللغوية والثقافية لهذا
الآخر التي تضفي على حضوره طابع الخصوصية إزاء الذات”[10]
، بمعنى أن الذات تكتسب خصائصها بمقارنتها مع الآخر، من خلال طريقة عيشه، تقاليده،
أنماطه الثقافية…، وهكذا فالبعد الجغرافي بخلفية نفسية يعد مؤثرا، ضاغطا، يرسم
الحوار، ويخط معالم الأحداث، وبالتالي يتحكم في مصير الشخصيات ومآلها، عندما يتحول
من وضع مادي إلى فضاء استعاري متخيل، مشحونا بدوافع نفسية تحركه وتتحكم
فيه،وبالتالي يتحول المكان بمفهومه الجديد التجريدي، إلى فضاء،يتسع ويمتد ليحتوي
كل عناصر النص.إضافة إلى البعد الجغرافي، نجد البعد النفسي، حيث الانفعالات
والأحاسيس والهواجس التي يثيرها المكان في النفس، فهو مرتبط بمشاعر وبقيم سلبية
وإيجابية، أي أن هناك أماكن معينة، بمثابة المأوى، وهناك أيضا أماكن مكروهة لما
تمارسه من ضغط نفسي، بمعنى آخر هناك من الأماكن ما تمارس سطوتها وعنفها الرمزي،
وهناك أماكن مضيئة  مفتوحة، بمثابة الحلم
والحرية “أماكن كثيرة لن تطمس أو تندثر من روحي وفكري، الوادي الذي يخترق فاس
ويدير أربعمائة طاحونة… ومن القيصارية ذات الإثنا عشر بابا… ما همني منها
هوالزقاق الذي يقيم به الرثاثون…”[11]
“قلت لصاحبي وأنا أكاد أشرد بعيدا إلى مرسى آسفي، الذي كانت تحمل منه السلع
والأوساق والمؤن والخيول والحبوب، بينما أهل أسفي يتضورون  جوعا ويموتون بالعلل والأوبئة”[12]
منذ خروجنا من فاس لم أذق النوم إلا ما كان متقطعا مهدا للبدن، موجعا للدماغ، وما
زال بيني وبين الوصول إلى”جيني” أيام وليال طوال، كيف أقضيها بلا نوم،
سأهلك في هذه الصحراء، بلا زوج ولا ولد ولا أقارب[13].هكذا
يغدو البعد النفسي البؤرة التي تتشظى منها كل أحداث النص،فهو بعد جامع شامل بمثابة
الدافع والمحرك، إنه بمثابة كرة الثلج، كلما تحركت، كلما ازداد حجمها، فمتى وجدت
الأحاسيس وتحركت المكبوتات، فتمة أحداث تدور وشخصيات تسمو وحبكات تحاك، أو بالأحرى
هناك اعترافات الذات، ممزوجة بلحظات الخيبة والمعاناة أو الفرح” فيتأزم الألم
مع التنفيس، حين يكظ النفس، ويستولي عليها الشجن، جراء تجارب حيوية، وحوادث
إنسانية تتآخى وذاكرة الكاتب، وتترقب الفرص 
لتتجسد في كلمات”[14]،
فالرحلة النفسية للعبدي، رحلة اعتراف بواقع غامض 
عربي ملتبس، غائب الأفق، هي رحلة بوح وإقرار بحقائق نفسية عميقة، مرادها
كوامن الذات، فالاعترافات” أداة فعالة تزيد من خصب حياتنا الروحية، وتعمل على
صقل شخصيتنا ولكن بشرط، أن نجعل منه تجربة ذاتية، تزيد من عمق حياتنا الباطنية،
وتكون أداة تربية أخلاقية لنفوسنا”[15].
فعندما اختار العبدي الترحال، كان همه أولا تحقيق الذات، ذلك المبلغ تبدى روحيا
دينيا خالصا،لكنه تحول إلى إشكال وجودي،ما معنى أن يوجد الانسان ويعيش القهقرىفي
كل شيء؟، وماذا يمثل الآخر بالنسبة لنا؟، كيف نبلغ ما بلغه الآخر؟… أسئلة شغلت
مفكرته ومخيلته، وهو يجوب ويدوخ الخوالي والصحاري، والجواب عليها هم وجودي، فالبعد
النفسي بعد الأسئلة والعلم، إنه بعد وجداني يتفجر أحاسيس،إنه بعد ذو شجون
ومعاناة،يتخلق من رحم المعاناة والتجارب الإنسانية، من خلال رحلة البحث عن الذات
وفهم العلاقة مع الآخر، وما فعل الكتابة إلا محاولة لتفسير هذه العلاقة، والإمساك
بالحقائق، من خلال ربطها بالتاريخ والحقائق الآنية، فكل ذات هي محملة بمخزون
ومشحون نفسي يمثل قوة لتساؤل وطرح إشكالات “بيد أن المعلوم أن فعل كتابة
تاريخ الفكر ينخرط في سياق روابط جدلية بينه وبين الإطار التاريخي والاجتماعي الذي
تنزل فيه، بمعنى آخر، إن المعرفة ليست أبدا مجرد مواجهة ذات فردية لموضوعات
معرفتها، وهذا لأن الذات تواجه موضوعاتها وهي حاملة شروط مجتمعية وتاريخية”[16]،
ففعل الكتابة دائما يكون مدفوعا من خلفية نفسية واجتماعية، وسياق تاريخي وثقافي
معين، لذلك يمكن اعتبار تأثير الدافع النفسي بمثابة المؤطر للأثر بشكل عام، الشيء
الذي يعزز اختيارنا في هذا البحث، ويعزز فرضية أن الفضاء الروائي فضاء نفسي
بامتياز.
ولا يمكن استحضار البعد النفسي دون تأثره
بسياق المحمول الاجتماعي، لذلك فكل فضاء روائي فهو منبثق من خلفية اجتماعية، تتفرع
على شكل مشاهد ووقائع خاصة وعامة لها عواملها وأحداثها، لذلك فالبعد الاجتماعي
للفضاء الروائي، يحيلنا وبشكل قوي على طبيعة الشخصيات التي تنمي أحداث النص، كما
يؤطر لنا أو يعطينا على الأقل نوعية الثقافة السائدة في ذلك العصر انطلاق من مفهوم
الزمن”الزمن مفهوم اجتماعي، يقوم بعملية التنسيق للأعمال الاجتماعية، وأنه لا
بد من النظر إليه من حيث الوظيفة التي ينجزها ضمن المجتمع”[17].ومنثم،
فكل نص هو اجتماعي، مادام يحتوي أشخاصا يتفاعلون فيما بينهم، وينسجون علاقات في أمكنة
مختلفة، لها عاداتها وتقاليدها وقيمها.وهذا البعد يختلف من نص إلى آخر، باختلاف
الخطاب المصاحب له، وباختلاف الأمكنة،فالمدينة تختلف عن القرية في العادات
والتقاليد، وحضوره في رواية “تغريبة العبدي” حضور قوي بمثابة الكاشف
للوقائع والتقاليد والأعراف المجتمعية، من خلال ارتباط وثيق بالبعدين الجغرافي
والنفسي، فالتعمق في استجلائه يوصل في نهاية المطاف إلى تعرية السياق العام للنص،
ويكشف عن ملامح الشخصيات في علاقتها بالمكان وبالزمان، هذا الأخير الذي يحيلنا إلى
بعد آخر كامن، وراء أنساق اجتماعية ونفسية، إنه البعد التاريخي، فكيف يمكن بناء نص
معين بدون استحضار هذا البعد، فالسارد من خلال رحلته، جعل الحكي التاريخي
مادته،خصوصا في نصه الأول، وهو يؤرخ للأحداث بتواريخها وبشهودها أيضا، حتى وإن جعل
المتخيل ركيزته، لكنه متخيل يقارب الحقيقة، ويجانب الواقع، من خلال أحداث ربطها
بعصر معين، يقول العبدي”خمس سنوات مرت علي بفاس، وأنا ذاهل عن نفسي وعن
الدنيا، وهي تدور كالناعورة، ترفع قوما إلى السماء وتهبط بآخرين إلى الحضيض، غارقا
في بطون المثون والشروح والحواشي، أنتقل من عمود إلى آخر، ومن شيخ إلى مقرئ، ومن
محدث إلى مؤرخ”[18].فأحداث
كثيرة احتواها المشهد، الذي يضم إلى جانب أحداثه مشحونا تاريخيا يؤطره، فالتاريخ
دال على الأحداث، يرسمها ويجد لها أصواتها المعبرة عنها،ف”التاريخ كما نقرؤه
هو رواية عن أحداث ماضية، لكنه عندما نكتبه ونتأمله،دراسة رموز،قائمة حاليا،ودالة
على تلك الأحداث، لا يهمنا هنا أن تكون الرموز، بقايا مادية أو نقوشا، أو شهادات
شفوية…الخ”[19].و”تغريبة
العبدي “غنية بهذا المفهوم،وكأننا أمام رواية تاريخية، ترصد زمنا ولى، عرف
صراعات وتجاذبات،أرخت لبداية تراجع الدولة المغربية في ذلك العهد وانحباس نفوذها،
بعدما كانت ممتدة خلال عصور إلى بلاد السودان، فكأنما الكاتب يحاول من خلال مفهوم
التاريخ أن يقربنا من منهجه المعتمد في الكتابة، منهج أساسه التحليل وتقديم
البراهين والحجج، فلم يفصل منهجه التاريخي عن سياق مناهج أخرى فعلت فعلها لتطوير
بناء النص، وقد” كان لهذا التطور في المفاهيم والمناهج أثران مهمان لم يعد
المؤرخ يهتم بالرواية بقدر ما أصبح يهتم بالتحليل، فابتعد عن زملائه الأدباء
ليقترب من علماء الاجتماع، أما التاريخ كمنهاج فإنه لم يعد تاريخ أشخاص وعائلات،
وإنما أصبح تاريخ بنى وتنظيمات”[20].أي
أن المنهج التاريخي الجديد هو تاريخ للجماعة، لمجتمع بأكمله، حيث العادات
والتقاليد والمخزون الثقافي، فأصبح التاريخ يحتوي ويواشج مجالات أخرى،
لذلك”فتجديد منهاج التاريخ ناتج عن تقديم العلوم الأخرى، الاجتماعية، مثل
الاقتصاديات والاجتماعيات والنفسيات”[21]،وذلك
ما نجده بالضبط في رواية “تغريبة العبدي”، وجود هم تاريخي حامل لدلالات
إجتماعية عديدة، تعطي صورة عامة عن النص،ولذلك غدا الفضاء الروائي فضاء نفسيا،
يمتح من التاريخ ومن خلفيات مجتمعية حاجاته وإشباعاته،انطلاقا من بعد تاريخي زمني
يؤطر الرواية من خلال حصر وقتي متجسد في القرن التاسع عشر، بكل ما يحمله من وقائع
ومشاهد وصور لزمن معين، وهو كامن في الأمكنة التي زارها العبدي.
وبخصوص الكاتب “عبد الرحيم لحبيبي”
نجده يبذل مجهوده الخاص في رسم زمن هذا العصر بكل تجلياته، محاولا فصله عن مستجدات
القرن الموالي، فكل أدواته وشخوصه وعاداتهم وتقاليدهم، كلها مؤطرة بخصائصه، فعلاقة
التاريخ بالمكان علاقة تواشج وانصهار، فهو ملتصق به ودال عليه، فالأحداث دائما
تحيل على الزمن في علاقته بالمكان، فيعطيه تلك الحركية والدينامية اللازمتين،
ف”متابعة أي حدث لابد وأن يحيل إلى زمن، فالزمن يجسد الحركة والنشاط
الدائمين”[22].أي
أن كل حدث، وكل شخصية تتأثر بمفعول الزمن،بين ذكريات ماضوية وأخرى متمثلة في أحلام
وآمال بعدية.
v  
تأثير أبعاد الفضاء الروائي في تطور الأحداث
ووعي الشخصيات
:
وانطلاقا من الأبعاد يمكن استجلاء نوعية
الفضاء الروائي بالنسبة لتغريبة العبدي، انطلاقا من البعد الجامع، البعد النفسي،
فكل تقسيم يؤول إليه، ليس إلا نتاجا لهذا الدافع المتمكن من الذات الكاتبة، وصولا
إلى شخصيات النص،وهكذا يمكن تقسيمه إلى فضاءات مفتوحة، جسدتها الصحاري الواسعة،
وأراضي الخلاء، مصحوبة بتأملات العبدي في أرض الله وعظمته وقدرته،وكذلك مغلقة،
جسدتها إقاماته في البيوت ودور الضيافة، أو مضيئة(في جانبها المادي)، متمثلة في
رحلات النهار…، أما إذا تناولنا هذه الأمكنة بعيدا عن جانبها المادي، فتمة
معاناة واضطراب وصراعات، جسدتها الأماكن بأنواعها،وهنا نستحضر عنف المكان( الأماكن
العتيقة)وسطوة وجبروت الطبيعة والصراعات النفسية، حيث يدخل المرء في حالة الشك
والاضطراب والصراعات النفسية،بطرح أسئلة 
لماذا هذا الاختيار؟،هل يجب على المرء أن يمكث في مكان معين؟ ، كيف يتعايش
المرء مع الآخرين عندما يتعلق الأمر بمكان مغلق أو مفتوح؟، أسئلة كثيرة تطرح،
وللإجابة عنها، نجدها عند الكاتب نفسه وفي النص نفسه، فكل نص يتغيا الإبداع، يرتكز
أساسا على الدقة في التصميم، ويجعل من الديكور أولا، تلك الأرضية التي تنبثق منها
الأحداث، كما يِؤكد د.عمرو كناوي” يكون البعد الوظيفي للفضاء قد اكتسى أهمية
قصوى من خلال استجابته لسؤالين محددين: لماذا يموضع الروائي الأحداث على شاكلة دون
أخرى؟ ما السر الذي يجعل الروائي يخلق لشخصياته فضاء منحبسا آو منفتحا؟ ، مما
سيجعل الفضاء، لا مجرد ديكور، بل يعطيه دورا جوهريا في تنامي الأحداث”[23].فكل
الأحداث التي ارتبطت بالشخصيات، كانت مدفوعة بضغط الفضاء، حتى القرارات التي
اتخذتها كانت نتاجا له، فالفضاءملهم للبحث عن الحقيقة، من خلال الاحتكاك به،تبدأ
التساؤلات والفرضيات، أي الوعي بأشياء معينة، كانت إلى وقت قريب غامضة يطبعها
الشك، فتتوضح الرؤى والإتجاهات، كما يؤكد رولان بورنوف” أن لتغيير الفضاء
دلالة على تنامي وتطور في الشخصية من حيثالرؤيا والوعي، والبحث عن الحقيقة”[24].بالطبع
حقيقة الوجود والكينونة والاختلاف مع الآخر، لذلك نجد الإنسان ومثله الشخصيات في
أي نص، وقد ضاق بها المكان الواحد، كما هو الشأن بالنسبة للعبدي،وحتى هذا الأخير
أصبح فضاء، تنطلق منه التساؤلات والإنفعالات، التي تصبو إلى شيء واحد، البحث عن
حقيقة العالم،كما يؤكد ذلك “محمد سويرتي”، بالقول أن الفضاء الروائي
يأخد “أشكالا متعددة، ودلالات محددة، تهب الرواية حقيقة كينونتها، التي تحدد
علاقة الإنسان بالعالم[25].ومن
ثم تتخد علاقة الشخصيات بالفضاء النفسي الروائي علاقة التحام وتكامل، فتتحول
أحيانا إلى رحلة بحث، تتضمن أفضية خيالية تتصورها الذات الكاتبة، وتتفاعل معها
شخصيات النص، ومن هذا المنطلق يصبح الفضاء ملتقى الأفكار والرغبات، وحيزا للإجابة
عن انشغالات وهموم متعددة فيكتسب بالتالي”صيغة فكرية و حضارية ودلالية متسعة
الاتجاهات والرؤى،تتغير تأثيراتها وفق الأنطولوجيا الثقافية للحضارات وفقا للمادة
الإبداعية[26]،  فيتغير مجرى الأحداث، كلما تغير المكان، فيؤثر
ذلك على الشخصيات وعلى وعيها وتفكيرها، فتنجذب إلى البحث عن حلول لواقعها، وحل
مشاكلها وإشباع حاجاتها النفسية، فيتعدى الفضاء مفهومه الهندسي، إلى فضاء تلاقح
وتفاعل وتواصل، يجسده ارتباط الفرد بالمكان وتشبته بالحياة، فيحتوي كل عناصر النص
ليشمل الأزمنة والأمكنة والعواطف، انطلاقا من ترتيب الأصوات،حيث الانفعالات
والذكريات والأحلام،وإذا مثلنا الفضاء الروائي كمعادل للمكان حسب التصنيف الأول
الذي وضعه حميد لحميداني يمكن أن نستجلي طبيعة العلاقة التي تحكم الشخصية في
علاقتها بالمكان، فالأخير عنصر مهم لبناء أي شخصية روائية، فلكل شخصية أمكنتها، فإذا كان الزمان بما
يكتسبه من أهمية عاملا في خلق الشخصيات، فالمكان، أيضا كذلك  إلى جانبه يلعب الدور نفسه. فالعبدي في
ترحاله،كان دائما ميالا إلى التفكير في الأمكنة وتأطيرها بزمن معين، إما ماضوي أو
على شكل صيغة مستقبلية أو راهنية، لأن”تجربة الإنسان مع الزمان أو المكان
تعتمد إلى حد كبير على ميل الحس الإنساني نحو الزمان أو المكان”[27]،
فالمكان بالنسبة إليه (العبدي)، يعد الإطار الذي يتحرك فيه، يتفاعل معه، حيث هو
موطن الأحلام والذكريات”فالمكان في حركة أخد وعطاء مع الشخصيات الروائية
وأحداثها بوجهتها، ويرتبط بحركتها، ويقدم بما يدفع أحداثها إلى الأمام دائما”[28]،فدائما
هناك تأثير وتأثر بين الفضاء والشخصيات. هذا التبادل يأخد دائما طابعا نفسيا،
فواقعه ينعكس على طرق التفكير، فيمتد إلى دواخل الشخصية”فسطوة المكان تتعدى
في الواقع ما يبدو على السطح من تأثيرات، وفاعليتها المباشرة، إلى أعماق التكوين
النفسي للشخصيات”[29].وهذه
التأثيرات لا تنطبق على الشخصية الرئيسية في النص، بل تشمل مجموعة من الشخصيات في
فضاءات متعددة، كما هو الشأن بالنسبة للأشخاص الذين رافقهم “العبدي”،
أولئك الذين التقى بهم في بيئات متعددة، حيث الإختلاف واضح في العادات والتقاليد
والرؤى والتكوين النفسي، فتجد”تكوين الإنسان ذهنيا ونفسيا يتحدد بالمناخ
والطبيعة،التضاريسية للمكان، فابن المناطق الباردة يختلف عن ابن المناطق الحارة،
وابن الجبل غير ابن السهل، فتجد وفق هذا، أن أغلب الجبليين في حياتهم العادية أكثر
انطواء وصمتا من سكان السهول، وهذا مفهوم، ففي الجبال يضطر الناس عادة إلى العيش
في مجموعات مغلقة صغيرة، وإمكانية الإختلاط بينهم أقل”[30]،فالتأثير
واضح،خصوصا عند جراء مقارنة بين أماكن مغلقة،حيث الضيق والانحصار،داخل أبعاد
محددة،أو مفتوحة ذات الفضاء الفسيح المتعدد،الذي يجعل من كل شخصية لها ميزاتها
النفسية الخاصة،يرسمها الروائي المقتدر كما فعل “عبد الرحيم
لحبيبي”،الذي جعل القارئ يدرك أماكن ليس فقط بوصفها،وإنما أيضا من خلال
تحركات الشخصيات،التي ترسم عبرحركيتها صورة الأمكنة  الذهنية،أي خلق أطياف مكانية مصاحبة لعميلة
القراءة، تتجسد من خلال الشخصيات في اقترانها بالأمكنة، وإذا كانت رحلة العبدي
رحلة البحث عن الذات والوجود، فتساؤلاته لم تجترح من فراغ، فالمكان موطن
الذات،يدفعه من خلال الإسترجاعاتوالإستشرافات المستقبلية إلى طرح أسئلة تختبر
مكانة الذات وعلاقتها بالآخر، لتنزاح تلك الأسئلة وتنحو مسلكا اجتماعيا، يبحث في
الأعراف والتقاليد والقيم، وبالتالي تصبح علاقة الشخصية بالفضاء علاقة”كيان
اجتماعي يحتوي على خلاصة التفاعل بين الإنسان ومجتمعه،لذا شأنه شأن أي نتاج
اجتماعي آخر، يحمل جزء من أخلاق وأفكار ساكنيه،ومن خلال الأمكنة، يستطيع قراءة
سيكولوجية ساكنيه وطريقة حياتهم، وكيفية تعاملهم مع الطبيعة”[31].فالفضاء
خير من يواثر الأخبار وينقلها، عبر تفاعل الشخصيات في تواصلهم وتضادهم واختلافهم،
وكذلك عبر فعل القراءة، لأنه لا ينبغي أن ننسى أن الفضاء كزمكان وكبنيات هو مفهوم
ممتد ومتسع، كنص متلقى، ينبلج على صورة فضاء ذهني متخيل، يضفي عليه القارئ تلاوين
أفكار، وردود أفعال، وهذا مايكون فضاء تلقي أيضا، له شخصياته، وله أحداثها،
انطلاقا من مشحون المتخيل، ومن هنا يمكن القول بأن الفضاء الروائي فضاء تشكل
الشخصيات، وفضاء المفهوم وتكوين الدلالات عند المتلقي، لأنه”للقارئ الحق في
القيام بتقديم مجموعة من التوقعات التي تعني التحليل بزخم من المعطيات التناصية،
والتي قد يتم التخلي عنها فيما بعد، إذ تبينت مخالفتها للسير المتعين للأحداث”[32].أي
أن الفضاء الروائي كمنطلق نفسي، هو فضاء افتراضي، من خلال شخصياته المتخيلة
وأمكنته المتعددة وأزمنته في تتابعها أو انكسارها، هو دعوة إلى بناء أفضية أخرى،
يلعب فيها القارئ دور المعدل والمغير عبر طاقة تخييلية، في تشكيل لعالم جديد، نرمز
إليه بعالم “القارئ”،”وهو عالم يتم تشكيلهمن طرف القارئ التجريبي
أثناء عملية قراءته للنص، او كما يقول “إيكو” أثناء تحويله المتتابع
للنص إلى بنيات كبرى جزئية للمتن الحكائي”[33].وإذا
انطلقنا من فرضية أن الفضاء الروائي فضاء الإيديولوجيا، فإن أنسب من ينقلها هو
الشخصيات؟، أو المتكلم أو السارد”العبدي”، على شكل خطابات وأصوات
وأحيانا بالتلميح،فشخصيات الفضاء الروائي شخصيات إيديولوجية، ذلك مايؤكده مخائيل
باختين أن”في الرواية، الإنسان الذي يتكلم وكلامه هما موضوع لتشخيص لفظي
وأدبي، وليس خطاب المتكلم في الرواية مجرد خطاب منقول أو معاد إنتاجه، بل هو الذات
مشخص بطريقة فنية… المتكلم في الرواية دائما، وبدرجات مختلفة، منتج إيديولوجيا،
وكلماته هي دائما عينة إيديولوجية
(ideologèe).،واللغة الخاصة برواية
ما تقدم دائما وجهة نظر خاصة عن العالم تنزع إلى دلالة اجتماعية تدقيقا، باعتبار
الخطاب نصا إيديولوجيا… والرواية تشخص متكلما هو منتج إيديولوجي”[34]،
وبهذا المعنى ففضاء الشخصيات فضاء صراعات ايديولوجية ،”ففي جميع مجالات
الحياة ومجال الإبداع الإيديولوجي، يشتمل كلا منا بوفرة على كلمات الآخرين، منقولة
بدرجة من الدقة والتحيز جد متباينة. وكلما كانت حياة الجماعة التي تتكلم ثرة،
متنوعة ومرتفعة، كلما اتخذ كلام الآخر وملفوظه،بوصفه موضوع نقل مهم وموضوع شرح
ومناقشة وتتمين ودحض ومساندة وتطوير حيزا كبيرا داخل موضوعات الخطاب كلها”[35].فعلاقة
الفضاء بالشخصيات، كما سبق الذكر، علاقة تلاقح وتكامل، وكل عنصر فيه هو مؤثر في
حركيتها(الشخصيات، ووعيها،فالفضاء باعتباره بانيا لها،ينطلق دائما من أبعاد رمزية
وإشارية، تحاكي عالما متخيلا له مخزونه وأبعاده الاجتماعية والنفسية والثقافية
“فالكاتب يعمل على بنائها(الشخصية المتخيلة) بطريقة غير مألوفة، بحيث تخرج عن
إطارها الواقعي المألوف والمحدود بزمان ومكان معين، لتصبح شخصية ذات أبعاد رمزية
وإشارية، تتحول لأحداث تبعا لذلك إلى أحداث ذات طبيعة رمزية وأسطورية
واضحة”(2)[36].وبذلك
يصبح الفضاء الروائي فضاء للشخصيات في تطورها ووعيها، فإذا انطلقنا من بعده
الجغرافي فالمكان دال على شخصياته، يؤطر حدودها، ويعرف بهويتها، وإذا انطلقنا من
البعد الإجتماعي، فالفضاء الروائي يسم شخصياته بتمظهراتهالإجتماعية، متمثلة في
قيمها وتجانسها واختلافها في مستويات عيشها ومحمولاتها الثقافية، وإذا انطلقنا من
البعد النفسي، فالفضاء الروائي  بالنسبة
للشخصيات مكان الانفعالات والأحاسيس والتأملات في الكون والوجود ومحاولة تفسير
حقيقة العالم والإنسان، أما إذا انطلقنا من البعد الإيديولوجي، فالفضاء الروائي هو
خلفية ايديولوجية، تتناقلها الشخصيات على شكل خطابات صريحة أو رمزية إشارية،في
محاولة لتمرير خطاب معين، مشفر غايته الأمل في تغيير واقع والبحث عن بديل أفضل.



[1]: سعيد جبار،السيري والتخييلي في
الرواية المغربية، دراسة نقدية،جدور النشر،ط1،2004ص93.
[2]: إيهاب اللجدي ،سر النفس في السيرة الذاتية ،
الجوهر والدافع والتأويل، عالم الفكر،العدد 3، المجلد 42 يناير، مارس، 2014، ص170.
[3]: د.عبد العزيز شرف، أدب السيرة الذاتية،
الشركة المصرية العالمية للنشر، لونجمان، مكتبة لبنان، القاهرة 1992،ص23.
[4]: ادريس الخضراوي،الرواية العربية واسئلة ما
بعد الاستعمار،رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الاولى2012، ص11.
:حمبدلحميداني، بنية النص السردي من منظور
النقد الأدبي، المرجع السابق،ص64.
[5]
28:جنيت، كولد
نستين،كريفل،بورتوق،اويلي،ايزنزفايك، ميتران ،الفضاء الروائي،تر:ع.الرحيم خزل،
إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، بيروت، لبنان،2002، من مقال، ولان بورنوف
وريال أويلي، معضلات الفضاء، ص99.
: حسن نجمي، شعرية الفضاء، المتخيل والهوية في
الرواية العربية، المرجع السابق، ص33.
[7]
:ع.الرحيم لحبيبي،تغريبة العبدي المشهور بولد
الحمرية ، إفريقيا الشرق، ط1، 2013، ص31.
[8]
[9]:أحمد يحيى علي محمد، عالم الفكر، العدد 3،
المجلد 42، يناير-مارس 2014، من مقال:        
                صناعة القصة وصياغة
الهوية، ص77.
: نفسه، ص .78[10]
: -ع.الرحيم لحبيبي،تغريبة العبدي،المرجع
السابق، ص38.
[11]
: -نفسه ص50.[12]
: نفسه ص52.[13]
[14]: عالم الفكر، المجلد 42، المرجع السابق،
ص173.
[15]:عالم الفكر،المجلد42،المرجع السابق،ص173.
[16]:د.سهيل الحبيب، علم الفكر، المجلد 36، 1
يوليوز، سبتمبر، محمد وقيدي، ماهي الابستمولوجيا؟(الرباط: مكتبة المعارف، ط2،1987،
ص246)،مقتبس من مقال” معالم في خطاب النقد الثقافي العربي المعاصر خلال
العقود الثلاثة الاخيرة .
:
[17]:هارلاميوس، اتجاهات جديدة في علم الاجتماع،
تر، إحسان محمد حسن و اخرون، بيت الحكمة، بغداد، ط1، 2001، ص57.
[18]:ع.الرحيم لحبيبي،تغريبة العبدي، المرجع السابق، ص33.
:عبد الله العروي، مجمل تاريخ المغرب، المعارف
الجديدة، ط1،1984، ص9.
[19]
: نفسه، ص 10.[20]
[21]:نفسه ،ص15.
[22]: يمنى طريف الخولي،إ إشكالية الزمان في الفلسفة والعلم، مجلة: البلاغة
المقارنة، الجامعة الأمريكية، عدد9،1989، ص13.
: عمرو كناوي،الفضاء الروائي في أعمال سحر
خليفة، المرجع السابق، ص17.
[23]
[24]: رشيدة بنمسعود، المرأة والكتابة، سؤال
الخصوصية/بلاغة الاختلاف، إفريقيا الشرق، ط1،1994، ص139.
: النقد البنيوي والنص الروائي، الزمان، الفضاء
والسرد، إفريقيا الشرق،ط1 ،1991،ص79.
[25]
: حسن خضر، صورة المكان،مجلة الكرمل، العدد60،
صيف 1999، ص34.
[26]
: إبراهيم نبيلة، -فن القص، في النظرية
والتطبيق، مكتبة غريب، مصر، د.ت160 .
[27]
[28]: شاهين أسماء، جماليات المكان في روايات جبرا
إبراهيم جبرا، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، 2001، ص17.
: – حافظ صبري، الحداثة والتجسيد المكاني، مجلة
فصول، ع4، 1984، ص172
[29]
52: صالح صلاح، قضايا المكان الروائي في الأدب
المعاصر، دار شرقيات للنشر والتوزيع، ط1، 1997، 
ص131.
53: ياسين النصير، الرواية والمكان، ج2، وزارة الثقافة، بغداد 1995، ص16،
الرواية والمكان، ج2، وزارة الثقافة، بغداد 1995، ص16.
[32]: رشيد الإدريسي، سيمياء التأويل،الحريري بين
العبارة والإشارة ،شركة النشر والتوزيع-المدارس-الدار البيضاء، ط1،2000 ، ص73 .
: رشيد الادريسي، المرجع السابق، ص 74.[33]
[34]ميخائيل باختين، الخطاب الروائي، ترجمة محمد
برادة، رؤية للنشر والتوزيع، ط1، 2009، ص،ص182-183.
[35]: نفسه ،ص190.
[36]: د.وجيه يعقوب السيد، توظيف الأسطورة في
الرواية العربية المعاصرة، حوليات الأدب والعلوم الاجتماعية ،العدد 287، ديسمبر
2008، ص16.