أخر الأخبار
الرئيسية » الارشيف » من أجل مدرسة أكثر عقلانية

من أجل مدرسة أكثر عقلانية


ذ/  لعميمي عبد القادر …………………………………………………………………………………..

دافعوا عن عقولكم كما لو كنتم تدافعون عن
أسوار مدرستكم –هيروقليطس- بتصرف”
إن إحساسي بالمسؤولية وبالخطر الذي يحدق
بالتلميذ,هو ما يدفعني لصنياغة وتوجيه هذه الورقة,ورقة أطمح من ورائها أن أضع
بصماتي ولمساتي على بعض الحروف,وأن أجعل الحقيقة تنتقل منخفائها الى لا خفاء
كونها,أي إلى الانكشاف والظهور…لكن كي لا أمارس عنفا على الفكر,سأترك للسان
مساحة التعبيرعن الحقيقة ,شرط أن تكون طريقة التعبير عنها إستراتجية وهادفة,تؤسس
للشرط الانساني.ولكي لايكون خطابي خطاباعفويا سأعمل على طرح مجموعة من الامور,أرسم
من خلالها خطوط وحدود موضوعي,حتى لا أترك لعقلي حرية فضح كل الاشياء المسكوت
عنها.لقد تحولت مدارسنا من مؤسسات تعليمية تربوية, تسعى إلى تنمية القدرات العقلية
للتلاميذ إلى دور للحفظ والاستظهار,بل وأكثر من ذلك تعد أغلب مؤسساتنا من أكبر
المؤسسات الدينية التى تبشر بالجنة,وتحدر من أهوال القبر وعذاب النار….وكل ذلك
يعود الى بعض اساتذتها الاجلاء الذين لم يبخلوا على الانسان مفاتيح
الجنة,…فخطبهم المتوالية وموائدهم المستديرة دليل واضح على جهودهم الفعالة
وشغفهم المتواصل في ترسيخ افكارهم الايديولوجية في أدهان التلاميذ.هؤلاء الذين أصبحوا
يعيشون حالة ارتياب ورعب في وجودهم الواقعي, حالة خلقها عدو الانسانية الاصولي عبر
أفكاره الارهابية المتحجرة التي باتت ترافقالنفوس البريئة ليل نهار. ما لا يعرفه
هؤلاء هو أن التربية التي تهدف الى توصيل المعرفة تظل جاهلة بماهية المعرفة
الانسانية وبآلياتها وحدودها وصعوبتها ونزوعها الطبيعي الى الخطا والوهم.كما أنها
لا تبذل أي مجهود لتعرف بماهية المعرفة.(1) كنا نحصر اسباب الفشل المدرسي في
المخططات السياسية فقط, لكن اتضح اليوم أن هناك سببا آخر أشد خطورة من
سابقه,ويتعلق الامر هنا بالمد الاصولي الذي يعمل بأفكاره الايديولوجية على برمجة
تصوراته وأزهاره الوهمية الخيالية في آذان التلاميذ. وبالتالي فالمؤسسة ممزقة بين
العوامل الخارجية والداخلية .
بصراحة إن الفكر القروسطي اخترق ولا يزال يخترق كياناتنا حتى النخاع,وكل
ذلك على حساب الفكر.فإلى متى سيظلحالنا هكذا؟إلى متى سيبقى الليل مخيما على وجودنا
الفكري؟متى سيستيقظ الوعي المغربي  وينير
فكر الحداثة في مؤسساتنا وثقافتنا؟إننا نعيش اليوم الظلمة الاصولية وليس الصحوة,
أو اليقظة أو الانبعاث.والصحوة العقلية لن ولن تجيئ لا بعد انجلاء هذه الظلمة,هذه
الكربة.هذه العتمة الحالكة السوداء,ولن تنجلي قبل أن تأخد مداها وأبعادها,قبل أن
ترتكب كل حماقاتها وتفجيراتها , قبل أن تفقد مصداقيتها . وهذا ما هو حاصل الان أو
ما سيحصل عما قريب , فما يجهله أو يتجاهله الاصليون وأصحاب الوعي البسيط , هو
انسداد أفقهم التي لم تعد تملك سوى آليات الترهيب والتهديد حتى على مستوى العملية
التربوية , فويل لكل الثلاميذ الذين هم عن أفكار الأصولية ممتنعين , سيلقون عقاب
القلم الاحمر جزاء لما كانو يفعلون  .                                          إن اليقضة الحقيقية لن تتم
إلا عندما يستيقظ الوعي المغربي على ذاته ويستهلك كل مقوماته وإمكانياته .عندئذ
سوف تنكشف تاريخية كل ما قدم نفسه حتى الآن وكأنه فوق التاريخ , أو فوق البشر ,او
فوق الواقع , وعندئذ سوف تحصل تعرية رائعة لكل مقولات الأصوليين وأساطيرهم
وعقائدهم التي يعتقدون انها فوق النقد , وفوق التاريخ , وفوق الوجود . وسوف تحصبح
شروط انبثاق التنوير العقلي في عالمنا المغربي ممكنة ومتوافرة , عندئذ سوف تحل
أزمة الوعي المغربي مع نفسه ومع الحداثة العلمية والفلسفية .                                                                                                             
                       هذه الحالة الثورية الغضبية التي أشعر بها وأنا
أكتب كلماتي وأفكاري , تعكس مدى تأـسفي على حال بعض المدرسين المغاربة الذين
يعيشون تناقضات  صارخة مع ذواتهم ومع
عالمهم الخارجي . كما تعكس مدى غيرتي على الملكات العقلية والقدرات الفكرية
للتلاميذ , التي باتت تشهد القهقرى والتدهور , بسبب ثقافة الحفظ والاستظهار .                                                        
إن الأصولية داخل مؤسستنا التعليمية تمثل حاليا العدو الأكبر للحداثة وللعقل
, إنها تمثل العدو المطلق للتلميذ بامتياز , وهي على أي حال لاتخفي ذلك , وإنما
تعلنه على رؤوس الاشهاد في كل لحظة , فاحتقارها لقيم الحداتة العقلانية , دليل
واضح على تزمتها وعجزها عن مواجهة الحقيقة , وإذا كانت تأخذ من الحداثة الجانب
الثقني أو التكنولوجي المحض , فإنها تحرص أشد الحرص على ألا يكون ملوثا بالجانب
الفكري أو الوثني الخ…وهذا هو حال الأساتذة الأصوليون القروسطويين بتانوياتنا
اليوم , يرفضون الحداثة ويستهلكون انتاجاتها , يركبون السيارات , ويستخدمون الهاتف
والحاسوب , ويستهلكون الانترنيت والكهرباء , الخ…. ويقولون :”إن هذا لمن
فضل ربي ” , ناسين بذلك أن الفضل يرجع إلى العقل الذي رفضوا الايمان به .
إنهم لايستطعون حتى التميز بين ما هو إنساني واقعي قائمعلى العقل ,وبين ماهو إلهي
سماوي قائم على النقل / الوحي.=وبما انهم يجهلون قوى الطبيعة فانهم يريدون ان ينضم
الجميع اليهم في جهلهم هذا,انهم يرفضون كل بحث او تقص على الحقائق ويريدوننا ان
نؤمن بشكل سادج على طريقة الفلاحين..اي دون ان نبحث عن اسباب الظواهر او
عللها.ونحن نقول بانه ينبغي البحث عن كل شيئ او عن ظاهرة طبيعية ,وإذا ما علموا
بأن شخصا ما يقوم بالبحوث التجريبية,فإنهميشتبهون به ويتهمونه بالزندقة(2) نعم
إنهم يحاربون كل من ينتقدهم وكأن آرائهم وأقوالهم وحي وقدس لا ينبغي المساس
به,وهذا ما يثير إشكالية تعليم الفهم في كوكبنا كإشكالية ذات أبعاد قيمية تتخطى
الشرط جديد هو الشرط الانساني بكل تجلياته الفلسفية العلمية.”فالفهم يشكل
فيالوقت ذاته وسيلة التواصل الانساني وغايته.والحال أن التربية على الفهم غائبة
كليا عن مختلف أنواع تعليمنا. إن كوكبنا يتطلب انواعا من الفهم المتبادل في جميع
المستويات وعلى جميع الاصعدة.وبالنظر الى أهمية التربية على الفهم على جميع
المستويات التربوية وكل المراحل العمرية,يقتضي تطور الفهم إصلاحا للعقليات, وهذا
أحد الرهانات الكبرى للتربية في المستقبل.                                       لقد اصبح
التفاهم بين البشر , بغض  النظر عن كونهم
أقوياء أو غرباء عن بعضهم البعض , أمرا حيويا لكي تتحرر العلاقات الانسانية من
الوضعية الوحشية التي يسبب فيها اللاتفاهم .                                                                                                                                                    
من هنا ضرورة دراسة جذور وأنماط ونتائج اللاتفاهم (وليس فقط أعراضه)
يجب ,بالفعل,التوجه إلى جذور العنصريات وكره الأجانب والاحتقار . وبإمكان مثل هذه
الدراسة أن تشكل في نفس الوقت الأسس الأكثر ضمانة للتربية على السلام .  (3)             إدا تأملت جيدا الخطاب الاصولي , ونظرت
إليه بعين فاحصة ,لوجدت فيه , نوعا من العفوية , مما ينتج عنه اضطرابات وفراغات
وتناقضات على مستويات عدة : على مستوى المعرفة ,على مستوى المنهج , على مستوى
اللغة , ثم على مستوى التنظيم , بل وعلى مستوى العناوين كذلك . وحتى نكون أكثر
واقعية , ينبغي علينا أن نقف وقفة المتأمل لذاته والناقد لها , قصد كشف الفراغ
والخلل , ثم مجاوزتهما . فإلى أي منحدر انحطت هذه الامة لكي تصل نخبتها المثقفة الى
مثل هذه المستويات؟في تاريخ الغرب ,كل المفكرين الذين ظهروا كانوا يضيؤون للامة
الطريق كانوا يهدونها الى درب الحقيقة كانوا يرون الاشياء قبل ان ترى.
كانوا يستشعرونالمستقبل ويستكشفون آفاقه عن طريق الرادار الفلسفي ,مما
يبرز لنا أن المجتمع الغربي مجتمع يؤمن بالعلم,وبالتالي فهو منسجم مع الواقع.عكس
مجتمعنا الذي يؤمن بالاسطورة والخرافةولايريد تبني الرؤية العلمية الحداثية, وهذا
ما يتجلى في طبيعة التفكير (القروسطي)الذي لا يزال مهيمنا على مثقفينا.إن عصرنا
الراهن كثر فيه الغوغائيون الذين لا يرون أبعد من انفهم.فلنقل لهم سائلوا
دواتكم,لانه بالسؤال ستخففون لا محالة عناء تناقضاتكم,وتفتحون ابواب الحداثة
والتنوير في وجودكم.