أخر الأخبار
الرئيسية » الارشيف » بحت ادبي للطالبة غزلان املية تتمة…..

بحت ادبي للطالبة غزلان املية تتمة…..



مدخل تطبيقي

الصورة الشعرية
في قصيدة “انشودة المطر” :
v  
الصورة التشبيهية
v  
الصورة الرمز والتوظيف الاسطوري
v  
وظيفة الصورة الشعرية
v  
الصورة الشعرية وبناء القصيدة
انشودة المطر
عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ ،
أو شُرفتان راح ينأى عنهما القمر .
عيناك حين تبسمان تورق الكرومْ
وترقص الأضواء … كالأقمار في نهَرْ
يرجّه المجذاف وهْناً ساعة السَّحَر
كأنما تنبض في غوريهما ، النّجومْ
وتغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيفْ
كالبحر سرَّح اليدين فوقه المساء ،
دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف ،
والموت ، والميلاد ، والظلام ، والضياء ؛
فتستفيق ملء روحي ، رعشة البكاء
ونشوةٌ وحشيَّةٌ تعانق السماء
كنشوة الطفل إِذا خاف من القمر !
كأن أقواس السحاب تشرب الغيومْ
وقطرةً فقطرةً تذوب في المطر
وكركر الأطفالُ في عرائش الكروم ،
ودغدغت صمت العصافير على الشجر
أنشودةُ المطر
مطر
مطر
مطر
تثاءب المساء ، والغيومُ ما تزالْ
تسحُّ ما تسحّ من دموعها الثقالْ .
كأنِّ طفلاً بات يهذي قبل أن ينام :
بأنَّ أمّه – التي أفاق منذ عامْ
فلم يجدها ، ثمَّ حين لجّ في السؤال
قالوا له : “بعد غدٍ تعودْ .. “
لا بدَّ أن تعودْ
وإِنْ تهامس الرفاق أنهَّا هناكْ
في جانب التلّ تنام نومة اللّحودْ
تسفّ من ترابها وتشرب المطر ؛
كأن صياداً حزيناً يجمع الشِّباك
ويلعن المياه والقَدَر
وينثر الغناء حيث يأفل القمرْ .
مطر ..
مطر ..
أتعلمين أيَّ حُزْنٍ يبعث المطر ؟
وكيف تنشج المزاريب إِذا انهمر ؟
وكيف يشعر الوحيد فيه بالضّياع ؟
بلا انتهاء – كالدَّم المراق ، كالجياع ،
كالحبّ ، كالأطفال ، كالموتى – هو المطر !
ومقلتاك بي تطيفان مع المطر
وعبر أمواج الخليج تمسح البروقْ
سواحلَ العراق بالنجوم والمحار ،
كأنها تهمّ بالشروق
فيسحب الليل عليها من دمٍ دثارْ .
أَصيح بالخليج : ” يا خليجْ
يا واهب اللؤلؤ ، والمحار ، والرّدى ! “
فيرجعُ الصّدى
كأنّه النشيجْ :
يا خليج
يا واهب المحار والردى .. “
أكاد أسمع العراق يذْخرُ الرعودْ
ويخزن البروق في السّهول والجبالْ ،
حتى إِذا ما فضَّ عنها ختمها الرّجالْ
لم تترك الرياح من ثمودْ
في الوادِ من أثرْ .
أكاد أسمع النخيل يشربُ المطر
وأسمع القرى تئنّ ، والمهاجرين
يصارعون بالمجاذيف وبالقلوع ،
عواصف الخليج ، والرعود ، منشدين :
مطر
مطر
مطر
وفي العراق جوعْ
وينثر الغلالَ فيه موسم الحصادْ
لتشبع الغربان والجراد
وتطحن الشّوان والحجر
رحىً تدور في الحقول … حولها بشرْ
مطر
مطر
مطر
وكم ذرفنا ليلة الرحيل ، من دموعْ
ثم اعتللنا – خوف أن نلامَ – بالمطر
مطر
مطر
ومنذ أنْ كنَّا صغاراً ، كانت السماء
تغيمُ في الشتاء
ويهطل المطر ،
وكلَّ عام – حين يعشب الثرى – نجوعْ
ما مرَّ عامٌ والعراق ليس فيه جوعْ .
مطر
مطر
مطر
في كل قطرة من المطر
حمراءُ أو صفراء من أجنَّة الزَّهَرْ .
وكلّ دمعةٍ من الجياع والعراة
وكلّ قطرة تراق من دم العبيدْ
فهي ابتسامٌ في انتظار مبسم جديد
أو حُلمةٌ تورَّدتْ على فم الوليدْ
في عالم الغد الفتيّ ، واهب الحياة !
مطر
مطر
مطر
سيُعشبُ العراق بالمطر … “
أصيح بالخليج : ” يا خليج ..
يا واهب اللؤلؤ ، والمحار ، والردى ! “
فيرجع الصدى
كأنَّه النشيج :
يا خليج
يا واهب المحار والردى . “
وينثر الخليج من هِباته الكثارْ ،
على الرمال ، : رغوه الأُجاجَ ، والمحار
وما تبقّى من عظام بائسٍ غريق
من المهاجرين ظلّ يشرب الردى
من لجَّة الخليج والقرار ،
وفي العراق ألف أفعى تشرب الرَّحيقْ
من زهرة يربُّها الفرات بالنَّدى .
وأسمع الصدى
يرنّ في الخليج
مطر ..
مطر ..
مطر ..
في كلّ قطرة من المطرْ
حمراء أو صفراء من أجنَّةِ الزَّهَرْ .
وكلّ دمعة من الجياع والعراة
وكلّ قطرةٍ تراق من دم العبيدْ
فهي ابتسامٌ في انتظار مبسمٍ جديد
أو حُلمةٌ تورَّدت على فم الوليدْ
في عالم الغد الفتيّ ، واهب الحياة . “
ويهطل المطرْ ..
تعتبر قصيدة أنشودة المطر لبدر شاكر السياب تجربة شعرية متميزة في مساره
الشعري، فهي مبنية في مفهومها العام على أسطورة الموت والانبعاث.
وبناء القصيدة عموما قائم على تفاعل مجموعة من الرموز والصور الشعرية التي
تخدم هذا المفهوم، فإذا تتبعنا الصورة الشعرية الواردة في القصيدة فسنجد أنها
زاخرة وحافلة بالتشبيهات والاستعارات والكنايات والرموز الدلالية المختلفة المشارب
والأنواع، للتعبير عن رؤيته الخاصة في قالب شعري بديع يمزج بين سحر اللفظ، ودلالة
المعنى، هذه الصور التي تغري بالقراءة والتحليل، وتفتح شهية المتلقي لمحاولة تحديد
بعض الرموز الموظفة، وتوضيح مدى مساهمتها فنيا وثقافيا في التشكيل والزخرفة الفنية
لهيكل ومضمون القصيدة التي نحن بصدد دراستها وتحليلها ” أنشودة المطر”.
فالصورة الشعرية كما رأينا في الجانب النظري من البحث تعتبر أهم المقومات
الفنية التي ميزت الخطاب الشعري العربي عموما وخاصة الحديث منه، وذلك من خلال
الانتقال من مرحلة اللغة التقريرية، إلى لغة التخييل والانزياح، والتي تعتمد على
تقنية الرمز، بالإضافة إلى أهمية الأسطورة كخاصية مميزة للخطاب الشعري، الذي وصل الحاضر
بالماضي التراثي والإنساني التاريخي بكل تمظهراته.
لكن بالرغم من هذه المميزات والخصائص التي تميز الشعر الحديث من توظيفها
للرموز والأساطير إلا أنها ظلت محافظة للمكونات الشعرية البلاغية القديمة من تشبيه
واستعارة.
الصورة التشبيهية:
لقد اعتمد السياب في أحايين كثيرة على التشبيه
والاستعارة، بالإضافة إلى الكناية، فهو حين يفتتح قصيدته بمخاطبة امرأة لا يسميها –
كما فعل القدماء – ولا يحدد هويتها إلا حين يشبه عينيها بغابة نخيل وفي الآن نفسه
يجعل من النخيل رمزا لبلده العراق حين يقول :
عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر
عيناك حين تبتسمان تورق الكروم
وترقص الأضواء … كالأقمار في نهر
يرجه المجداف وهنا ساعة السحر
كأنما تنبض في غوريهما النجوم (1)
فمن خلال تحليلي الصوري لهذا المقطع يتضح بان
الشاعر وظف العديد من الصور الشعرية، حيث نجد في السطر الأول من القصيدة الصورة
قائمة على التشبيه المؤكد، حيث ذكر المشبه ( عيناك) والمشبه به ( غابتا نخيل)
وحذفت الأداة، فوجه الشبه بين العين وغابة النخيل هي كثافة الرموش وهذا دليل على
الجمال، كما وصف الشاعر العين بالغابة دليل على الاتساع، فكلما كانت العين متسعة
دلت على الحب والعطاء، وهنا يتحدث الشاعر عن محبوبته ( العراق)، ويخصص لها هذه
الأوصاف، حيث استعار لها لفظ ( عيناك) باعتبار العيون أول من يخاطب القلب عاطفيا،
وهذا دليل على حب الشاعر لوطنه وشغفه به. كما حدد في نفس السطر الزمن ( ساعة
السحر)،
1-بدر شاكر السياب، المجلد الثاني، دار العودة بيروث، 1986، ص 474.
للدلالة على الهدوء والسكون الذي يعم البلاد قبيل الصبح، ليستمر في تشبيه
العينان  في السطر الثاني بالشرفتين اللتين
بعد عنهما القمر من شدة غيرته من جمالها، لان جمالها ضاها جمال القمر. علاوة على
هذه الصورة التشبيهية وظف الشاعر صورة استعارية شملت الأسطر المتبقية من المقطع،
ففي السطر الثالث نجد استعارة مكنية، حيث شبه الشاعر العين بالإنسان الذي يبتسم،
فحذف المشبه به (الإنسان)، وذكر شيئا من لوازمه (الابتسامة)، فحول وظيفة الابتسامة
من الفم الى العين، ونجد تتمة الصورة في نفس السطر، فهي صورة مركبة، (تورق
الكروم)، اي انها مزهرة ومثمرة للدلالة على الخير والغنى الذي تتميز به بلاد
الشاعر فإذا ابتسمت العين فهي تسحر الناظر وتجلبه إليها، نفس الشيء نجده في السطر
الذي يليه حيث شبه الأضواء بإنسان يرقص، كما شبه هذه الأضواء باهتزاز القمر في
النهر ( هذا القمر الذي تعكس صورته في النهر)، وهذا دليل على الفرحة التي كانت تعم
بلاد الشاعر الحبيبة.
ليتحول إحساس الشاعر من الشعور بالفرح إلى الحزن والكآبة، حيث شبه النجوم
بالقلب الذي ينبض وهي استعارة مكنية، فقد أسند الفعل لغير فاعله ( جعل للنجوم قلب
)، ليوضح في السطر الذي يليه (وتغرقان في ضباب من أسى شفيف ) إن هذه النجوم تختنق
بالضباب للدلالة على الحزن الشديد الذي يغرق فيه الإنسان، وهنا نجد انسنة الطبيعة،
لان الحزن من صفة الإنسان وليس من صفة النجوم. ليستمر في توظيف هذه الصور الدالة
على حزن الشاعر في المقطع الذي يلي هذا السطر، حيث يقول :
ونشوة وحشية تعانق السماء
كنشوة الطفل إذا خاف من القمر
كان أقواس السحاب تشرب الغيوم
وقطرة فقطرة تذوب في المطر
وكركر الأطفال في عرائش الكروم
ودغدغت صمت العصافير على الشجر
أنشودة المطر…                    
مطر…                             
مطر…                             
مطر…  (1)
في هذا المقطع نجد هيمنة الاستعارة، حيث شبه
النشوة بالحيوان المفترس والسماء بالإنسان الذي يعانق، كما شبهها أيضا بالطفل الذي
يخاف من القمر، كما شبه السحاب بالإنسان الذي يشرب الغيوم، فكل هذه الصور نجدها
عبارة عن استعارة مكنية، حيث اسند الفعل لغير فاعله، بالإضافة إلى هذه الصورة نجد
توظيف الكناية حين يقول الشاعر :
وكركر الأطفال في عرائش الكروم(2)
كناية عن السعادة التي يحملها المستقبل وتجدد الحياة وولادة العالم، علاوة
على الحرية والانطلاق حين يقول:
ودغدغت صمت العصافير على الشجر (3)
بالإضافة إلى هذه الصور فقد وظف بدر شاكر السياب العديد من الاستعارات
والكنايات في باقي الأسطر الشعرية من القصيدة، فهو تارة يشبه المساء بإنسان
يتثاءب، يقول:
تثاءب المساء والغيوم ماتزال(4)
1-بدر شاكر السياب، المجلد الثاني، المرجع السابق، ص 475.
2-نفسه ص 475.
3-نفسه ص 475.
4-نفسه ص 475.
وتارة أخرى الغيوم بالمرأة التي تبكي بشدة، يقول:
تسح ما تسح من دموعها الثقال(1)
وهنا نجد كناية عن شدة ما يعانيه الوطن من ظلم وقهر، حيث يربط صورة هذه
الغيوم التي تذرف الدمع بصورة الطفل الذي فقد أمه ويبكي سائلا عنها، يقول:
كان طفلا بات يهدي قبل أن ينام (2)
وهنا استخدم الشاعر الطفل كرمز للمستقبل والحرية، حيث إصرار الشاعر وتحدي
المناضل على تحرير الوطن وعودة العراق حرة كما كانت، يقول:
لا بد أن تعود (3)
كما نجد الشاعر وظف في السطر الذي يقول فيه:
تنام نومة اللحود (4)
وظف كناية عن الموت والخراب الذي حل بالوطن، وأيضا كناية عن الذل الذي تعيش
فيه العراق، يقول:
تسف من ترابها وتشرب المطر (5)
بالإضافة إلى ذلك فقد وظف الشاعر عدة تقابلات،
فالتقابل حسب الدكتور بازي هو أساس الكون، لان كل موضوعات الوجود مبنية بناء
تقابلي، وهذا ما اصطلح عليه بتقابل الأكوان، مثلا نجد: (الموت مقابل الميلاد،
والظلام مقابل الضياء).
1-         
بدر شاكر السياب، المرجع السابق، ص 475.
2-         
نفسه ص 475.
3-         
-نفسه ص 476.
4-          
نفسه ص 476.
5-          
نفسه ص 476.
وعموما فالملاحظ في هذه القصيدة هو كثرة استعماله لأداة التشبيه (كان) في
أكثر من موضع في القصيدة. كما في قوله:
كان أقواس السحاب تشرب(1)
و قوله:
كان طفلا بات يهذي قبل أن ينام(2)
وهذا التكرار مقصود من طرف السياب، لأنه من ناحية يوسع خياله الشعري، حيث
يسبح فيه كما يشاء، ومن ناحية ثانية من التجديد في العلاقات الداخلية على صعيد
البنية اللغوية للنص عموما.
أما إذا ذهبنا إلى نوعية الصورة فنجد أن اغلب الصور الشعرية في القصيدة هي
عبارة عن صور بصرية بالاستناد للحواس، ونجد تراسل الحواس من الانسان الى الجماد،
اما من حيث موضوع هذه الصور فنلاحظ بانها تتداخل فيما هو طبيعي انساني، فهناك
الطبيعة من خلال توظيف عناصر ومفردات تنتمي للطبيعة، وموضوعات انسانية، لكن لا
نجدها واضحة، حيث أنسنة الطبيعة، لذلك فموضوع الطبيعة هو المهيمن.
وكخلاصة فمن خلال تحليلي للقصيدة نجدها بأنها
زاخرة بالصور الشعرية من رموز واستعارات وكنايات، حيث إن معظم هذه الصور إن لم نقل
كلها هي عبارة عن علاقات مجازية ذهنية، حيث إسناد الفعل لغير فاعله وتنافر
الإسناد، كما إننا نجد مشابهة بين أطراف التشبيه، وعموما فقد جاءت هذه الصور من
اجل الشرح والتوضيح، ومن اجل إقناع المتلقي والتأثير فيه.
1-بدر شاكر السياب، المرجع السابق، ص 475.

2-نفسه ص 475.